fbpx


الفُصحى والعامية: حواجز ترسمها التقاليد

/ 23-09-2019

الفُصحى والعامية: حواجز ترسمها التقاليد

إذا كنت تعتمد على شريط الترجمة، فيمكن أن تعتقد أن هناك كلمة واحدة للشتيمة في اللغة العربية فقط: وهي “تبّا لك”. على الرغم من أنها ترجع في أصولها إلى القرآن، إلا أن هذه العبارة شائعة الاستخدام في ترجمات الأفلام والترجمات باللغة العربية الكلاسيكية أو المعيارية الفصحى، والتي تبدو فيها وكأن في الإمكان تقديم كل الألفاظ النابية والشتائم بترجمة واحدة هي “تبًا لك”، لدرجة باتت فيها لهذه العبارة – التي لا ينطق بها أحد على الإطلاق في الحياة الحقيقية – مكانة أسطورية الآن وأصبحت تُطبع على القمصان.

يوضح هذا الاستخدام لعبارة “تبّا لك” كيف يتحمل العرب مسؤولية الفصل بين اللهجات المحكية في الحياة اليومية والعربية الفصحى عن طريق القصر المتعمد لاستخدام الأخيرة كلغة أكثر رسمية والإصرار على أن اللهجات لا تستحق الدراسة ويجب أن يختفي بشكل مثالي. من المفارقات الساخرة، أن العرب من خلال الوضع المتمثل في قصر استخدام اللغة العربية الفصحى لتلعب دور اللغة المهيبة الجامدة ورفض السماح بتلويثها باستخدامها كلغة يومية، فإنهم يضمنون استمرار الإزدواجية اللغوية.

يشير مصطلح الازدواجية اللغوية Diglossia إلى وجود انقسام بين اللغة المنطوقة واللغة اليومية واللغة الرسمية. وبحسب تناول الأبحاث الحديثة للمسألة، فإن هناك بُعد اجتماعي للازدواجية اللغوية: إذ أن المتحدثين لديهم القدرة ويبنون بالفعل وضع الازدواج اللغوي.

ماذا يعني هذا بالنسبة للغة العربية؟ يقصر العرب استخدام اللغة العربية الفصحى على المواقف الرسمية، وأهمها وسائل الإعلام والخطب السياسية والأدب والخطب الدينية وبعض الأوساط التعليمية وبعض وسائل الإعلام الخاصة بالأطفال. ينبع هذا الوضع من الاعتقاد السائد بين الناطقين بالعربية بأن اللغة العربية الفصحى هي اللغة الصحيحة التي تم تدوينها بعد ظهور الإسلام وظلت مستقرة حتى اليوم، في حين أن اللهجات فساد ألمّ باللغة العربية الفصحى وليست لغات حقيقية.

يناقش العرب باستمرار مسألة مجالات نفوذ اللغة العربية الفصحى واللهجات. في عام 2015، اقترحت وزيرة التعليم الجزائرية أن يستخدم المعلمون اللهجة المحلية للتدريس في أول عامين من المدرسة الابتدائية، مما أثار جدلاً حادًا. وفي المغرب في عام 2018، عندما استخدمت الكتب المدرسية في المدارس الابتدائية بضع كلمات عامية عن الطعام في وحدة دراسية خاصة بتناول وجبة الإفطار، تصدر الأمر الأخبار الوطنية وأجبر وزير التعليم بنفسه على الدفاع عن الكتب من النقاد.

ومع ذلك، فإن الإصرار على استخدام المصطلحات العربية الفصحى غير الملائمة يصدم الآخرين وويجعل الأمر يبدو غير منطقي.

غالبًا ما يركز نقاد الاستخدام الشامل للغة العربية الفصحى على أدب الأطفال ووسائطهم، مستشهدين بالمفردات والعبارات التي لا يفهمها الأطفال. لكن المشكلة، مع ذلك، ليست مجرد مشكلة في المفردات فحسب – بل مشكلة خلقها العرب عن طريق تعريفهم للغة العربية الفصحى.

تبدو اللغة العربية الفصحى غير ملائمة بشكل خاص في المسلسلات والرسوم الكارتونية للأطفال لأن العرب يستخدمونها في الغالب في المواقف الرسمية، لذلك لا يبدو أنها تحتوي على عبارات يسهل الوصول إليها من قبل الأطفال ليفهموها ويضحكوا عليها.

يقصر العرب استخدام اللغة العربية الفصحى على المواقف الرسمية، وأهمها وسائل الإعلام والخطب السياسية والأدب والخطب الدينية وبعض الأوساط التعليمية وبعض وسائل الإعلام الخاصة بالأطفال.

حسام أبو زهر، لغوي ومترجم ومحرر  

تمتلئ الترجمات والأفلام المترجمة بعبارات رسمية غير مناسبة، حتى لو كانت مفهومة للأطفال. إذ تُترجم عبارات مختلفة مثل “بخير” و”حسنٌ” و”كل شيء على ما يُرام” – جميع التعبيرات غير الرسمية في الإنجليزية – إلى “حسنٌ” الرسمية بدلاً من “ماشي” أو “طيّب” وغيرها من العبارات غير الرسمية. كما تصبح عبارة “نعم حبيبي” “Yeah baby!” إلى “نعم يا عزيزي!”، وتصبح Cheat Sheet “ورقة الغش” أو حتى “الورقة” بدلاً من شيء أكثر بساطة وتعبيرًا مثل “برشام” أو “روشيتة”.

عندما تحولت ديزني مؤخرًا من دبلجة الأفلام باللغة العربية الفصحى بدل العربية العامية باللهجة المصرية، تم إطلاق العديد من الحملات عبر الإنترنت تشكو من أن لغة الترجمات الجديدة قديمة وغريبة على الأطفال. كما أن عددًا لا بأس به من النصوص العربية الكلاسيكية غير مناسبة للأطفال، كما لو أن الكُتاب أرادوا استخدام أكبر قدر ممكن من المصطلحات القرآنية والقديمة.

ذكر أولياء الأمور والكتاب والأكاديميون – مثل ريم مخلول وريهام شندي – هذه المسألة في أدب الأطفال. لكن المشكلة أكثر من مجرد استخدام للمفردات المناسبة للأطفال؛ إنها تتعلق بحقيقة أن العرب قد حدوا برغبةٍ منهم من استخدام اللغة العربية الفصحى، مما جعلها غير ملائمة للترفيه والقطاعات الأخرى أيضًا.

في الحقيقة، يمكن للعرب توسيع فكرة ما يمكن أن تشمله اللغة العربية الفصحى، من خلال العبارات والمفردات التي يمكن أن تستخدمها وتدرجها، حتى دون انتهاك القواعد النحوية. عندما استخدمت عبارة “nerd credentials” في مقال نشرته سابقًا الفنار للإعلام، تمت ترجمتها إلى “مهتم جدًا بالدراسة”، لكن كان يمكن أن تترجم إلى “نحّيت دراسة” (الشخص الذي يغوص في الدراسة) أو “حرّيث” (الشخص الذي “يحصد ويحرث”) أو حتى “حمار دراسة” – أنا الشخص الذي أطلق على نفسي هذا الاسم، لذلك لم أكن لأشعر بالإهانة). ومن المثير للاهتمام، أنه حتى عندما تكون هناك مصطلحات مشتركة بين اللغة الفصحى العربية واللهجة المنطوقة، فإن المتحدثين بها يميلون إلى تجنبها، ويتوجهون عوضًا عن ذلك للبحث عمّا يعتبرونه العربية الفصحى الخالصة.

تتضح إحدى ملامح الأمل في أن هذا قد يتغير من خلال كيفية خلط اللغة العربية الكلاسيكية واللهجات في بعض الأحيان. يجب أن نشكر التكنولوجيا إلى حد كبير على هذا: من خلال فتح الأبواب أمام القاصي والداني لنشر المواد على الإنترنت، فقد انتزع السيطرة على ماهية اللغة العربية من الأكاديميين والبيروقراطية الحكومية الصارمة. قد تكون رغبة المترجمين من ديزني في استخدام كل من اللغة العربية الفصحى والمصرية في بعض الأفلام التي تمت ترجمتها مؤخرًا، مثل Incredibles 2، مؤشرا على أن فكرة طبيعة اللغة العربية الفصحى يمكن توسيعها. تحاول بعض كتب الأطفال الإستفادة من التداخل بين اللغة العربية الفصحى واللهجات لجعلها أكثر سهولة.

يمكن للعرب مواصلة العيش مع ازدواجية اللغة الواحدة. ومع أن الوضع يطرح بعض التحديات في التعليم والاتصال عبر الحدود، إلا أن في الإمكان مواجهة تلك التحديات بأدوات وأنظمة تعليمية فعالة. لقد جادلت في كثير من الأحيان في أن لازدواج اللغة جمال معين لأن اللغة العربية الفصحى وجميع اللهجات تشمل على طيف من التاريخ والثقافة.

لكن الراغبين في أن تصبح اللغة العربية الفصحى حقًا لغة مشتركة في البلدان العربية – وهي لغة تبدو طبيعية في مجموعة متنوعة من الظروف، ويمكن للمتحدثين التحويل بينها وبين اللهجات بشكل مريح، والتي توحد البلدان العربية من المغرب إلى العراق إلى اليمن – بحاجة إلى توسيعها والسماح بتطورها. ومن المفارقات أن أولئك الذين يصرون على وجوب أن تكون اللغة العربية الفصحى اللغة العربية الوحيدة غير راغبين تمامًا في جعلها لغة يومية.

حسام أبو زهر، لغوي ومترجم ومحرر، ويعتبر “النحّيت” الذي يقف وراء المشروع العربي الحي The Living Arabic Project، وهو قاموس متعدد للهجات العربية متاح على الإنترنت وعبر تطبيق لغتنا على الهاتف المحمول.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام