شغف مسؤولة لشؤون الطلاب بالمجتمع الإماراتي

/ 03-02-2017

شغف مسؤولة لشؤون الطلاب بالمجتمع الإماراتي

بعد 30 عاما من عملي في شؤون الطلاب، آخر عشرة منها شغلت فيها منصب نائب رئيس جامعة لويزفيل، شرعت في مغامرة جديدة حيث تبوأت منصب عميد شؤون الطلاب في جامعة زايد بدولة الإمارات.

بدأ اندماجي الثقافي لحظة التقيت بفريق عمل شؤون الطلاب في الجامعة المكون من 35 فردا موزعين على مختلف فروع الجامعة في دبي وأبو ظبي. كان العدد الأكبر من الموظفين إماراتيين يعملون إلى جانب خبراء عرب من جنسيات أخرى، وبريطانيين وجنوب إفريقيين وكنديين مع أميركيين اثنين. غير أن فريق عملي المتنوع لم يكن يمتلك لا الإعداد المهني الكافي ولا الرؤية المشتركة.

الانكليزية كانت اللغة المشتركة، إلا أنه سرعان ما كان يتم الانتقال للحديث بالعربية حالما يبدأ أحد الأعضاء بالحديث بالعربية بديناميكية. لاحقا كان أحدهم يقدم لي ملخصا مترجما.

التعرف على الطلاب الذين يفترض أن أتعامل معهم دفعني مباشرة للتعرف على التقاليد الإماراتية العربية والبدوية. إلا أن علاقة الجامعة بالطالبات تتجلى بطرق غير اعتيادية  في الثقافة الإماراتية حيث يعني ذلك أن “نقوم بمقام الوالدين” بالنسبة للطلاب أو أن نكون “عوضا عن الأهل”.

ففي الولايات المتحدة، تقر المحكمة العليا مراراً وتكراراً أن العلاقة بين الجامعة والطالب لا تعني  أن تلعب  الجامعة دور الأهل للطلاب البالغين. وعوضا عن لعب دور الأهل، ُيفترض مكتب شؤون الطلاب أن يقوم بدور توجيهي للمساعدة على تطور التعلم. لكن في الإمارات، هناك افتراض مجتمعي يقول بحماية الطالبات خصوصا وأن حماية شرف الطالبات أمر مقدس.

وسرعان ما تعلمت أن حماية شرف المرأة هو أمر أساسي في مختلف جوانب حياة الطالبة الإماراتية الجامعية. فوصولها للحرم الجامعي، ملابسها المتواضعة، علاقاتها مع زميلات الدراسة، المشاركة في الأنشطة الجامعية، واللباقة داخل الفصول الدراسية، أمور تأتي في إطار التوقع بأن تصرفاتها لن تتسبب في تعرضها للإهانة وبالتالي تعرض أسرتها للإهانة. إن دور الأهل في حماية شرف الطالبة ينتقل من الأسرة إلى الجامعة خلال ساعات عمل المؤسسة.

لقد نظم فريق عملي عملية قبول الطالبات، التسجيل والانسحاب كما راقبوا انتظام الطالبات بحضور المحاضرات لكل صف. إن التغييب عن حضور الصفوف يؤدي إلى فصل الطالب. لا يمكن للطالبات مغادرة الحرم الجامعي خلال مواعيد الصفوف. هناك جدار مرتفع يحيط بالحرم الجامعي ونظام مراقبة الكتروني على أساس برنامج دراسة كل الطالبة. ومغادرة الحرم الجامعي قبل موعد انتهاء الصفوف الدراسية يتطلب الحصول على إذن خاص من ولي أمر الطالبة والذي عادة ما يكون أحد أفراد عائلتها الذكور، الأب، الأخ أو الزوج أحيانا.

بالطبع يمكن منح إذن للطالبة للتغيب عن حضور الدروس في حال المرض أو عند إلغاء الدرس بصورة مفاجئة، إلا أنه يتوجب الانتظار لحين يتم الاتصال بذويها للحصول على موافقتهم للخروج من الجامعة في وقت مبكر. وكثيرا ما كنت أرى صف من الطالبات الجالسات المرتديات العباءات السوداء المرصعة بالمجوهرات وقد ارتدين أحذية بكعب عال ينتظرن بفارغ الصبر انتهاء الموظف من الاتصال بولي الأمر.

نظم موظفو مكتب شؤون الطلاب أيضا إجراءات الانسحاب الطواعية من الجامعة. لا تستطيع الطالبات القيام بذلك بأنفسهن، إذ لا بد من حضور ولي الأمر للحرم الجامعي للقيام بذلك.

عند حدوث هذا، كان الموظفون يسعون للتعرف على الأسباب وراء الانسحاب من الجامعة بشكل غير مباشر إذ أن هدفنا كان الحفاظ على استمرار الطلاب في الجامعة.

في بعض الأحيان، كان السبب المعطى من الآباء هو زواج وشيك تم الإعداد له من قبل أفراد عائلة العروس الذكور مع عائلة العريس.

يحدث الزواج في بعض الأحيان بصورة سريعة جدا بعد أن يكون قد تم ضبط الطالبة تتحدث مع شاب ليس من أفراد العائلة عبر الانترنت أو الهاتف. وفي حال حدوث ذلك، غالبا ما يتم الإعداد السريع للزواج لحماية سمعة العائلة وشرف الطالبة.

أحيانا، يقرر ولي أمر الطالبة أنها لا تأخذ الدراسة الجامعية على محمل من الجدية. وقد حدث ذات مرة، أن قام أهل طالبة بإنهاء دراستها الجامعية بحجة أنها مسكونة من قبل الجن (أرواح شريرة) حيث قاموا بتغيير مكان إقامتهم القريب من الجامعة للتخلص من الجن.

كان وجود سيدة إماراتية ضمن فريق العمل ذو فائدة كبيرة، إذ كثيرا ما كانت تتحدث مع ذوي الطالبة وتقنعهم بإعادة النظر بقرار ترك الجامعة والسماح للطالبة باستكمال تعليمها، أو حتى العودة للجامعة بعد انتهاء مراسم الزفاف وشهر العسل.

استطيع تذكر حجم انزعاجي عندما كانت تأتي إحدى الطالبات لتعلن عن زفاف وشيك. إلا أنه سرعان ما أصبح واضحا، أن الطالبات عادة ما كن يعلمن بقرار الزواج قبل يوم أو اثنين فقط من إشعار الإدارة بذلك.
على الرغم من سرعة اتخاذ القرار، إلا أن مشاعر هؤلاء الطالبات لم تكن مختلفة عن مثيلاتهن الأميركيات اللواتي يكن على وشك للزواج.

في معظم الحالات، تبدو الطالبات فرحات بموضوع الزواج المقبل ومتحمسات يترقبن برومانسية كبيرة حفل الزفاف وشهر العسل رغم معرفتهم البسيطة بالعريس.

ورغم أن العروس تتخوف بعض الشيء من الزواج إلا أنها تكون على ثقة من أن أسرتها قد اختارت لها العريس الذي من شأنه تحقيق أحلامها في الرومانسية والأطفال والحب لمدى الحياة، معربة عن ثقتها بأنها ستقع في غرام الزوج بعد وقت قصير من حفل الزفاف وبدء الحياة الزوجية.

وبالنظر لعلاقاتنا الوثيقة مع الطالبات، فقد كنا نتلقى دعوات منتظمة للحضور والمشاركة في حفلات الزفاف وكنا في الغالب النساء غير الإماراتيات الحاضرات في هذه المناسبات حيث لا يوجد اختلاط بين الجنسين بحسب الأعراف السائدة.

بطبيعة الحال كانت الأزياء والمجوهرات في حفلات الزفاف تفوق ما يمكن مشاهدته في حفلات توزيع جوائز الأوسكار!

من ناحية أخرى، وجدت المستشارة الإماراتية أو الناطقة باللغة العربية ضمن الفريق أن الطالبات يعانين من الاضطراب بسبب طلاق الوالدين ومن مشاكل أشقائهم، من الصراعات الناجمة عن زحف “القيم الغربية” إلى حياة العائلات العربية.

كذلك، تعلمنا أنه عندما يتخذ الوالد قرار الحصول على زوجة ثانية وثالثة في بعض الأحيان فإن ديناميات العائلة تتزعزع.

عادة ما تعرف الطالبة الجامعية أن عليها أن تتفهم أن والدتها ستحظى بوقت واهتمام أقل من الأب، بالمبدأ على الأقل، وأنه من المحتمل أن تتحمل الفتاة مسؤوليات أكبر تجاه الأشقاء وإدارة شؤون الأسرة لحين استقرار وضع العائلة.
يواجه جميع أفراد العائلة، بما في ذلك الطالبة الجامعية، عملية انتقال فريدة من نوعها خاصة بالعائلات المتعددة الزوجات عندما تتحول الأم من زوجة وحيدة إلى زوجة أخرى.

لطالما علمنا أن الزوجة الثانية هي المحبوبة أكثر باعتبار أن الزوج اختارها بنفسه في حين أن الزوجة الأولى تم اختيارها من قبل الأسرة.

تعزز تشبعنا الثقافي بشكل كبير ومنتظم بسبب الشيخ نهيان بن مبارك النهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي في ذلك الوقت. فقد كان يدعونا مرتين أو ثلاثة سنوي إلى منزله كما لو كنا أصدقاء وليس زملاء مهنة فقط. في زيارات أخرى، تجلس الحاضرات من النساء بشكل منفصل عن الرجال على مائدة العشاء مع بناته الطالبات في جامعة زايد وزوجته وأعضاء آخرين من العائلة حيث يأكلون أطباق من السمك ولحم الضأن ولحم البقر وكذلك أطباق من الخضار وأطباق من الحلويات والشاي العربي. في العشاء الأول قمت بتناول اللحم التركي المشوي مع الجزر وجذور الخضراوات والرز فقط لتذوق طعم لحم الجمل الذي يعد من الأطباق التقليدية. وعلى الرغم من دهشتي فإنني أحببت الطعم.

حضرنا مجالس الشيخ نهيان المسائية حيث كنا نجلس على الأرائك على طول الجدران الثلاثة في صالة استقبال قصره لنشهد التقليد القديم الخاص بعادات العرب البدو حيث يمكن لأي شخص الاقتراب من الشيخ وطلب التوجيه أو المشورة أو الدعم أو حتى الخوض في نقاش حول قضية ما. وعلمنا أن الشيخ زايد مؤسس البلد والجامعة كان قد اعتاد على عقد مثل هذه المجالس المسائية اليومية طوال حياته.

شهدنا كم كانت هذه المجالس المسائية تحفل بأناس متنوعين. في إحدى الأمسيات جلسنا في غرفة واحدة مع ملكة النرويج، ممثل أميركي شهير ومالك إحدى الشركات الدولية للملابس وبعض أصحاب الأعمال الصغيرة من أبو ظبي وكذلك زملاء في الهيئة التدريسية وموظفين من جامعة زايد. واحدا تلو الآخر ذهب للسلام والتحدث لفترة وجيزة مع الشيخ نهيان قبل عودته إلى مقعده لتناول الشاي والشكولاته والتين التي تقدم من قبل موظفين ذكور.

هذه ليست سوى مقتطفات بسيطة من التجارب الثقافية العديدة التي أتاحت لنا معرفة الحياة الحقيقية للثقافة العربية والبدوية القديمة. هذا الانخراط الثقافي اليومي سمح لي ولموظفي شؤون الطلاب بشخصنة عملنا وتوجيهه نحو الطلاب على صعيد خاص.
وكلما تعمقت معرفتنا بالأعراف الاجتماعية للطلاب، كنا أكثر قدرة على اعتماد النموذج الغربي الخاص بشؤون الطلاب بما يتلاءم مع هذه الثقافة. تعلمنا المشاركة العميقة في حياة طالباتنا حيث وجدناهن طموحات، ذكيات ويمتلكن المؤهلات اللازمة ليصبحوا قادة المستقبل في البلاد.

بعد خمس سنوات من العمل في الجامعة الإماراتية، تعلمت القدرة على التكييف مع قيم البلد حتى وإن كانت تتعارض مع قيمي الشخصية والمهنية. خضت تجارب قاسية لأنظر من منظار عدسة الثقافة العربية والبدوية. ومع ذلك، منحتني هذه التجربة فرصة سبر أعماقي في عالم لم أكن لأتخيل أبدا أنه سيجبرني على تطوير فهمي لذاتي.

لقد كنت محقة حيال اعتقادي بأن أخذ خبراتي ومعرفتي المهنية التي اكتسبتها في بلدي ومن ثم تطبيقها في بلد بعيد تماما في العادات والأنظمة سيتسبب بتنافر وصراع داخلي، إلا أن الذي لم أكن أتوقعه الإضافة الغنية المكثفة التي أضافت الكثير إلى حياتي المهنية.

*دينيس جيفورد هي رئيس زميل وعميد خدمات الطلاب في جامعة وايندر- الولايات المتحدة.
* الصورة المرفقة لبعض من طالبات جامعة زايد في حفل وداع.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام