fbpx


الحضور العربي في بينالي البندقية

/ 17-05-2019

الحضور العربي في بينالي البندقية

يتمتع بينالي البندقية، الذي افتتح الأسبوع الماضي والذي يعتبر أحد أهم الأحداث الرئيسية في التقويم الفني العالمي، بحضور عربي قوي هذا العام. إذ أثارت الأعمال الفنية لفنانين عرب منفردين فضلاً عن الأجنحة القُطرية للجزائر ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسوريا والعراق آراء قوية بشكل عام. فبينما كان أحد الأجنحة سيئًا للغاية، عكس جناحٌ آخر الاضطرابات السياسية الراهنة.

تحت عنوان “قد تعيش في أوقات مثيرة للاهتمام”، افتتح بينالي البندقية دورته الثامنة والخمسين للجمهور في 11 أيار/ مايو في البندقية بإيطاليا. يركز بينالي هذا العام، برعاية رودولف روغوف، مدير معرض هايوارد في لندن، على ما وصفه روغوف في بيانه الفني بأنه “معرض ينظر، ولو جزئيًا على الأقل، في كيفية أداء الفن في عصر الأكاذيب … أتمنى أن يكون في إمكان الفن تجهيزنا بأدوات لإعادة تصور إمكانيات هذه “الأوقات المثيرة للاهتمام” التي نعيشها اليوم”.

منذ تأسيسه في عام 1894 بهدف عرض الفن المعاصر من جميع أنحاء العالم، أصبح بينالي فينيسيا “البندقية” مكانًا يستقطب الفنانين والقيمين وجامعي التحف وغيرهم من المهتمين بالفنون لاكتشاف الاتجاهات الفنية والمواضيع الراهنة ومحاولة التكهن باتجاهات الفن المستقبلية.

تأسس البينالي بمشاركة دول فردية قامت بعرض أعمال لفنانين في أجنحة أقيمت في الجارديني، أو الحديقة العامة الكبيرة في المدينة، ثم قامت دول أخرى بإنشاء أجنحة إضافية منذ ذلك الحين في منطقة الأرسيناله Arsenale بالمدينة. باشتقاق اسمها من الكلمة العربية “دار الأسلحة” أو “مستودع الأسلحة”، ضمّت الأرسيناله سابقًا مجمعًا من أحواض بناء السفن ومستودعات الأسلحة للمدينة، وهو موقع يخضع لحراسة مشددة لبناء السفن البحرية والتجارية. اليوم، يوفر موقع الأرسيناله المواجه للبحر بقربه من الجارديني موقعًا ممتازًا للدول لعرض الأعمال الفنية، والتركيز على موضوعات التكنولوجيا، والتجارة، والتجارة العالمية. بالنسبة للفنانين العرب، يُعد البينالي فرصة لاستكشاف المواضيع التاريخية بمهارة نظرًا لأهمية المدينة في سجلات التاريخ العربي، إذ كانت مدينة البندقية تجني الكثير من أموالها من خلال السيطرة على التجارة بين أوروبا والشام، على سبيل المثال.

إلى جانب العديد من أجنحة الدول العربية في بينالي هذا العام، تم اختيار العديد من الفنانين العرب من قبل روغوف لعرض أعمالهم في المعرض الرئيسي للبينالي بما في ذلك الفنان اللبناني طارق عطوي وفنان الصوت لورانس أبو حمدان، الذي تم ترشيحه مؤخرًا لنيل جائزة تيرنر الفنية البريطانية المرموقة. (اقرأ المقال ذو الصلة: لورانس أبو حمدان يحاكي أصوات سجون سوريا). كما تم عرض عدد لا بأس به من أعمال فنانين في معارض جماعية جانبية في جميع أنحاء المدينة بما في ذلك أعمال الفنانتين الكويتيتين منيرة القادري وعليا القادري والثنائي الفلسطيني باسل عباس وروان أبو رحمة في إطار جائزة بينتشوك لجيل المستقبل للفنون، والتي ينالها فنانون يبلغون من العمر 35 عامًا أو أقل. كما اختيرت الفنانة الفلسطينية المقيمة في لندن لاريسا صنصور لتمثيل الدنمارك، وهو اختيار اعتبره البعض في البينالي عملاً سياسياً لإبراز تسامح البلاد مع المهاجرين رغم التوترات العرقية المتزايدة.

من الجناح المصري في بينالي البندقية. (الصورة:  بينالي البندقية)
من الجناح المصري في بينالي البندقية. (الصورة: بينالي البندقية)

فعلى الرغم من امتلاك مصر لجناح رسمي لها في الجارديني منذ العام 1952، وفوزها بلقب الأسد الذهبي (أعلى جائزة في البينالي) عن فئة الجناح الوطني في عام 1995، إلا أن تركيب الوسائط المتعددة لهذا العام بعنوان “خنوم: راوي عبر العصور” لم يجذب الكثير من المعجبين، وقد اعتبره الفنان إبراهيم أحمد “لا شيء على الإطلاق.”

قال في وصفه للجناح “إنه أمر محرج. الجرأة، إنها تغضبني. لم يصنع هؤلاء الفنانون فنًا منذ سنوات. لم يكن للعمل أيّ معنى يذكر من أي نوع.” (اقرأ المقال ذو الصلة: فنان مصري يستكشف موضوعات الهوية والانتماء).

كان المعرض، الذي أقيم بتكليف من وزارة الثقافة، معرضًا مشوشًا ومربكًا لأهمية التاريخ المصري القديم الممزوج بأفكار الرقابة المعاصرة. إذ تألف التركيب من تماثيل ذهبية لأبي الهول مصطفة مع صحون أقمار صناعية بدل الرؤوس، وأخرى بوجوه مصنوعة من شاشات كمبيوتر تم تدويرها لعرض مقاطع فيديو تُعلق على مسألة الرقابة. ووصفه زائر أميركي بأنه “مسرح فيغاس”، حيث أدى التنفيذ الفني السيء للجدران المطلية بالرش الذهبي إلى إضافة إحساس بالفن الهابط، وربما لم يكن ذلك ما قصده الفنانون.

قام أحمد شيحة بتنظيم هذا الجناح، وهو أحد الفنانين الثلاثة الممثلين فيه. يظهر كونه القيّم الفني وأحد الفنانين في الجناح الفهم القليل الذي امتلكته اللجنة المكلفة فيما يتعلق بأهمية اختيار أمين المعرض لوضع تصور موضوعي للإشراف على تنفيذ الجناح والإشراف عليه تنفيذًا مع وجود بيان فني مستقل وواضح.

تضمن الجناح الجزائري عرضًا جماعيًا لأعمال فنية نفذها خمسة فنانين. بعد التكليف بتنفيذ العمل في البداية من قبل وزارة الثقافة، تم التراجع عن الدعم المالي بعد يومين من سقوط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أوائل نيسان/ أبريل. لكن جهد ناجح للتمويل الجماعي للفنانين المشاركين ساهم في ضمان تمكينهم من تغطية تكاليف إقامة معرضهم بعنوان “حان الوقت للتألق”، مما ضمن المشاركة الوطنية الأولى للجزائر في البينالي. قالت الفنانة أمينة زبير، “كان من المهم للغاية بالنسبة لنا التأكد من أننا لن نضيع هذه الفرصة لنكون حاضرين في البندقية. كما كان من المهم بالنسبة لنا التعبير عن آرائنا وتسليط الضوء على الجيل الشاب من الفنانين الجزائريين الذين نمثلهم.”

من أعمال زهرة الغامدي، السعودية. (الصورة: بينالي البندقية)
من أعمال زهرة الغامدي، السعودية. (الصورة: بينالي البندقية)

شملت أبرز الأجنحة العربية الأخرى الجناح العراقي البسيط والأنيق والذي يضم عملين للفنان الكردي العراقي سيروان باران. تضمن هذا الجناح الذي يحمل عنوان “الوطن الأم” والذي أقيم بتكليف من مؤسسة رؤيا غير الربحية، لوحة كبيرة أبعادها أربعة في خمسة أمتار تصوّر جنود يرقدون في خنادق وهم يتناولون الوجبة الأخيرة، ونحتًا مزعجًا لهيكل عظمي لجنرال يطفو في قارب. مستوحيا الفكرة من مأساة الحروب الكثيرة التي اختبرها باران في العراق، يظهر كلا العملين إتقان الفنان للرسم والنحت بالطين الحر. بسطوتها وفتنتها، تعلق الأعمال بنجاح على الموضوع الرئيسي للبينالي، وتعلق على عبثية الحرب وتأثيرها على المدى الطويل.

اختارت المملكة العربية السعودية الفنانة زهرة الغامدي لتمثيلها. يحمل عملها عنوان “بعد توّهم”، وقد كلفت بتنفيذه من قبل معهد مسك للفنون، وهو كيان حكومي يشرف حاليًا على توفير رعاية طموحة ودعم للفنانين والمبادرات الثقافية السعودية. تشتهر غامدي باستخدامها للمواد الطبيعية مثل الجلود والصخور والرمال. (اقرأ المقال ذو الصلة: الفنانون العرب وصراع البقاء) يركز عملها في البندقية على المساحات المهجورة في طفولة الفنانة. فمن خلال إنتاج هذا العمل، تعيد الفنانة صياغة الذاكرة في الوقت الحاضر. بالنسبة للجناح، فإن التركيب الواسع النطاق ذو الموقع المحدد لشاشات مزودة بآلاف من “الأصداف” المصنوعة يدويًا والمُخاطة من الجلد يشكل منظرًا طبيعيًا يسترجع الخط الساحلي والطوبوغرافيا البحرية. إذ تتناثر الأجسام الصدفية، بأحجام مختلفة، على الأرض وتتسلق جدران الشاشة المثبتة. وكما هو حال الطبيعة العابرة للفكرة، تخلق الغامدي بنجاح إحساسًا بالانغماس المطلق في عالمها سريع الزوال.

يُعد بينالي البندقية، بمحيطه الإيطالي البعيد إلى حد ما والمؤلف من قنوات وهندسة معمارية فخمة، بمثابة خريطة وبوصلة لمسارات الفن العربي المعاصر وتجاربه. وسأقوم باستكشاف بعض هذه المسارات الفنية في مقالات قادمة.

تستمر فعاليات بينالي فينيسيا “البندقية” حتى 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام