خطة طموحة لتطوير الجامعة الأميركية في بيروت

/ 03-02-2017

خطة طموحة لتطوير الجامعة الأميركية في بيروت

يصادف هذا العام الذكرى السنوية الـ150 لتأسيس الجامعة الأميركية في بيروت، مع تقلد فضلو خوري لمنصبه الجديد كرئيس سادس عشر للجامعة. في خطاب تنصيبه، قد خوري خطته الطموحة لمستقبل الجامعة. وشرح مسؤولية الجامعة في لبنان، باعتبارها ثاني أكبر رب عمل في البلاد بعد الحكومة، كما قدم اقتراحاً لتقديم برنامج الخدمة الوطنية للخريجين. ووصف آماله في الجامعة الأميركية في بيروت على الساحة الدولية، بما في ذلك توسيع برامجها البحثية والعمل مع مجموعة من الجامعات التي تصل إلى كوستاريكا. فيما يلي مقتطفات من الخطاب:

تحديات راهنة:

أيها الأصدقاء، أمامنا تحديات حقيقية اليوم. نصف السكان في العديد من الدول العربية هم دون سن الخامسة والعشرين. والفرص الاقتصادية محدودة.  نتيجة لذلك، يفشل الكثيرون منهم في تحقيق إمكاناتهم.

عالمياً، يزداد التعليم العالي بعداًعن متناول معظم الناس، ما يزيد في تدهور التماسك الاجتماعي ويتسبب بتفاقم التفاوت الاقتصادي . وقد تسارعت زيادة الأقساط في العديد من الجامعات، بما في ذلك الجامعة الأميركية في بيروت، في السنوات الأخيرة. وكل هذا يضعنا في خطر داهم بأن نصبح نخبة اقتصادية أكثر منه نخبة فكرية، وهذا تهديد أساسي لرسالتنا.

لا شك في أن الجامعة الأميركية في بيروت تبقى، في عامها الخمسين بعد المئة، على قدر كبير جداً من الأهمية. إننا نتعلم من دروس الماضي، فيما نضع المستقبل نصب أعيننا. منذ أسس دانيال بليس الجامعة الأميركية في بيروت في العام 1866 ، أمر واحد لم يتغير، وهو العزم على أن يكون لها تأثير على المعرفة، وعلى المجتمع. والسؤال هو كيف ستستمر الجامعة الأميركية في بيروت بإلهام الأجيال الحالية والمستقبلية من الطلاب الأذكياء والطموحين؟ جامعتنا هي الأقدم، والأكثر تأثيراً وعراقة في العالم العربي. لدينا خريجون ناجحون ومؤثرون، وخيرة الأساتذة في المنطقة، وطلابنا هم من الأفضل والأكثر ابتكاراً وموظفونا متفانون جداً  في عملهم. الجامعة هي ثاني أكبر مستخدِم في لبنان بعد الحكومة؛ إنها المستخدِم الأكبر في القطاع الخاص. نتميز بشخصية ليبرالية متقدة، وجامعتنا هي بكل معنى الكلمة جماعة من العلماء والباحثين عن الحقيقة، في منطقة يمكن لهكذا خطاب فيها أن يكون خطير العواقب. الآن، وأكثر من أي وقت مضى، يجب أن تُضخ حياة جديدة في التأثير الحقيقي للجامعة الأميركية في بيروت الذي يتمثل في نشر الجوانب الأفضل في ثقافات وطننا الأم وقيمه.

لبنان هو المكان الوحيد في العالم العربي حيث يمكن لجامعة مثل الجامعة الأميركية في بيروت أن تزدهر، ماضيا وحاضراً.  بفضل روح المبادرة لدى الشعب اللبناني وصلابته المذهلة يبقى هذا الوطن المتنوع والنابض بالحياة أفضل حاضن ممكن للجامعة.

 وعلى الرغم من العقبات الكبيرة، طور لبنان نظاماً مدرسياً مستداماً ذا قدرة تنافسية عالية، لا سيما في الرياضيات والعلوم. ولقد كان للبنان دوراً مؤثراً بشكل يفوق حجمه في الفكر والثقافة والعلوم والطب في العالم العربي، كما في النهضة العربية، من خلال إحياء الآداب والفنون العربية. لقد  تمت ت الجامعة الأميركية في بيروت، على امتداد تاريخها، بدعم كبير من الشعب اللبناني.

عودتي إلى لبنان والجامعة الأميركية في بيروت:

يقول دايفد بينيوف في روايته مدينة اللصوص” الموهبة عشيقة متطرفة. إنها جميلة حين تكون معها، والناس ينظرون إليك، ويلاحظون. هي تقرَع على بابك في ساعات’فجة‘، تختفي لفترات طويلة، ولا تطيق ما لا يعنيها منك… إنها أكثر أمسياتك إثارة في الأسبوع، ولكنها سترحل يوما إلى الأبد. وذات ليلة، بعد سنوات من رحيلها، ستراها تتكئ على ذراع رجل أصغر منك سنا، وهي ستتظاهر حينها أنها لا تعرفك.”

أريد أن أحدث فرقاً في الجامعة الأميركية في بيروت فيما لا تزال العشيقة المتطرفة المسماة موهبة واقفة في الخارج تقرع على بابي وقد نفذ صبرُها! نعم، أنا لا أعتبرها وظيفة تقاعدية.

إذا أين أصبحت الأمور الآن؟ خلال المئة وخمسين يوما الأولى من رئاستي، ركزنا على بناء الثقة في كفاءة إدارة الجامعة الأميركية في بيروت وريادتها، وعلى صياغة رؤية مترابطة وشاملة من الامتياز والحوكمة المشتركة.

لقد بدأنا العمل على بناء تحالف بين الجامعات التي تفكر مثلنا، في لبنان والخارج. وقد تشرفت بزيارة الدكتور سالم الكوره لأول مرة منذ سنوات. حشدنا الزخم من أجل حصول الجامعة على منح رئيسية، قمنا بتعيين فريق قيادي عالي المستوى، وعملنا على تمكين أفضل قادتنا. كما عملنا من أجل تثبيت دعائم آلية منطقية واستراتيجية ومستدامة لوضع الموازنة بما ينسجم مع رسالتنا، وعلى امتداد أعوام عدة.

وفيما نعمل على السير بالجامعة الأميركية في بيروت نحو مستقبل مشرق، نأخذ في الاعتبار التحديات الاقتصادية التي تجعل دفع أكلاف تعليم ليبرالي أو احترافي ممتاز أمرا بالغ الصعوبة إلا لعدد قليل جداً من العائلات والأفراد في هذه البلاد وخارجها.

لقد أحرزنا تقدما في العديد من الجوانب الأساسية، عبر السير مثلا باتجاه تحقيق هدفنا لاستعادة التثبيت الوظيفي للأساتذة، والذي يشكل السمة الأساسية للتفوق الأكاديمي. ونظمنا انتخابات طلابية حرة ونزيهة، وشكلنا لجنة تمثيلية جديدة للطلاب والأساتذة ستتفرغ لإصلاح النظام الداخلي للجامعة بما يضمن الإنصاف وحسن التمثيل، وأعتقد أنهم على وشك إتمام المهمة.

نريد أن نشجع طلابنا ونطلق العنان لهم، نريد أن نساعدهم على شق طريقهم في هذا العالم، لا أن نفرض عليهم طريقنا نحن، عملاً بقول جلال الدين الرومي: لا تدع القصص تشبعك، وكيف مضت الأشياء مع الآخرين. فض أسطورتك الخاصة.” وقد انخرطنا في حوار حقيقي وشفاف بين الطلاب والأساتذة والموظفين ومجلس الأمناء والخريجين والإدارة، ومع الحكومة اللبنانية ومجلس النواب. وعبرالقيام بذلك، استقدمنا عددا من الأساتذة الجدد، وتوصلنا إلى اتفاق على نموذج جديد ومح سن للعقد مع الأساتذة، وهو تطور مهم في بناء الثقة على ضوء الاستعادة الوشيكة للتثبيت الأكاديمي.

الرؤية والأهداف بعيدة المدى:

في العقود القليلة الماضية، تصاعدت تكلفة التعليم العالي في العالم، إنما هنا في شكل خاص. وانعكس عدم الاستقرار السياسي والركود الاقتصادي على الدخل المادي في لبنان والعالم العربي. في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات، نزل الشعب المصري بأعداد هائلة إلى الشارع مطالبا بإسقاط الرئيس. وبعد خمس سنوات، تبين أن ما يُسمى الربيع العربي هو شتاء طويل لقدرة الأسر الشرائية في المنطقة. في هذا الإطار، نقر إذا كنا صادقين وسوف نكون صادقين بأن الجامعة الأميركية في بيروت باتت تواجه صعوبة أكبر بكثير في توفير تعليم عالمي المستوى لأفضل الطلاب وألمعهم، بغض النظر عن قدرتهم على الدفع. ولقد بذلت الإدارات السابقة للجامعة جهداً كبيراً  ونجحت في زيادة المساعدات المالية بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي.

ولكن ترافقت هذه المكاسب مع زيادة في تكلفة التعليم الجامعي جعلت التعلم في الجامعة أمراً بعيد المنال بالنسبة للكثير من اللبنانيين والعرب.

يجب أن نعالج هذه المشكلة التي تقوض صميم هويتنا كجامعة غير ربحية تسعى إلى إحداث فارق في مجال التعليم العالي، وكصرح يُحول حياة من يلمسهم، فيمنحهم حياة أكثر وفرة ومعنى وتصميماً.

ينبغي على الجامعة الأميركية في بيروت أن تساعد على توفير فرص جديدة للطليعيين الشباب المتميزين من أجل إحداث تغيير في لبنان والمنطقة والعالم. أقترح إطلاق نموذج وطني للخدمة والتعليم مقرون بمقاربة للإعفاء من الديون، وذلك بالتعاون مع الحكومة اللبنانية، لمواجهة كارثة هجرة الأدمغة التي ابتليت بها منطقة الشرق الأوسط، والتي تُبعد خريجينا المتميزين سعيا وراء حياة أفضل. بإمكاننا أن نساعد على إحداث تحول في التعليم في لبنان، بالتعاون مع الجامعات الشقيقة، عبر جعل الخريجين الجدد المتفوقين يخدمون المجتمع بالتعليم في المدارس الحكومية والخاصة وتسديد كامل قروضهم في الوقت ذاته. وهذا من شأنه أن يضمن توفير كل واحد من هؤلاء الخريجين لثلاث سنوات على الأقل من الخدمة القيمة في مناطق من البلاد هي بأمس الحاجة إلى معلمين متميزين.

بغية إعداد طلابنا بالطريقة الفضلى لمواجهة ضغوط البحث عن وظيفة في أسواق العمل العالمية، يجب علينا زيادة فرص التدريب المتاحة أمامهم في الصناعات الإقليمية، وتوسيع وتعزيز معارضنا للمهن وقسم الخدمات المهنية لدينا. علينا أيضا العمل على تعزيز خدمات المشورة ودعم الصحة النفسية، وبذل مزيد من الجهود لتشجيع الطلاب على الانخراط في نشاطات صحية وتعلم العمل في فريق. وهذه توفرها مرافقنا الرياضية الممتازة وجهازها الفني. الحياة، أيها الأصدقاء، هي رياضة جماعية، ونتمكن من خوض غمارها بطريقة أفضل، كما أفعل أنا، من خلال الحصول على المساعدة من الأصدقاء. الطلاب اليوم يشعرون بضغط حقيقي ليكونوا دوما جاهزين ومواكبين لما يجري من حولهم لم نعانِ من هذه الضغوط في صبانا في وقت أصبحت فيه وسائل الإعلام الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي تتطلب متابعة متواصلة على مدار الساعة.

توقع منهم أن يعرفوا أكثر وأن يكون أداؤهم أفضل من أداء من سبقوهم إنهم يتعرضون لضغوط أكبر من تلك التي نتعرض لها نحن. لذلك يجب أن نفهم أهداف طلابنا، لا أن نعتبرها من المسلمات، وأن نتفاعل مع طموحاتهم وندرك مخاوفهم وشكوكهم، من دون أن نحاكمهم. يجب علينا تمكينهم من إطلاق ذواتهم، ومنحهم الشعور بأننا نحضنهم وندعمهم بالكامل. من أجل خدمة المحرومين وتمكين التربويين، نحن بحاجة إلى تعزيز شراكاتنا مع مؤسسات مرموقة في جميع أنحاء العالم مثل جامعة الأرض في كوستاريكا، التي تجسد هذه الأفكار، ورئيسها المؤسس هو الدكتور خوسيه زغلول، خريج الجامعة الأميركية في بيروت وعضو مجلس الأمناء.

خلال الاحتفال بمرور 150عاماً على تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت.

خلال الاحتفال بمرور 150عاماً على تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت.

وقد تبلورت هذه الفلسفة أن نتعلم من أجل تقديم الخدمة على أرض الواقع في العديد من الفترات المضطربة في السنوات المئة والخمسين المنصرمة. لقد كان هنالك دائما أشخاص بحاجة إلى مساعدتنا.  واليوم بات لزاما علينا أن نأخذ زمام المبادرة في مساعدة الأعداد المتزايدة من اللاجئين الذين قدموا إلى هذا البلد سعيا للحصول على المساعدة منا. وحين تخرج جارتنا العظيمة سوريا من حربها الأهلية الرهيبة، ستحتاج إلى إعادة إعمار مدنها وترميم مجتمعها المدني وتعليم أولادها وتأمين العلاج الطبي لأبنائها. والجامعة الأميركية في بيروت هي المؤسسة الأفضل تجهيزا في المنطقة لتوفير الخبرات المتطورة والمتعددة الاختصاصات المطلوبة للمساعدة وذلك بفضل أساتذتنا الاستثنائيين.

وفيما نولي قدرا كبيرا من الاهتمام لواحدة من كبريات الكوارث الإنسانية في السنوات الخمس والعشرين الماضية، لا يمكننا أن نغفل عن احتياجات اللاجئين الآخرين وسواهم من الشعوب المحرومة: نحن نريد أن نساعد أفضل الفلسطينيين واليمنيين والعراقيين وألمعهم، بالإضافة إلى اللبنانيين المحرومين اقتصاديا. يجب أن نظل الجامعة التي يطمح إليها الأفضل والألمع، بغض النظر عن العرق أو العقيدة أو الأصل أو الجنسية أو الجنس أو الظروف الاقتصادية أو القناعات السياسية.

علينا إعداد طلابنا لإحداث فرق في المجتمع، ولذلك نقترح تطوير جوانب الخدمة والقيادة في مناهجنا الدراسية، وإدراجها ضمن المواد الأساسية التي تُعطى لطلاب الإجازات والدراسات العليا. يجب أن تصبح هذه المواد إلزامية ضمن البرامج التعليمية في الجامعة الأميركية في بيروت، فقد أخبرني الدكتور العظيم مخلوف حدادين، أن السباحة كانت مادة إلزامية في المنهاج التعليمي الذي تلقاه في الجامعة الأميركية في بيروت.

نريد أن يسبح طلابنا في القيادة والخدمة؛ ونريدهم أن يكونوا رياديين في أصول علم التربية. علينا المساعدة على تطوير مؤسسات تعليمية للطلاب في كل مكان. سوف نضع سلسلة من البرامج التأسيسية تحت مظلة البرنامج الإقليمي والخارجي وبالتعاون مع كلياتنا من أجل مساعدة الطلاب غير المستعدين بعد للدخول إلى حلبة المنافسة وللتعلم في الجامعة الأميركية في بيروت، وذلك من أجل الارتقاء بهم إلى المعايير المطلوبة التي تجعل من ارتياد الجامعة الأميركية في بيروت أمرا طبيعيا بالنسبة إليهم. وعلينا أيضا النظر إلى فئة المتقدمين في السن؛ وفي هذا الإطار يتعين علينا توسيع جامعة الكبار وتعزيزها لنكون وجهة عظيمة للمتعلمين من سن 16 إلى 95 عاما . ومن ثم عندما تصبحون في ال 95 من العمر، تنطلقون بمفردكم في الحياة!

ونحن نبذل حاليا جهودا في جامعتنا لإعداد علماء الغد ليكونوا المحركين وعناصر التغيير والقادة. على سبيل المثال، فإن منهاج كلية الطب، أو ما يُعرَف بمنهاج التأثير، ير كز على الشخصية والقيم بالدرجة ذاتها التي ير كز فيها على التمكن من العلوم الطبية. يجب أن يصبح هذا الشعار ملهِما لنا،

فالشخصية، أيها الأصدقاء، مهمة تماما بقدر الموهبة. إن هذه الأهداف لن تتحقق بسهولة. ولكن إذا استعرضنا تاريخ هذه الجامعة وكل ما فعله دانيال بليس وسواه من الأشخاص الذين تولوا قيادة هذه الجامعة، لوجدنا أنه لم يكن للسهولة من مكان في كل الإنجازات المهمة التي تحققت. هل سننجح؟ نعم، أعتقد أننا نستطيع ذلك، هذا واجب علينا، ويجب أن ننجح.

توسيع المهمة البحثية وتفعيلها:

علينا تعزيز النشاط البحثي وتفعيله. أحب ما كتبه توماس جفرسون لسلفه جون آدامز: “أنا أفضل أحلام المستقبل على تاريخ الماضي.” نحن جامعة بحثية عريقة وهذا عنصر أساسي في شخصيتنا

منذ خمسينيات القرن العشرين. إنني مقتنع، وسوف يثبت الأساتذة إن كنت على صواب أم خطأ، بأن الجامعة الأميركية في بيروت تضم إحدى مجموعات الأكاديميين الأكثر موهبة وإنتاجا في تاريخها. ورغم تمتع عدد من الجامعات الأُخرى في الشرق الأوسط بموارد مالية أكبر بكثير، فإن الجامعة الأميركية في بيروت هي المحرك الأكبر للأبحاث النافذة التي يضعها مؤلفوها بمبادرة ذاتية والتي تمارس تأثيرا كبيرا ، وهذا يعني أن أساتذتنا ليسوا غزيري الإنتاج فقط، بل أيضا جريئون بكل معنى الكلمة وينتجون أبحاثا ترسي معارف جديدة.

ونحن ننافس حتى في تلك المجالات التي تتطلب في شكل عام درجة عالية من الدعم المالي ومستويات عالية من التكنولوجيا بسبب امتياز أساتذتنا وروح المبادرة لديهم. لكن يجب أن نؤمن لهم موارد حديثة.

 وبحسب الجملة البليغة التي رددها فيليب خوري على مسامعي في مناسبات عدة،وسأخاطب بها مجددا الهيئة التعليمية، أنتم جيشنا النظامي. سوف نُظهر ثقتنا بكم، وهذا هو السبب الذي دفعنا إلى التحرك بسرعة لإقناع مجلس أمناء الجامعة بإعادة العمل بالتثبيت الأكاديمي.  يجب أن يُطبق التثبيت الوظيفي بطريقة متزنة ماليا للجامعة، وبما يؤدي إلى تمكين الأساتذة. يجب أن نمتلك الموارد لصون مستقبل الجامعة.

سنعمل مع المجلس وهيئة التدريس والخ ريجين وأسرة الجامعة لتحقيق جميع الأهداف الأساسية للحملة الرئيسة التي تسعى إلى تنشيط البحوث والبنية التحتية في الحرم الجامعي، وبناء مركز طبي عالمي المستوى تابع للجامعة. وسوف نسعى جاهدين خلال السنوات العشر المقبلة لزيادة الهبات إلى الجامعة من 550 مليون دولار إلى 1.2 مليار دولار، سأتحدى أصدقاءنا ومجلس الأمناء وكذلك أتحدى نفسي من أجل بلوغ هذا الهدف، وذلك بغية دعم كلياتنا وأبحاثنا.

يجب أن نعزز البنى التحتية في كلياتنا؛ لم تشهد كلية العلوم الزراعية والغذائية أي زيادة أو توسعة في بنيتها التحتية منذ العام 1952 . علينا أن نتعهد بالقيام بذلك بطريقة استراتيجية وذكية، لأن الزراعة ركن أساسي من أركان المجتمع اللبناني. فنحن نبقى مجتمعا زراعيا إلى حد ما. وعلينا المجازفة. يجب أن نبدأ في البقاع حيث تقع مزرعة الجامعة الرائعة AREC التي كنت أزورها خلال نشأتي.

لبنان بحاجة إلى تغيير حقيقي في المجال الزراعي، يجب أن نجازف. كلية العلوم الصحية ومدرسة التمريض في الجامعة الأميركية في بيروت هما الأفضل بين مثيلاتهما في العالم العربي. والكليتان تستخدمان معارفهما في مجال الصحة لتحسين حياة الناس وتمكينهم في المجتمعات الأكثر اضطرابا في المنطقة. وأنا فخور بأن أعلن أن قيادة كلية العلوم الصحية ساعدت على تأمين أكبر منحة في تاريخ الجامعة الأميركية في بيروت، وقدرها 26 مليون دولار ممتدة على عشر سنوات، من مؤسسة ماستركارد. لكن ما وجهة استعمال هذه المنحة؟ تُستخدَم لتثقيف الطلاب من المجتمعات المحرومة. سوف تتردد هذه العبارة كثيرا على مسامعكم.

 سيقوم طلاب من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وسوريا، وفلسطين، والمناطق الأكثر هشاشة على المستوى الاقتصادي في لبنان، بالانضمام إلى الجامعة الأميركية في بيروت للحصول على تعليم سيغير حياتهم، واكتساب قيمنا في العلمانية والمساواة. سأقولها مرارا وتكرارا ، سيأخذون معهم قيمنا في العلمانية والمساواة والمعرفة والدراية، ليس إلى عواصم الغرب والعالم العربي إنما إلى مجتمعاتهم التي هي الأكثر حاجة إليهم هنا في لبنان وفي العالم العربي وفي أفريقيا وآسيا.

وفي ما يتعلق بموضوع الالتزامات المؤسسية الهامة، نحن محظوظون للاستمرار في تلقي الدعم البارز من برنامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، الذي انتهز فرصة العلاقة التعاونية اللافتة بين الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية لتقديم منح لثلاثة أفواج أخرى من 55 طالبا في السنة في كل واحدة من الجامعتَين، ما يزيد من التنوع الملفت في هذا الحرم الجامعي ويعزز الروابط بين الجامعتَين الشقيقتين  . ونحظى أيضا بدعم هائل من مبادرة الشراكة الشرق أوسطية من أجل برنامج الامتياز، وهو برنامج تموله وزارة الخارجية الأميركية، ويقدم الدعم الكامل للطلاب من العالم العربي للدراسة في هذه الجامعة. واحد وعشرون في المئة من طلابنا هم من خارج لبنان. لولا الدعم من شركائنا لما كان هذا ممكنا ، ونحن نشكركم على ذلك.

وفي المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، لا يكتفي أطباؤنا وممرضونا الطليعيون بالعناية بالمرضى ذوي الحالات الأصعب والأقل حظوة في المنطقة، وبعلاجهم، ولكنهم أيضا باحثون مبتكرون وكثيرا ما يُستشهد بأبحاثهم؛ إنهم رواد حقيقيون في العالم العربي. وفيما نبني مركزا طبيا فائق الحداثة للغد، أقترح مبادرة نرتقي من خلالها بالمركز الطبي ليصبح المركز الأول في المنطقة للعلوم الصحية، حيث يجمع بين الطب، والعلوم الصحية، والعلوم الغذائية، وإدارة الأعمال، والهندسة، والتمريض وما إلى هنالك، لتطوير مبادرة عالمية مستدامة للعلوم الصحية تكون مدعاة فخر للبنان والعالم العربي.

وفي كلية الهندسة والعمارة، برهن أساتذتنا أنهم أكثر المحترفين والمفكرين ابتكار ا في العالم العربي، وطوروا أساليب جديدة ومقاربات مستدامة، من بيروت وعمان إلى مدينة الكويت والعديد من المدن في شمال أفريقيا.  وقد شملت هذه المقاربات تطوير مدارس متحر كة للاجئين السوريين، ومقاربات خضراء مبتكرة للمشكلات المجتمعية، ومقاربات جديدة للمدارس ومشاريع أخرى في الأرياف اللبنانية، ودراسات ميكانيكية عن نشر المُر كبات بالهباء الجوي .

لقد حان الوقت كي تلعب هذه الكلية الاستثنائية، وهي كلية ممتازة عالميا ، دورا أكبر بعد. نريد أن نتح ى مهندسينا للالتزام بالارتقاء بالمنطقة والجامعة إلى مستوى أكثر استدامة. وبدورنا سوف نلتزم بتخصيص الموارد والبنى التحتية كي تتمكنوا من إقناع وتثقيف وتوجيه الجيل المقبل من العمالقة الذين سيبنون عالما عربيا جديداً.

لهذه الغاية، وضعنا العديد من المواثيق في هذه الجامعة، وأحدها ميثاق مع المجتمع بأننا سنكون رائدين في الابتكار في مجال أخلاقيات العمل. علينا أن نواصل العمل مع الشركات الخاصة

والحكومة اللبنانية والمجتمع في أجواء من الزمالة والتعاون المشترك، وأن نعمل على توليد اقتصادات جزئية جديدة. سنطلق مبادرة للابتكار تستثمر الأفكار التحولية التي يطلقها أساتذتنا وتعمل على تعزيزها كي تعود بالفائدة على المجتمع. لكننا لن نتجن ب الخوض في النزاعات. علينا أن نفهم جذورها وتأثيرها، لأن النزاعات كثيرة في هذا البلد وفي هذا المجتمع. وكان والدي يقول، إذا كان شيء ما موجودا بكثرة، ربما يجب دراسته، ونحن لدينا الكثير من النزاعات.

خلال الاحتفال بمرور 150عاماً على تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت

خلال الاحتفال بمرور 150عاماً على تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت

إذا علينا التأسيس على الإنجازات الكبيرة لمعهدَي فارس والأصفري، وسوف ننشئ ثلاثة مراكز جديدة خلال العامَين المقبلين : مركز دراسات النزاعات وتسويتها في المجتمع، ومركز الأخلاقيات، ومركز لدراسة تأثير العلوم الإسلامية على المنطقة والعالم من منظار تاريخي. سيكون هناك تعاون بين هذه المراكز الثلاثة؛ لن تحل مكان الكليات، بل ستساهم في الربط بينهما، لأننا نؤمن بأهمية التعاون والأبحاث العابرة للاختصاصات.

أخيراً ، لدينا خطط كبرى لكلية الآداب والعلوم، أقدم كلياتنا وفي نواح عديدة الكلية الأساسية لدينا. في القسم الأكبر من سنواتنا المئة والخمسين، رفعت هذه الكلية لواء قضية التعليم الليبرالي في العالم العربي وناصرتها.  وأنا أنوي أن نركز الكثير من جهود إدارتنا على تمكين هذه الكلية وتخصيصها بالموارد وتعزيزها، لأننا ضللنا كثيرا ولفترة طويلة جدا عن المسار العملي المفيد والمهني. في حين أننا سنعمل على تعزيز البنى التحتية في العلوم الفيزيائية الطبيعية وفي الفنون والعلوم، تقع الإنسانيات في صلب القيم التي تجسدها الجامعة ويجب أن تواظب دائما على تجسيدها. لذلك سنطلق مبادرات كبرى في الموسيقى والمسرح والفنون الجميلة. وسوف نضمن دعم تعليم الفنون الليبرالية.

ليس ذلك فحسب، بل سنساعد أيضا على استحداث فرص عمل جديدة لباحثينا بحيث لا يعاني الشاب الذي يتخرج مع شهادة في التاريخ أو الفلسفة من الضائقة الاقتصادية بالمقارنة مع من يتخرج مع شهادة في الطب أو الهندسة.

مكان أفضل وأكثر إنصافاً للعمل وأكثر استدامة اقتصادياً وبيئياً وأخلاقياً:

 لكن من أجل النهوض بهذه المهمة على أكمل وجه، يجب أن ننظر إلى الداخل. علينا أن نجعل مكان العمل أفضل وأكثر إنصافا ، وأكثر استدامة اقتصاديا وبيئيا وأخلاقيا. كما ذكرت، نحن ثاني أكبر مستخدِم في لبنان بعد الحكومة، ونحن أكبر مستخدِم خاص في البلاد. ومع هذا الامتياز تأتي المسؤولية الحقيقية. إننا نُضني مواردنا لنفعل كل ما بوسعنا من أجل مجتمعنا. هذا العام، نتفاوض مع نقابة عمال ومستخدمي الجامعة الأميركية في بيروت على عقد جديد. ومع أن هذا العقد مقيد بالواقع المالي، إلا أنه سيكون أفضل من العقد السابق وسوف يتيح إحراز تقدم حقيقي نحو الإنصاف والمساءلة، لأنني قلق من بعض الأمور التي أراها في هذا المجتمع وفي الجامعة الأميركية في بيروت.

إننا نستمر في توظيف الأفراد برواتب لا تسمح بأن تكون لهم الحياة وافرة، وعلينا أن نفعل شيئا بهذا الخصوص في لبنان وفي الجامعة الأميركية في بيروت وفي العالم العربي. لا أقصد أن نقدم على توسيع كبير في حجم القوة العاملة، لكن بوجود بعض خيرة المرب ين في هذه الجامعة، أعتقد أنه يمكننا تدريب الموظفين غير الأكاديميين وتمكينهم وبث النشاط والحماسة لديهم وإعادة توجيههم نحو الهدف، كي يبنوا مسيرات مهنية بكل ما للكلمة من معنى بدلا من الاكتفاء بأداء وظيفتهم.

أعتقد أنه يمكننا القيام بذلك كله في إطار موازنة استراتيجية واقعية ممتدة على ثلاث وخمس سنوات، أخضع على أساسها للمساءلة أمام مجلس الأمناء، ويستطيع فريق عملنا تنفيذها. ويمكننا أيضا العملعلى إنعاش محيطنا. لاحظ  كثرٌ أن منطقتَي رأس بيروت وعين المريسة ظلتا بمنأى عن التحزب خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وليست صدفة أنهما تقعان في محيط الجامعة الأميركية في بيروت. لكن هاتين المنطقتين اللبنانيتين الرائعتين تدهورتا، وأريد العمل مع المجتمعات المحلية لإعادة إعمارهما كي لا تصبحا جميلتَين وحسب مثل وسط بيروت، إنما أيضا متاحتين أمام الطبقة العاملة أو الطبقة الوسطى.

جامعة أم للقرن الحادي والعشرين: مستدامة، وشفافة، ومستجيبة، ومغيِّرة:

لا يمكننا أن نفعل هذا بمفردنا. نحتاج إلى مجلس الأمناء، وإلى أساتذتنا، وموظفينا، وطلابنا، نحتاج إلى شركائنا في الجامعات في لبنان والخليج، وإلى الشركات الريادية، والحكومة، ونحتاج أيضا إلى خريجينا الفاعلين والمتألقين، وعددهم 61 ألفا ، الذين يشغلون بعضا من المراكز الأكثر نفوذا وتأثيرا والأعلى رتبة في العالم العربي.

لكن خريجينا طلبوا ميثاقا مختلفا ، علاقة مختلفة، تسير أكثر في الاتجاهَين، لا يريدونني أن أظهر حاملا قبعتي في يدي وأطلب منهم تحرير شيكات) أو أسوأ من ذلك بالنسبة إليهم، تسجيل أولادهم في الجامعة وتحرير شيكات!) سنواظب دائما على إشراك خريجينا بشفافية وصدق ومناقبية. وحين نخطئ أو تلوك الصحف أخبارنا لأسباب لا نتفق معها، سوف نتحمل مسؤولية أخطائنا. لكن إذا تداولت الصحف أخبارنا عن غير وجه حق، ونحن لم نرتكب أي خطأ، سنرد بقوة معلنين الحقيقة.

أظن أن أهدافنا قابلة للتحقيق. يجب أن تكون طموحة، ويحتاج تحقيقها إلى العمل والشراكة، وإلى الدعم الذي طلبه منكم أصدقائي وزملائي في مجلس الأمناء. علينا أن نجعل الجامعة الأميركية في بيروت نموذجا مستداما يحتذى به في القرن الحادي والعشرين لما يجب أن تكون عليه جامعة عظيمة تحمل لواء الفكر والتعليم الليبراليين في العالم العربي، وتخرج رؤساء جامعات، ومؤسسي منظمات غير حكومية، وأشخاصا يحدثون تغييرا في عالم الأعمال ولدى الشعوب والدول. يتو جب علينا تطوير اقتصادات جزئية في العالم العربي؛ وفي لبنان، علينا التركيز بالتساوي على جميع فئات الطلاب، بغض النظر عن قدرتهم على الدفع. إذا تمكنا من إنجاز ما عقدنا العزم على القيام به، أظن أنه يمكننا، لا بل أنا على يقين من أنه يمكننا أن نحدث تحولا في لبنان والتعليم العالي والعالم العربي.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام