من تجربة صحافي أميركي في تدريس طلاب لاجئين في لبنان

/ 28-09-2016

من تجربة صحافي أميركي في تدريس طلاب لاجئين في لبنان

طرابلس، لبنان– تتطلب قيادة السيارة في أنحاء هذه المدينة الواقعة في شمال لبنان التركيز الكامل والقليل من القدرة الرياضية. فليست هنالك إشارات مرورية، بل دوار مروري عرضي فحسب، لذلك تتضمن كل إستدارة تقريباً محادثات بصوت عال مع المركبات الأخرى. كما ينعدم أيضاً وجود أماكن مخصصة لعبورة المشاة، فترى المارة يعبرون وسط حركة السيارات فيما يشبه نسخة حية من لعبة الضفدع فروجر Frogger. علاوة على ذلك، قد تنطلق دراجة نارية فجأة من بين سيارتين واقفتين، وكأنها تتحدى سائقي السيارات على الاصطدام بها.

في الواقع، لم أقم بقيادة السيارة في زيارتي الأخيرة إلى هنا: ولم يكن أحدهم متحمساً لفكرة السماح لي باستعارة سيارته. فقد كنت زائراً من الولايات المتحدة الأميركية، وكان السكان على حق في شكوكهم بخصوص إستعدادي للقيادة وردود فعلي المحتملة. لكن ما أدهشني هو الكيفية التي يتوجب فيها على أولئك الجالسين خلف عجلة القيادة هنا أن يكونوا في تناغم مع كل شخص آخر على الطريق، ليحدقوا على الدوام في عيون الآخرين قبل أن يقرروا الجهة التي سيتوجهون إليها والسرعة اللازمة للقيام بذلك.

كنت في طرابلس لحضور ورشة عمل تستمر لمدة ثلاثة أيام لشرح أساليب القص باستخدام الوسائط المتعددة لطلاب الجامعات، وجميعهم من اللاجئين السوريين، بإشراف الجمعية اللبنانية لدعم البحث العلمي. فتحولت التجربة لتوازي ما تصورته عن واقع قيادة السيارات في المدينة – المتمثل في الاندفاع، مع مستوى عال من الصعوبات التي لم تكن تشبه تجاربي السابقة.

بالطبع لاتوازي حركة المرور في المدينة حجم مشكلات الطلاب أنفسهم. إلا أن المساحة الآمنة التي يوفرها مكان انعقاد التدريب ساهمت في التخفيف من وطأة ما مر به هؤلاء الطلاب في رحلة فرارهم من سوريا إلى هنا. أخبرتني أحدى الطالبات الطلاب أنها كانت معتقلة في حلب بسبب بعض تغريداتها على تويتر. وهي تستخدم اليوم مهاراتها في التصوير لتوثيق حياة السوريين ذوي الإعاقة في طرابلس وضحايا القصف لزيادة اهتمام العالم بوضعهم. كما كان الكثير من الطلاب مشتركين في مشروع لمجموعة باحثين باسم “كاسة” تعرض سلسلة من القصص المصورة على اليوتيوب للاجئين لديهم مهارات عالية ويرغبون باستخدام مهاراتهم في لبنان لتغيير الصورة النمطية حول تأثير وجود اللاجئين على المجتمعات المضيفة. لذا لم تكن حصص مهارات التصوير مجرد وسيلة للتسلية بالنسبة لهم.

وكما اعتدت على الإشارات المرورية، على سبيل المثال، توقعت بأن التكنولوجيا في الفصول ستكون متوفرة في العادة كأمر مفروغ منه، ولاسيما فيما يتعلق بالتيار الكهربائي. لكن الانقطاعات الوجيزة للتيار الكهربائي هنا أمر شائع، وحدث أن انقطع التيار الكهربائي عدة مرات بينما كنت أقوم بعرض مقطع فيديو كنت متحمساً لعرضه، ليقطع العرض ويجبرنا على أخذ استراحة لمدة خمسة دقائق بينما نقوم بإعادة تشغيل جهاز الكومبيوتر وجهاز العرض ونعيد عرض مقطع الفيديو. كما كان الإتصال بالإنترنت بطيئاً بشكل ملحوظ، مما جعل من الصعوبة بمكان الاكتفاء بعرض ملفات الفيديو من موقع اليوتيوب كما اعتدت القيام به في الفصل الدراسي. شعرت بالارتباك في البداية، لكن الطلاب رأوا تلك الانقطاعات أمراً روتيني. وعندما توقف أحد مقاطع الفيديو بشكل غير متوقع، صاح أحد الطلاب “مرحباً بكم في لبنان!”

ثم قام أحد الطلاب بتعريفي بخدمة تسمى “احفظ من الإنترنت” تمكنك من تحميل مواقع اليوتيوب في وقت سابق بدلاً من انتظارها لتسير ببطء، لذلك بدأت بحفظها مسبقاً عندما أرغب في عرضها على سبيل المثال.

مجموعة من الطلاب خلال أحد التمارين في ورشة طرابلس، لبنان.

مجموعة من الطلاب خلال أحد التمارين في ورشة طرابلس، لبنان.

لكن التحدي الأكبر تمثل في أن الـ 15 طالب، وجميعهم متخصص في الإنتاج الإعلامي، كانوا قد جاءوا إلى ورشة العمل مزودين بمستويات مهارة متباينة بشكل كبير. في نهاية اليوم الأول، سألني بعض الطلاب إذا ما كان بإمكاني الإسراع قليلاً لأنهم قد غطوا في الواقع ما كنت بصدد شرحه. وهكذا فعلت، على الرغم من أن بعض الطلاب قد أخبروني فيما بعد بأنهم بحاجة للمزيد من المواد الأساسية. لذلك، عدت إلى الوراء قليلاً لأغطي بسرعة بعض ما قمت بتخطيه، مع أمثلة جديدة كما كنت آمل. كانت كل هذه الأمور المتغيرة من حولي فوضوية، وكنت أحاول باستمرار الاقتراب من الحشد والتحدث إلى الطلاب لأكون مفيداً قدر استطاعتي.

كان من شأن القيام بذلك أن يكون أسهل لو إنني أتحدث اللغة العربية أو إذا ما كان جميع الطلاب يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة. لقد كانت تلك المرة الأولى التي أقوم فيها بالتدريس بوجود مترجم. ولم تكن المرأة التي تقدمت للمساعدة في الترجمة على دراية بإنتاج الفيديوهات، لكنها تعرف الطلاب ولم تكن تشعر بالخجل بشأن نقل أي من اقتراحاتهم أو إحباطاتهم. وفي بعض الأحيان، أصبحت مدرسة مشاركة.

وبحلول اليوم الثالث، توقفت عن محاولة إلقاء المحاضرات لأنخرط في تفاعل أكثر مرونة مع الطلاب – فيما يشبه انسيابية حركة المرور على الطرق هنا. فقمت لمدة ساعة واحدة بجمع طلاب ممن يجيدون استخدام برامج تحرير الفيديو بشكل جيد مع أولئك الذين لم يستخدموا تلك البرمجيات من قبل. وفي وقت لاحق من فترة ما بعد الظهيرة، طلبت من إحدى الطالبات القيام بإلقاء محاضرة حول مشروع الفيديو الذي عملوا عليه. وقد فعلت ذلك، باللغة العربية، وقامت المترجمة بإخباري عما كان يُقال، فقمت بطرح بعض الاقتراحات وحاولت توجيه دفة النقاش.

في النهاية، كانت الآراء المتعلقة بورشة العمل إيجابية إلى حد كبير. لكن لم يحب الجميع الورشة. حيث قال البعض إنهم أرادوا محاضرة أكثر تقليدية، تشبه الطريقة التي بدأت بها. ورغب آخرون في الحصول على إجابات واضحة لما يمكن أن يعتبر مقطع فيديو جيد أو سيء. كما عرض علي أحد الطلاب مقطع فيديو كان يعمل عليه – مقطع من أربعة دقائق كان يعتزم وضعه على موقع يشبه الكيك ستارتر يطلب من خلاله جمع تبرعات لموقع ميكرسبيس MakerSpace، وهو نوع من مركز مجتمعي للتعليم. كانت اللقطات جميلة من الناحية الفنية، مع إضاءة جيدة وتأطير بارع – فقد كان يعرف ما يريد القيام به. بدأ الفيديو بمشهد درامي يظهر صديقه يعبر عن احباطه بسبب وضعه المعاشي. بدا ذلك لي متصنعاً وميلودرامياً، وأخبرته بأنه قد يخسر بعض المشاهدين إذا ما شعروا بأن المشهد يبدو متكلفاً. لكنني سرعان ما أضفت بأنه يعرف جمهوره بشكل أفضل مما أعرفه أنا. ما كان يسألني عنه أمر يتعلق بمسألة الذائقة، والسياق الثقافي يلعب دوراً كبيراً في هذا الشأن. أعتقد بأنه قد أنهى المحادثة وهو يشعر بأنني لم أقدم له الكثير من المساعدة (على الرغم من أنني آمل في أن أكون قد أقنعته في حذف بعض الثواني هنا وهناك).

لكن للتبادل الثقافي لحظات أكثر إيجابية. على سبيل المثال، كان بإمكاني أن أعرض على الطلاب أمثلة لفيديوهات أميركية لم يروها من قبل. فقد كانوا مفتونين بمقطع فيديو من صحيفة النيويورك تايمز عن ساحة للتزلج في أفغانستان، على سبيل المثال، واستجابوا بشكل جيد لمشروع خمسين شخص وسؤال واحد، والذي يصور مونتاج لأشخاص من مدن مختلفة وهم يعطون وجهات نظرهم بشأن اقتراحات من قبيل “أين تتمنى أن تكون عندما تستيقظ غداً.”

وبينما كنت أتعلم قواعد المرور الجديدة تلك، حان وقت مغادرة البلاد. أرجو أن أكون قد قدمت بعض المساعدة، على الرغم من أنني لربما أكون قد تعلمت أكثر من الطلاب. إذا ما عدت إلى هناك مرة أخرى، لربما أقوم باستئجار سيارة لأرى كيف سأتصرف في تلك الشوارع.

*جيفري يونغ محرر بارز في صحيفة الكرونيكل، في الولايات المتحدة، وأستاذ مساعد في الصحافة في جامعة ماريلاند في كوليج بارك، حيث يدرس أساليب السرد بإستخدام الوسائط المتعددة. كما حصل على زمالة نيمان في جامعة هارفارد في العام الدراسي 2014-2015.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام