مهنة الصحافة ليست للنساء!

/ 17-01-2017

مهنة الصحافة ليست للنساء!

عندما أنهيت دراستي الثانوية، بدأت بالإستفسار عن برامج الصحافة في الجامعات في فلسطين. كان هنالك برامج جيدة. لم تكن برامج قوية إذا ما تمت مقارنتها مع كليات الصحافة الأميركية والأوروبية، لكنها تدرّس الأساسيات بشكل جيد، وتوفر خبرة عملية.

في بداية دراستي، وقف البعض من أفراد أسرتي ضد قراري، زاعمين بأن الصحافة ليست للنساء. فأعددت نفسي لمواجهة مثل هذا النوع من النقاشات. وكان رد الفعل هذا طبيعيا وسط مجتمع ذكوري. أخبرتهم بأن للنساء الحق في أن يشاركن في أي مجال كان، وبأن علينا أن نتخلص من التقاليد البالية.

لذا إلتحقت بالكلية بكل عزم وإصرار على أن أصبح صحافية.

لكن الواقع تحول ليصبح أكثر صعوبة من مجرد كتابة تقارير. وسمعت الكثير من الشكاوى عن الصحافة في فلسطين. لكن خطواتي الأولية المترددة في هذا المجال كانت صادمة بحق.

في فلسطين، الصحافة منحازة ضد المرأة، وواضحة، وبسيطة.

يتم التعامل مع الصحافيات بشكل يختلف تماماً عن طريقة التعامل مع الرجال، مما يعكس نقص دور المرأة في المجتمع الفلسطيني. ينظر الرجال للنساء على أنهن غير قادرات على كتابة تقارير جدية – كتغطية الأخبار، وإكتشاف الحقائق، والتفكير بعقلانية وليس بطريقة عاطفية. ونتيجة لذلك، فإن معظم المؤسسات الإعلامية كالراديو والتلفزيون تحدد دور النساء بالبرامج الترفيهية.

تلقيت أول دورة تدريبية لي في محطّة إذاعية في مدينة الخليل. كنت متحمسة ومستعدة لخوض تدريب جاد. كنتُ طالبة في المرحلة الأولى في الكلية. لكن، وفي لقائي الأول مع المدير، إقترح أن أعمل في مجال الإعلانات. أخبرته بأنني أرغب في الحصول على تدريب جاد، على فرصة تمكنني من دخول عالم الصحافة بشكل صحيح. وكما لو أنني لم أتكلم عن ذلك، كرر المدير إقتراحه.

ولشعوري بالإحباط، تركت فترة التدريب.

في ذات الوقت، يهيمن الصحافيون الذكور على دفة القيادة في الأخبار، والتغطية السياسية وغيرها من البرامج المهمة في معظم وسائل البث لدينا.

تشكل النساء من المحررات الصحافيات ما نسبته 10 في المئة من غرفة الأخبار في وكالة وفا، وهي وكالة أنباء فلسطينية. وتشكل النساء 8.5 في المئة فقط من أعضاء نقابة الصحفيين، جمعية منتسبي وسائل الإعلام الفلسطينية. وهذه النسبة تعتبر ممثّلاً واضحاً للمشهد الإعلامي الفلسطيني.

وفي وقت لاحق، تحدثت إلى صحفي فلسطيني أعتبره شخص مثقف وذو عقلية منفتحة. لكنني تفاجأت بإكتشافي بأنه يعتقد بأن الصحافيات النساء غير ضروريات.

وقال إنه ليس في إمكان النساء مغادرة منازلهن ليلاً من أجل تغطية الأخبار. من المؤكد بأن الآباء والأزواج لن يسمحوا لبناتهم وزوجاتهم بالقيام بذلك، مضيفاً بأنه ليس في مقدور المرأة أن تحمل الكاميرا حتى. ولذلك كان يعتقد بأنه لا ينبغي على النساء أن يدرسن الصحافة على الإطلاق. وما أن سمعت رأيه، حتّ أدركت بأنه لن يكون أمراً ذا قيمة أن أحاول إقناعه أو غيره ممن هم على شاكلته في أن يفكروا بطريقة مغايرة.

في الوقت ذاته، تتبنى العديد من النساء أيضاً وجهات نظر تنتقص من جدية المهنة.

لا يمكنني نسيان ما حصل عندما ذهبت إلى شبكة إذاعية أخرى. كانت تلك الشبكة الإذاعية التي دخلتها بصفتي طالبة في المرحلة الثانية تعتبر الوسيلة الإعلامية الأفضل في فلسطين في وقتها. إلتقيت بصحافية هناك، كانت قد درست إدارة الأعمال وعملت كمقدمة لبرنامج ترفيهي.

سألتها، “ما هي المهارات أو المتطلبات الرئيسية للتأهل كمقدم للبرامج؟”

فأجابتني، “جمال صوتي.”

أصبت بالذعر. فهل كان هذا هو الشرط الرئيسي للمذيع في الراديو؟

بالتأكيد تتضمن الصحافة مواهب مثل التقديم بصوت جميل. لكن أين تعلمت تلك المرأة المعايير الصحافية، وأخلاقيات المهنة، والموضوعية، والمصداقية؟ لقد كنت قلقة حيال الجودة في العمل، بعبارة أخرى. لكن ليس من الواضح إذا ما كانت وسائل الإعلام تبحث حقاً عن الجودة في فلسطين.

بثّت وسائل الإعلام المحلية الفلسطينية مؤخراً تقريراً يفيد بأن لبن الجميد، مادة غذائية جافة صلبة تصنع من الحليب، عبارة عن عقار مخدر. إنتشرت تلك القصة في كل مكان تقريباً على المواقع الإلكترونية لوسائل الإعلام المحلية. وعلى وسائل التواصل الإجتماعي، إشتكى الناس قائلين “كيف سنعيش من دون تناول العديد من الأطباق التي يدخل الجميد في تحضيرها؟”

كان موقع إلكتروني أردني مصدر تلك القصة. لكن القصة كانت ساخرة – ولم تكن حقيقية. مع ذلك، نشرت وسائل الإعلام الفلسطينية ه القصة على صفحاتها الأولى كما لو كانت قصة جادة ومنطقية.

غصت وسائل التواصل الإجتماعي في فلسطين بالقصة، وتناقش الناس في منازلهم ومكاتبهم حول كون لبن الجميد خطير أم لا. وبعد يومٍواحد من إنتشار الأخبار في جميع أرجاء فلسطين، علم الناس بأن الموضوع كان مجرد مزحة.

فكرت في الكيفية التي تم بها إستغفال المحررين الفلسطينيين، ومعظمهم من الرجال. لا يعني هذا بالضرورة أن النساء كن سيكتشفن مزحة الجميد. لكن معظم النساء لا يحظين حتى بفرصة للقيام بخطأ من هذا النوع.

نحن بحاجة لخلق أساس قوي للصحافة الفلسطينية إذا ما كنا نرغب في التمتع بفوائد سلطة رابعة فاعلة، والتي من شأنها أن تكشف الحقيقة في وسط الأكاذيب، الكبيرة والصغيرة، التي تحيط بنا. من دون النساء، وبدون جودة، سيكون ذلك مستحيلاً.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام