التعليم المصري: عودة إلى الوراء

/ 06-02-2017

التعليم المصري: عودة إلى الوراء

تضمنت خطابات المسؤولين المصريين الرسمية الأخيرة الكثير من الأخطاء في اللغة والمعلومات. ورغم أن هذه الأخطاء تبدو مضحكة وربما مثيرة للسخرية، إلا أنها تعكس بوضوح وجود مشكلة خطيرة مرتبطة بنظام التعليم الحالي في مصر.

هناك الكثير من الأسئلة حول أسباب ما يحدث؛ ما هي الأسباب وراء مثل هذه الأخطاء التي لا تغتفر؟ هل هناك صلة بين هذه الأخطاء ونظام التعليم؟ هل هناك أي علاقة مع أحدث التغييرات التي قررتها المؤسسات الحكومية على المسار التعليمي، وخاصة في الجامعات؟ وما تأثير ذلك على المستقبل؟

ملاحظتي الأولى هي أن الأشخاص الذين قاموا بهذه الاخطاء هم من جيل السبعينيات والثمانينيات، يتمتعون بنفس التوجه الفكري، وجميعهم حائز على درجة تعليم عالية. علاوة على ذلك، كان معظمهم قد تخرج من كليات علمية تطبيقية اعتمدت مناهج التخصص الدقيق البحت، منذ مراحل مبكرة من سنوات الدراسة.

إذا عدنا إلى الوراء فإننا يمكن أن نلاحظ بسهولة أن نظام التعليم في هذه المرحلة اعتمد الفصل التام بين الاختصاصات؛ فمثلا لا يدرس طالب في أي كلية علمية على الإطلاق موادا مثل الفلسفة أو الاقتصاد أو علم النفس أو علم الاجتماع، والعكس صحيح لطلاب كليات العلوم الانسانية.

ولكن مع تطور العلم والنظريات التربوية الحديثة منذ تسعينيات القرن الماضي توقف الفصل التعسفي بين تدريس المواد؛ وبدأت أغلب الجامعات الخاصة والأجنبية في مصر والبلاد العربية تطبيق النظريات الجديدة وهي ضرورة دمج تدريس مواد العلوم الإنسانية مع مواد التخصص الدقيق كشرط أساسي للحصول على الشهادة أو المؤهل الدراسي، مثل الجامعة والجامعات الفرنسية والبريطانية والألمانية.

علاوة على ذلك، بدأت العديد من الدول العربية تطبيق النظام الجديد منذ المرحلة الثانوية. وقد اعتمد نظام التعليم المصري بالفعل هذا الاتجاه في مؤسساته التعليمية الحكومية.

وقد فسر أو أرجع العديد من خبراء الاستراتيجية وعلم الاجتماع وكذلك قطاع واسع من المثقفين حالات التغيير في المنطقة العربية (أو ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي) إلى حالة التغيير والتطوير التي حدثت لمنظومة التعليم وهو ما تأثرت به هذه الأجيال الجديدة الشابة خاصة أولئك الذين تعلموا في الجامعات الحديثة داخل الوطن أو خارجه. وقد تعلموا قيم المناقشة والحوار وتقبل الآخر وهي الأسس التي يعتمد عليها قيام أي نظام ديموقراطي يعتمد تداول السلطة.

لكن وبعد إعادة التقييم فإن الأسلوب التعليم هذا مهدد بالإلغاء لصالح العودة إلى أسلوب التعليم الذي يركز على التخصص بدرجة عالية.

في شهر آذار/ مارس الماضي، أصدرت الحكومة المصرية قرارا الأسبوع الماضي بالعودة إلى النظام التعليم القديم. القرار الجديد ألغى تدريس الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد والاجتماع والجيولوجيا. وأصبحت دراسة هذه المواد اختيارية ولا تحتسب ضمن درجات الشهادة العلمية.

وفقا لهذا القرار الجديد، سيتخرج طلاب من الجامعة من دون أن يعرفوا أو يتعرفوا على موضوعات مختلفة ذات أهمية أو من أدوات تساعدهم في فهم العالم الذي نعيش فيه، أو في القدرة على إيجاد حلول للمستقبل.

في نفس الوقت، يشكو المجتمع المصري (مثل العديد من المجتمعات الشرقية) من الفوضى الفكرية ومن شيوع التفكير الخرافي وعدم الاعتماد على التفكير العلمي والمنطقي والعقلاني في التعامل مع الواقع.

إن تعمُّد إلغاء تدريس الفلسفة، وهي أصل العلوم والتي خرجت منها الرياضيات وعلم الفلك، هو دعوة مستترة إلى تغييب العقل وإبعاد الطلاب (الذين من المفترض أن يصبحوا مواطنين كاملي الأهلية فيما بعد) عن التفكير العقلاني لصالح وسيادة منطق الحفظ والسمع والطاعة وتقبل أي شيء بدون حوار أو مناقشة.

إن هذه الطريقة في اعتماد أسلوب التعليم الذي عفا عليه الزمن تحصر الطلاب أنفسهم في قوالب محدودة للغاية ولا تتيح أمامهم فتح مجالات كثيرة للدراسة والمعرفة، ومن ثم تحد من توسيع مجالات العمل أمامهم؛ الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة نسبة البطالة ويوجب إنفاق مبالغ إضافية لإعادة التدريب.

ومن المؤكد أن ينتج عن ذلك مستقبلا مناداة البعض بتخفيض أعداد المقبولين بالجامعات، وهو ما قد يؤثر على القوة الناعمة أو الميزة النسبية التي تمتلكها مصر ألا وهي العقول والأيادي العاملة المتعلمة.

أصبح عدد الطلاب المنتسبين إلى الجامعات مؤشرا هاما في التصنيف الدولي لتطور البلدان. للأسف، ما تزال مصر تحتل الترتيب الأدنى ليس بين دول العالم فقط بل وأيضا بين الدول العربية حيث لا يكاد يأتي بعدها إلا دولتي الصومال والسودان، وذلك على الرغم من كونها الدولة الأولى في المنطقة التي دخلها التعليم العالي والجامعات قبل ما يقرب من قرنين من الزمان.

وما يزيد الأمر اندهاشا، هو أن هذا القرار لن يلزم المؤسسات التعليمية الخاصة في مصر، مما يعني أن الأغنياء سيحصلون على تعليم أفضل وبالتالي فرص عمل أفضل رغم أن نسبة المنتسبين إلى التعليم الخاص العالي لا تزيد عن أربعة في المئة من إجمالي عدد الطلاب الجامعيين في مصر.

وفي النهاية، يجب ألا ننسى أن التعليم والسياسة هما وجهان لعملة، فالعلم يخدم السياسة، والسياسة تخدم العلم، كما علمنا التاريخ.

*ايمان رسلان صحفية مصرية ورئيسة قسم التعليم في جريدة المصور المصرية.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام