تعليم اللغة الإنجليزيّة يقسّم العالم العربي

/ 03-02-2017

تعليم اللغة الإنجليزيّة يقسّم العالم العربي

عندما تقدّم سامح حمدي للحصول على أوّل وظيفة له بعد الكليّة، لدى شركة إتّصالات مصريّة، تمّ إجراء المقابلة معه باللغة الإنجليزيّة.

تخرّج السيّد حمدي من كليّة هندسة متميّزة في جامعة القاهرة تدّرس باللغة الإنجليزيّة بشكلٍ أساسي. وبينما يقول إنّه قد تعلّم التعابير التقنيّة فقط، فقد كانت لغته كافية لإجتياز مقابلة العمل الأولى تلك بنجاح. اليوم يعمل حمدي ككبير مهندسي شبكة إتّصالات سيسكو  Cisco، في ولاية كارولينا الشماليّة.

قال السيّد حمدي “إنّ تعلّم العربيّة لا يضيف لي الكثير كمهندس. لكنّ تعلّم الإنجليزيّة يضيف الكثير. ومن أجل الوصول إلى شركة جيّدة متعدّدة الجنسيّات، فإنّه أمرٌ مفيد بالتأكيد.”

يقود مثل هذا الشعور إلى تغيّرات كبيرة في مجال التعليم العالي في العالم العربي. فبرزت كليّات خاصّة جديدة تدرّس باللغة الإنجليزيّة، فيما جعلت جامعات حكوميّة من الإنجليزيّة لغة التدريس في بعض المجالات – لاسيّما التخصّصات العلميّة – أو في كافّة أقسام الحرم الجامعي في بعض الأحيان.

لكنّ التحمّس لللّغة الإنجليزيّة ليس عامّاً، إذ يشير بعض المتشكّكين إلى أنّ التحوّل للإنجليزيّة لا يحل كافّة المشاكل الكامنة لأنظمة التعليم المضطربة. ويرى البعض بأنّ هذا التحوّل بعيداً عن لغتهم الأم بمثابة تهديد للهويّة العربيّة. يبدي آخرون قلقهم بأنّ التعليم باللغة الإنجليزيّة سيؤدّي لتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء. بالنسبة لأقليّة صغيرة من الخرّيجين، مثل السيّد حمدي، تعتبر اللغة الإنجليزيّة بمثابة بوّابة للإقتصاد العالمي. لكنّ ملايين أكثر منهم يبقون خارجها.

قالت دينا برعي، عميد كليّة التعليم المستمر بالجامعة الأميركيّة في القاهرة، “اللغة الإنجليزيّة عامل تفرقة ولكنّها حلمٌ أيضاً.”

توضّح الآمال والشكوك حيال إنتشار اللغة الإنجليزيّة في العالم العربي التوتّرات التي تحيط بأكثر اللغات الأجنبيّة المشتركة إنتشاراً في العالم. حتّى الجامعات في الولايات المتّحدة الأميركيّة لديها ما تخسره، بحسب روزماري س. سالومون، أستاذة القانون في جامعة سانت جونز في نيويورك، والتي تعكف على تأليف كتاب حول إنتشار لغة إنجليزيّة عالميّة. يقود الشعور بالرضا بأنّ العالم بأكمله يتحدّث الإنجليزيّة إلى تراجع دراسة اللغات الأجنبيّة وتضاؤل الفضول حيال بقيّة أجزاء العالم.

تعمل اللغة الإنجليزيّة على غسل العالم، بحسب السيّدة سالومون. إذ تخشى العديد من الدول من محو ثقافتها وفقدانها لوضعها العالمي.

في الإمارات الخليجيّة الصغيرة والغنيّة بالنفط، حيث يتكوّن معظم السكّان من العمالة الوافدة، تمثّل الإنجليزيّة في الواقع اللغة الأكثر إستخداماً. لكنّ هذه الهيمنة تشكّل مصدر قلق للسكّان المحليّين. فإذا ما كانت الإنجليزيّة لغة المستقبل، فإنّهم يتساءلون إذا ما كان ذلك يعني بأنّ العربية قد أضحت جزءاً من الماضي بالفعل؟

عزّزت الحكومات في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة وإمارة قطر تدريس اللغة الإنجليزيّة كجزء من جهودها لمواكبة الحداثة. حيث باشروا بدعم إفتتاح فروع للجامعات الأميركيّة وجعلوا من الإنجليزيّة لغة التدريس في الجامعات الوطنيّة. ومع ذلك، فإنّ مثل هذه التغيّرات يمكن أن تكون موضع جدل.

طريقة تفكير

تعتبر جامعة قطر مثالاً على ذلك، حيث كان التدريس باللغة الإنجليزيّة أحد الإصلاحات التي أدخلتها شيخة عبدالله المسند، رئيسة الجامعة منذ عام 2003. قالت “أنا لا أنظر إلى الإنجليزيّة بإعتبارها لغة، بل مهارة. الأمر يشبه حاجتك لتعلّم إستخدام الكومبيوتر والإنترنت. لكنّ أغلب الناس تنظر إلى اللغة الإنجليزيّة بإعتبارها آليّة كاملة، ونظاماً من القيم، وطريقة تفكير.”

لم يكن التحوّل لللغة الإنجليزيّة أمراً يسيرا بالنسبة للعديد من الطلاّب ممّن تلقّوا تعليمهم الثانوي باللغة العربيّة. فمن أجل الدراسة في جامعة قطر، توجّب عليهم إجتياز إمتحان القبول أو الإنخراط في برنامج لتعليم أسس اللغة الإنجليزيّة. وقد أدّت هذه العقبات للعديد من الشكاوى، ولتصاعد النقاش فيما إذا كان من الواجب على جامعة وطنيّة أن تعلّم بلغة أجنبيّة.

في عام 2012، أصدر المجلس الأعلى للتعليم في البلاد قراراً غير متوقعّ ينصّ على أنّ العربيّة ستصبح اللغة الرسميّة للتدريس في جامعة قطر، “وبأنّ كليّات القانون، والعلاقات الدوليّة، والإعلام، والإدارة ستتحول للتدريس بالعربيّة. فيما سيسمح لكليّات أخرى، مثل الهندسة، بالإستمرار في التعليم بالإنجليزيّة.”

تعترف السيّدة المسند بأنّ شرط اللغة الإنجليزيّة كان حاجزاً أمام بعض الطلبة القطريّين. وقد تضاعف التسجيل في الجامعة إلى أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة، بعد أن تمّ إلغاؤه. لكن على القطريّين التصالح مع دور اللغة الإنجليزيّة في العالم، قالت “تماماً مثل ما كان عليه الحال عندما كانت الحضارة العربيّة في أوجّها، إذ توجّب على الأوروبيّين أن يأتوا لتعلّم العربيّة لأنّ معظم المعرفة، والعلم، والتاريخ الإنساني كان مكتوباً بالعربيّة في حينها.”

تشير المسند إلى أنّ الجامعة لا تزال تطلب من الطلاب أخذ حصص في اللغة الإنجليزيّة من أجل التخرّج.

قال مورغان دولمان، مدير مركز دعم التعليم الطلاّبي في الجامعة، “بصورة عامّة سيكون طلبتنا ناطقين بلغتين.”

في مركز التعليم، تخبر إحدى المدرسّات، صفيّة زاروغ، الطلاّب الذين يشتكون من تعلّم الإنجليزيّة، “يجب عليكم أن تتعلّموها – حتّى إذا لم يكن ذلك من أجل الجامعة، فإنّكم ستحتاجونها في الحياة.”

لكنّ المعلمة ديما علي الرواشدة تقول إنّ تحوّل الجامعة نحو اللغة العربيّة مرّة أخرى أمرٌ منطقي، “قد تكون اللغة الإنجليزيّة لغة معاصرة، ولكن وفي نهاية المطاف، فإنّ العربيّة هي لغتنا.”

كما إنّ نقاشاً مماثلاً إحتدم في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، حيث أصرّ بعض المسؤولين في جامعة زايد بأنّ “اللغة العربيّة يجب أن تأتي أوّلاً”، بحسب جين بريستول رايس، عالمة الأنثروبولوجي التي تدرّس هناك. في الوقت الراهن تعتبر الإنجليزيّة لغة التدريس في الجامعة الوطنيّة.

قال رايس، “الكثير من هذا التذبذب حول موضوع اللغة يعبّر عن إيماءة بإتّجاه الأفكار التقليديّة والمحافظة. ليس الجميع سعيد حيال هذا التطوّر السريع في تلك الدول الخليجيّة. لا يرغب الناس في أن يشعروا بأنّه لم يعد هنالك شيء إماراتي بحت.”

وعود بحياة أفضل

في أجزاء أخرى من العالم العربي، القلق لا يتمحور حول كون اللغة الإنجليزيّة تهدّد الهويّة بل في كونها تعمّق اللامساوة. ففي مصر، أكبر الدول العربيّة من حيث عدد السكّان، تعدّ الإنجليزيّة جزءاً من المناهج الدراسيّة منذ سنوات. لكنّ جودة التعليم الحكومي ضعيفة جدّاً لدرجة أنّ الطلاّب لا يتمكّنون من إحراز أي كفاءة في اللغة.

قالت السيّدة برعي، والتي ترى بصفتها رئيسة التعليم المستمر في الجامعة الأميركيّة في القاهرة العديد من الطلبة الراغبين في الإنخراط في دروس اللغة الإنجليزيّة، ” يستميت المصريّون في سبيل تعلّم الإنجليزيّة. إنّها تمثّل وعداً بحياةٍ أفضل.”

في الجامعات المصريّة، وكما هو الحال في معظم الدول العربيّة، يتم تدريس الدراسات الإسلاميّة، والعلوم الإجتماعيّة، والعلوم الإنسانيّة باللغة العربيّة. بينما يتم تدريس العلوم والطب والهندسة – الشهادات الأكثر تقديراً – باللغة الإنجليزيّة.

في واقع الأمر، كانت حصص الهندسة التي حضرها السيّد حمدي في جامعة القاهرة تدار بشكل مزيج من العربيّة والإنجليزيّة. قال “كان الناس يأتون من كلّ المدارس في مصر ولم تكن لغتهم الإنجليزيّة جيّدة جدّاً. كان هناك ما يزيد على المئة من الطلبة في قاعة المحاضرة. وكان الأساتذة يرغبون في التأكّد بأنّ الجميع يفهم.”

ومع عدم قدرة التعليم الحكومي على ضمان تحدّث اللغة الإنجليزيّة بطلاقة، إزدهرت المدارس والكليّات الخاصّة في مصر، مع واحدة من أبرز أهدافها التسويقيّة تتمثّل في تدريسها باللغة الإنجليزيّة. لكن لا تتمكّن العديد من الأسر تحمّل نفقات إرسال أبناءها إليها. حيث تكلّف المدارس حوالي 4000-5000 دولار أميركي في السنة، في بلد يبلغ فيه الحدّ الأدنى للأجور أقل من 200 دولار أميركي شهريّا.

تخرّجت نور يوسف لتوّها من إحدى هذه الكليّات بدرجة بكالوريوس في الصحافة. بالنسبة للعديد من الشباب في الشرق الأوسط، تمثّل اللغة الإنجليزيّة قالت يوسف “ثقافة أفضل وأكثر لطفا. يتساءل الناس، ما الذي تنوون القيام به بالعربيّة على أيّة حال؟ اللغة الإنجليزيّة هي ما يهم، الإنجليزيّة هي المستقبل.”

الإنجليزيّة قد تكون لغة نخبويّة

يبدو أنّ إنخفاض تقدير اللغة الأم – إجتماعياً وفي سوق العمل – يرتبط بخلق شعور من الإستياء. كان إنعدام المساواة الإقتصاديّة وقلّة الفرص العامل الرئيسي وراء الإنتفاضات في مصر وغيرها من أماكن في عام 2011. اليوم، لا يزال إقتصاد البلاد ضعيفاً، ومعدّلات البطالة عاليّة خاصّة بين خرّيجي الجامعات.

قالت السيّدة برعي، “قد تكون اللغة الإنجليزيّة نخبويّة. أولئك الذين يستطيعون الدفع سيكون في إمكانهم تعلّمها والحصول على وظائف أفضل. إنّها حقوق إنسان، إنّها قضية عدالة.”

وفيما يبدو وكأنّ إنتشار اللغة الإنجليزيّة قد طال معظم أنحاء المنطقة، فإنّ هنالك دول عربيّة تتبنّى الخطوة كطريقٍ جديد للمضيّ قدماً. فقد خاض المغرب نقاشاتٍ حول الهويّة واللغة طوال عقود مضت، عقب نيل الإستقلال عن فرنسا.

قال إدريس أوعويشة، رئيس جامعة الأخوين، التي أسّستها الحكومة المغربيّة على غرار كليّات الفنون الليبراليّة الأميركيّة، والتي تدرّس بالإنجليزيّة، “لقد كان صراعا بين الناس المنادين بالهويّة والأصالة وأولئك المنادين بالحداثة.” وقد إنتهى النظام التعليمي في البلاد منقسماً بين اللغتين العربيّة والفرنسيّة، من دون أن يرضي أحداً.

يبدو أنّ الإنجليزيّة تقدّم بداية جديدة، قال السيّد أوعويشة “إنّ ميزة اللغة الإنجليزيّة في حالتنا تتمثّل في عدم إرتباطها بالمستعمر. لا توجد لدينا ذكريات مريرة معها. ليست هناك دماء سيّئة، أو تاريخٌ سيّء.”

في الخريف الماضي، دعا لحسن الداودي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، لتعيين تدريسيّين جدد في الجامعات المغربيّة يكونون كفوئين باللغة الإنجليزيّة. وفي كانون الثاني/ يناير، أوصى المجلس الأعلى للتعليم بتبنّي اللغة الإنجليزيّة لتكون لغة التعليم الإستراتيجي الأولى بعد العربيّة.

لكنّ تحوّلاً كبيراً كهذا يتطلّب مصادر كثيرة وإستعدادات. تحذّر السيّدة سالومون، الأستاذة التي تكتب عن الإنجليزيّة العالميّة، الجامعات من خطورة قالت “الحرص الشديد للتحوّل إلى الإنجليزيّة من دون وضع الأسس اللازمة لذلك.” مضيفة أيضاً بأنّ الجامعات التي ترغب في الإنتقال للإنجليزيّة “لا تدرك ما يحدث في الفصول الدراسيّة: فالكليّة تكافح من أجل التدريس باللغة الإنجليزيّة، والطلبة يكافحون من أجل التعلّم بها، في حين تتقلّص المحادثة إلى أدنى قاسم مشترك بينهم.”

على الرغم من الدعوات لمزيدٍ من الحذر في تبنّي الإنجليزيّة، فإنّ من المرجح أن يشهد الطلب على الإنجليزيّة من قبل الطلاّب، والجامعات، والحكومة مزيداً من النمو بحسب سالومون.

لا يرى منصف لحلو، مدير مركز اللغات في جامعة الأخوين، الأمر على أنّه شيءٌ سيّء بالكامل. الإنجليزيّة مهيّأة لتكون أوّل لغة عالميّة في العالم ولن تكون مرتبطة ببلدٍ أو ثقافة واحدة. قال “لم تعد الإنجليزيّة تخصّكم وحدكم يا رفاق بعد الآن.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام