تشكيليون يبرزون الهوية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل

/ 21-09-2021

تشكيليون يبرزون الهوية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

ربما من بين أكثر مقولات الأكاديمي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد خلوداً قوله “عندما تكون الهوية السياسية عرضة للتهديد، فإن الثقافة تمثل أداة للمقاومة في مواجهة محاولات الطمس والإزالة والإقصاء، فالمقاومة شكل من أشكال الذاكرة في مقابل النسيان، والإنسان الذي لم يعد له وطن، يتّخذ من الكتابة أو الفن وطناً يقيم فيه. “

وفي ظل ظروف الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ العام 1948 سعى المبدعون الفلسطينيون لبناء سردية مضادة للسردية الإسرائيلية عن طبيعة الصراع، وتحول الإبداع الفلسطيني إلى التمثيل الأهم لهذا الوطن البديل.

لم تكن النصوص التي كتبها غسان كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي سوى حافظة كبيرة للذاكرة الفلسطينية. كما لعب الفن التشكيلي الفلسطيني دوراً في توثيق مراحل الصراع وتأصيل الهوية في مواجهة غطرسة قوة المحتل.

رموز فنية مقاومة

يعد الفنان إسماعيل شموط أحد رموز الفن التشكيلي الفلسطيني بعد نكبة 1948 الذين أسهموا في تطويره وانتقل به من الواقعية إلى التعبيرية ومن البساطة إلى التركيب.

ويرى نقاد أن أعماله تحولت إلى ملاحم تصويرية تنقل صورا من الحياة اليومية الشعبية وترتقي بها إلى تصوير معاناة تجربة النزوح والحلم بالعودة إلى الوطن.

وعبر أكثر من نصف قرن ابتكر الفن الفلسطيني منظومات لونية مميزة وانتقل من الواقعية إلى التلخيص، ومن المباشرة في التعبير إلى الرمز حتى أصبحت رموزه وعناصره علامة على الشخصية الفلسطينية والنضال في الحاضر والتاريخ.

وفي لوحة شهيرة لشموط بعنوان “الحياة السائدة” تطل ثلاث نساء في وشاح أبيض بثلاث إيماءات إحداهما تحمل زهورا نارية حمراء مع زحام من جموع بشرية ، وبينها عريس وعروس رمزا للنصر والعودة، بينما تحفل الخلفية بعناصر معمارية عديدة للقدس التاريخية.

وواصل الفنان كمال بلاطة، نفس المسار، وعكست أعماله سحر المكان الفلسطيني واتسمت بالاختزال والتلخيص وتوظيف ثراء عناصر الأرابيسك وتكرارية من الهندسيات القوسية.

وواصل الفنان كمال بلاطة، نفس المسار، وعكست أعماله سحر المكان الفلسطيني واتسمت بالاختزال والتلخيص وتوظيف ثراء عناصر الأرابيسك وتكرارية من الهندسيات القوسية ، فضلا عن منظومات لونية ساطعة هامسة من البرتقالي ولمسات من الأزرق الهادئ والرمادي.

وتعطي لوحته الرمزية “هي والقدس” إشارة لتجربته الإبداعية حيث تبرز فيها امرأة متوحدة مع المكان وهي سر البقاء والخلود والاستمرار.

وراهنت الفنانة سهاد زعيتر، على التجريد ولعبت على تشكيل لفائف ودوامات وعناصر من بشر وعيون تجلى فيها المسجد الأقصى رمزا ساطعا بين الأصابع مبرزا شكل الشرايين التي تنبض بالحيوية.

تبرز أعمال جمانة الحسيني، وهي فنانة ولدت بالقدس، معالم المدينة الدينية والتراثية في فضاء لوحاتها حتى قالوا عنها:” جمانة أيقونة القدس. . والقدس أيقونة جمانة.”

وتجسد  أعمالها المدينة وتعيد تشكيلها عبر مسحة جمالية وتعبيرية تجاوزت الواقع، واقتربت من الحلم عبر عالم سحري، تجلى في تكوينات لونية ذات إيقاع هندسي اتسم بالتناسق والتوازن.

وخلال مسيرتها زارت الحسيني مدينة هيروشيما اليابانية وتفقدت مأساتها وربطت في لوحة شهيرة بين مأساة المدينة اليابانية التي نكبت بالقنبلة النووية، وبين القدس العربية المنكوبة بالاحتلال الإسرائيلي.

في مقدمة اللوحة تظهر البناية اليابانية الخربة، وتخرج منها حية حمراء متجهة نحو الأقصى في العمق، كأن الفنانة تؤكد أن تاريخ الإرهاب يعيد نفسه.

الفن في قلب الصراع

من بين فناني الأجيال الأحدث تظل أعمال الفنان سليمان منصور بتعبيريتها الرمزية دالة على مساحة أخرى في وعي الفنان الفلسطيني وتفاعله مع الأحداث إذ جعل الأقصى رمزا تراثيا يمثل الروح والصورة والهوية، في لوحة بعنوان”جمل المحامل “تجسد الرمز فلسطينيا وتظهر جمل يحمل الأقصى وما حوله على كاهله مطوقا بالحبال بما يكشف عن التوحد مع الزمن والارتباط الوجداني بالمقدسات.

أعاد منصور رسم نفس اللوحة وأضاف لها بعض العناصر مثل كنيسة القيامة، بعد أن فقد اللوحة الأولى في غارة إسرائيلية عام 2014.

وفي مرحلة أخرى تابع منصور جهوده في التعامل مع الرمز الفلسطيني عبر لوحته “الأقصى بين أيدينا” إذ قام بتصوير امرأة بالزي الفلسطيني والوشاح الأبيض وهي تتوسط اللوحة وبين يديها الأقصى وفي الخلفية تبدو ملامح القدس عبر الترديد الزخرفي للجلباب الفلسطيني، مع غلبة الألوان البنية لتوحي بامتداد الزمن.

كما تبرز تجربة الفنان تيسير شرف بفضل رهان لوحاته على قوة العناصر المعمارية التي تجمع بين التلخيص والتشخيص وفي إحداها يمزج بين المرأة الفلسطينية والعمارة التاريخية، فتبدو المرأة في المقدمة متوحدة مع تلك السطوح المختزلة، ويغلب عليها ألوان الأحمر والأزرق والأبيض والأصفر.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

ويرى النقاد أن لوحته “الأقصى والحروفية “تمثل ذروة أعماله في هذا الاتجاه، لأنها تجسد القدس ويتوسطها المسجد الأقصى بزخارفه وبواباته المعروفة، وفي مقدمة اللوحة أظهر الفنان دنيا من الحروف والكلمات تتناثر في رشاقة وحيوية.

تعد لوحة “هي والأقصى” لنبيل العناني من أبرز الأعمال الفلسطينية التي تمثل تفردا تعبيريا بين الرمز والواقع.

وتمثل أعمال نبيل العناني نسقا وإيقاعا مختلفا في الفن التشكيلي الفلسطيني وتتسم بسطوح غنائية، تفيض بإيقاع هندسي يمزج البشر والشجر والبيوت وحمامات السلام التي يهفو إليها الفلسطيني هربا من قسوة الحرب والنزوح وتسطع المرأة الفلسطينية في أعماله بزيها الوطني والجلباب الفلسطيني المطرز بنقوش مميزة .

تعد لوحة “هي والأقصى” لنبيل العناني من أبرز الأعمال الفلسطينية التي تمثل تفردا تعبيريا بين الرمز والواقع وصور فيها امرأة بوشاح أبيض ورداء مرصع بالبشر وغصن الزيتون، في حين تقف هي بانحناءة في الرأس وإيماءة تحتضن الأقصى والبيوت التاريخية العتيقة.

صلاح بيصار فنان وناقد مصري، ومؤلف عدة كتب عن الفن.

لقراء المزيد عن الفن الفلسطيني والهوية، يمكن قراءة المقالات التالية على الفنار للإعلام:




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام