fbpx


قمة المأساة: أن تكون سورياً وأكاديمياً أيضاً

/ 03-02-2017

قمة المأساة: أن تكون سورياً وأكاديمياً أيضاً

اسطنبول— يقف الأساتذة السوريون اليوم أمام خيارين: البقاء في بلدهم وتعريض حياتهم للخطر أو السفر للخارج والعيش في عزلة كبيرة.

وبغض النظر عما يختارونه، يعتقد العديد منهم أنهم منسيون إلى حد كبير من قبل المنظمات الإنسانية الدولية.

يكشف واقع العديد من أساتذة جامعة حلب، أحد أكثر المدن تضرراً من النزاع الدائر في البلاد، صعوبة القرارات التي تواجه الأكاديميين السوريين. إذ اختار محمد جمعة خليفة، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة حلب، البقاء في مدينته. لكن سكان المحافظة الشمالية، والتي طالما عرفت بأنها العاصمة الاقتصادية لسوريا، يعانون بصورة مستمرة من البراميل المتفجرة ونقص الغذاء والماء والكهرباء والغاز. حيث يضطر الكثيرون لقطع الأشجار للحصول على الوقود لتدفئة منازلهم.

وقف خليفة، الذي يقطن في منطقة واقعة تحت سيطرة النظام، لأيام في طوابير للحصول على إسطوانة غاز. إلا أن قلبه لم يحتمل الانتظار أكثر فسقط ميتًا بسكتة قلبية مباغتة.

فقدت الجامعات السورية نحو ثلث أساتذتهم، في حين انقطع عن الدراسة بها نحو 100 ألف طالب وطالبة، وفقاً للبيانات الحكومية التي قد لاتكون دقيقة تماماً.

لايبدو الأستاذ الجامعي السوري رابحاً عندما يتعلق الأمر بالسياسة. فالمؤيدين للنظام يتعرضون لتهديدات من قبل قوى المعارضة، بينما يتعرض المعارضين لتهديدات من قبل القوات الحكومية.

ومع اشتداد الاستقطاب، يفضل العديد من الأساتذة الفرار لدول الجوار أو الهجرة لأوروبا. بينما يطرح البعض إمكانية إقامة جامعة جديدة في واحدة من مناطق المعارضة أو في تركيا.

قال عمار الإبراهيم، أستاذ سابق في كلية الزراعة في جامعة حلب “اضطررت للهروب واللجوء الى تركيا حفاظاً على سلامتي وسلامة عائلتي.”

يقع منزل الإبراهيم في منطقة اشتباكات بين فصائل المعارضة والنظام السوري في حلب، قال “الوضع خطير، كما أنني طُلبت للتحقيق بسبب مواقفي الداعمة للثورة.” أخيراً، غادر الابراهيم لتركيا.

لكن العيش في تركيا ليس بالأمر اليسير بالنسبة للأكاديميين السوريين. إذ ليس من السهل العثور على وظائف في الجامعات لمن لايتحدث اللغة التركية.

في المقابل، وجد مسلم طلاس، أستاذ الاقتصاد المالي والنقدي في جامعة حلب فرصة للعمل في جامعة ماردين أرتوكلو، جنوب تركيا. حيث ساعده إتقانه للكردية على التواصل مع الطلاب الذين يتحدثون هذه اللغة أيضاً.

وعلى الرغم من تشكيل الائتلاف الوطني السوري لبعض المنظمات التعليمية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 خلال اجتماعات المعارضة في الدوحة، إلا أن الأساتذة يشكون من عدم تواصل هذه المنظمات معهم أو مساعدتهم في العثور على فرص عمل. قال طلاس “الحقيقة لست على احتكاك مباشر مع جهات المعارضة. لكنني لم ألمس أي تحرك من طرفهم لدعم الأكاديميين أو الاستفادة منهم كأساتذة خارج إمكانية استخدامهم كشخصيات سياسية.”

بدوره قال عبد الله الحسيني، أستاذ سابق في كلية الهندسة المدنية في جامعة حلب ورئيس المكتب التنفيذي لتجمع المهندسين الأحرار، اتحاد لمجموعة مهندسين سوريين يأملون في المساهمة لاحقاً في إعادة إعمار بلادهم، “أدارت جميع جهات المعارضة ظهرها لأساتذة الجامعة والأكاديميين ولم تقدم لهم أي مساعدة مهنية أو مادية، وهذا ما يفسر ازدياد هجرة الأساتذة الجامعيين نحو أوروبا.”

يعتقد بعض الأكاديميين السوريين أنهم منسيون أيضاً من قبل المنظمات الدولية. قال الإبراهيم “تواصلنا مع العديد من الجهات التي تهتم بأمور البحث العلمي كمؤسسة CARE التعليمية البريطانية وصندوق إنقاذ العلماء ولم نتلق أي رد بعد.”

تقول المنظمات الدولية إنها تسعى جاهدة للرد على كافة الطلبات التي تردها. قالت سارة ويلكوكس، مديرة صندوق إنقاذ العلماء ،” مبدأنا وهدفنا هو الرد في أقرب وقت ممكن.”

يقع مقر الصندوق في نيويورك ويسعى لمساعدة الأكاديميين المعرضين للخطر للانتقال للدول الأكثر أمناً في جميع أنحاء العالم. منذ عام 2012، قدم الصندوق دعماً مالياً لنحو 90 زمالة أكاديمية منها 65 لأكاديميين سوريين. مع مراعاة أن يتمتع المتقدمون بمؤهل علمي أعلى من درجة الماجستير وأن يكونوا تحت تهديد حقيقي. قالت ويلكوكس “للأسف، يوجد لدينا الكثير من الطلبات. ونحن نبذل جهدنا لمساعدة أولئك الذين يستوفون الشروط. كما نسعى لتوجيه من لايستوفي الشروط للتواصل مع برامج أخرى.”

يتوجه مجلس مساعدة الأكاديميين المعرضين للخطرCARA،  صندوق مماثل لصندوق إنقاذ العلماء، بالمساعدة للأساتذة الحاصلين على درجة الماجستير فقط. قالت كيت روبرتسون، مديرة برنامج الشرق الأوسط في المجلس، إن الطلبات المقدمة من داخل سوريا لها أولوية أكبر من طلبات الأكاديميين الذين تمكنوا من الفرار. قالت “عامل الخطر هو أكثر إلحاحاً لكونهم مازالوا في سوريا. نحصل على 3-4 طلبات في الأسبوع و50 في المئة منها على الأقل من الداخل.”

تلقت شبكة علماء في خطر في جامعة نيويورك أكثر من  100 طلب من الأكاديميين السوريين، 70 منها جاءت خلال العامين الماضيين. تساعد الشبكة أيضاً الأكاديميين من مختلف أنحاء العالم على الانتقال لأماكن آمنة.

يجمع السعي لمواصلة الحياة معظم الأكاديميين الذين يتواصلون مع هذه المؤسسات الدولية. فقد غادر رضوان زيادة، المدير التنيفذي للمركز السوري للدرسات السياسية والاستراتيجية مؤسسة بحثية مقرها الولايات المتحدة، سوريا في عام 2007. تسبب نشاطه في مجال حقوق الإنسان في جعله هدفاً للحكومة حتى قبل بدء الصراع الحالي. قال “هناك أمر اعتقال صادر بحقي. لكن لدي أمل دائماً بالعودة لسوريا ولو ليوم واحد.”

منذ مغادرته لسوريا، عمل زياده في جامعة هارفارد وكولومبيا وجورج تاون ونيويورك قبل وصوله إلى منصبه الحالي في العاصمة واشنطن. بينما تتوزع عائلته بين السعودية والأردن وتركيا.

قدمت شبكة علماء في خطر منحة دراسية لمابعد الدكتوراه في جامعة غنت في بلجيكا لعالم التغذية قاسم السيد محمود، والذي عاش بين في فرنسا وتركيا وقطر منذ فراره من سوريا.

حصل محمود على شهادة الدكتوراه، لكن توجب عليه الالتحاق بالخدمة الإلزامية للجيش الأمر الذي رفضه. قال “لايمكنني دعم عمليات الجيش ضد المدنيين الأبرياء.”

اختبأ محمود لمدة شهر في ضواحي دمشق قبل استخدام هوية شقيقه لعبور نقاط التفتيش العسكرية في طريقه إلى الحدود التركية. يحاول محمود البقاء على اتصال مع زملائه القدامى في الجامعة، الأمر الذي لايبدو سهلاً. مع ذلك، يأمل برؤيتهم مرة أخرى في سوريا في المستقبل.

في المقابل، أسس مجموعة من الأساتذة الجامعيين اتحاد الأكاديميين السوريين الأحرار والذي يضم اليوم 200 عضواً من الأكاديميين والباحثين السوريين ويتخذ من مدينة الريحانية التركية مقراً له. يهدف الاتحاد الى حماية الأكاديميين وتأمين فرص عمل لهم، إضافة لعمل دراسات علمية لأي جهة تساهم بتطوير وإعادة اعمار سوريا في المرحلة الانتقالية. لكن ضعف الدعم وغياب التمويل أدى الى ايقاف معظم نشاطاته.

يبدي العديد من الأكاديميين اهتماماً بإنشاء جامعة جديدة في المناطق المسيطر عليها من قبل قوات المعارضة لتوفير فرص تعليم للطلاب السوريين وأيضاً توفير فرص عمل لعشرات الاساتذة.

قال الحسيني “نأمل أن تتمكن مؤسسات المعارضة من افتتاح جامعة في المناطق المحررة مما يخفف من معاناة طلابنا ويحد من هجرة الأكاديميين السوريين.”

لكن أخرين يعتقدون أن إنشاء جامعة في المناطق المسيطر عليها من قبل المعارضة أمر شبه مستحيل بسبب تردي الأوضاع الأمنية. إلا أن إنشائها في تركيا يبدو ممكناً مع أهمية تعيين كادر تدريس سوري حسب الاختصاصات والكفاءات.

إلى أن يتم هذا، لايجد غالبية الأساتذة السوريين حلاً سوى السعي للهجرة. قال الإبراهيم “أي فرصة عمل متاحة ستحدد مصيري. إذا استمر الوضع على ماهو عليه، فإنني سأسعى للجوء في إحدى الدول الأوروبية لتأمين مستقبل عائلتي.”

* ساهم في إعداد القصة بنجامين بلاكيت. 




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام