فرج سليمان: من حيفا إلى العالمية على أنغام البيانو

/ 29-11-2019

فرج سليمان: من حيفا إلى العالمية على أنغام البيانو

بالنسبة للمُلحن وعازف البيانو الفلسطيني فرج سليمان، يعتبر العام الماضي عامًا من النشاط المكثف والتقدم الفني.

بإقامته في باريس، حيث يحتفظ بإقامة فنان في المدينة العالمية للفنون Cité Internationale des Arts، تمكّن من القيام بجولة في أفضل المهرجانات في جميع أنحاء أوروبا (مهرجان مونترو للجاز في سويسرا، ومهرجان إي إف جي EFG للجاز في لندن، للعام الثاني على التوالي)، فضلاً عن إقامة حفلات موسيقية في الأردن وتونس وأماكن أخرى.

وما بين تلك التنقلات والانشغالات، أصدر ألبومه السادس، البيت الثاني Second Verse، والأول الذي يضم أغانيه الخاصة التي غناها بلهجته الفلسطينية.

قد يكون هذا النجاح غير متوقعًا بالنسبة لشخص انقطع عن عزف البيانو لمدة 12 عامًا تقريبًا بين الطفولة والجامعة. انجذب سليمان، الذي ينحدر من الرامة في الجليل، في البداية إلى البيانو وهو طفل، وعزف لمدة ثلاث سنوات تحت إرشاد عمه. وعاد إلى الآلة الموسيقية خلال سنوات دراسته الجامعية في حيفا.

بعد تجربة تخصصات أخرى، بما في ذلك علم النفس والقانون، التفت إلى الموسيقى بدوام كامل بنية أن يصبح مدرسًا في المرحلة الابتدائية.

قال “لم يكن لدي بيانو في حيفا، كنت أتمرّن لفترة طويلة في المساء باستخدام قاعة التدريب في الجامعة حتى ينتهي الليل. ببطء، بدأت أكتشف أن في إمكاني حقًا العزف على البيانو وأن أصبح ملحنًا بعد ذلك.”

توسيع الآفاق

بصفته فنانًا، يعد سليمان من بين مجموعة مختارة من الموسيقيين العرب الذين يتخطون الحدود الفنية ويكتسبون مكانة بارزة في جميع أنحاء أوروبا، وتشمل قائمة الموسيقيين المعروفين دوليًا المطربة الفلسطينية كاميليا جبران والمغني والمؤلف الموسيقي وعازف البوق اللبناني إبراهيم معلوف.

“نشأتُ برفقة الألحان العربية التي لا تزال في رأسي، لكنني أًؤلف عناصر من موسيقى الجاز والروك. ومع ذلك، لا يقتصر عمله على فرق البيانو أو موسيقى الجاز المنفردة.”

فرج سليمان   مُلحن وعازف البيانو فلسطيني

يشكّل سليمان صوته الخاص من مزيج من الأنواع. قال “نشأتُ برفقة الألحان العربية التي لا تزال في رأسي، لكنني أًؤلف عناصر من موسيقى الجاز والروك. ومع ذلك، لا يقتصر عمله على فرق البيانو أو موسيقى الجاز المنفردة.”

في عام 2017، قام سليمان بتأليف الموسيقى والغناء في الكباريه The Cabaret، في تعاون موسيقي مسرحي مع بشار مرقص، على مسرح خشبة في حيفا. في ذات العام، عمل مع المطربة رنين حنا في تأليف وتوزيع ألبوم أغاني الأطفال، بعنوان قلبي غابة، من إنتاج معهد تامر للتعليم المجتمعي في فلسطين. يعتبر سليمان مشاريع مثل ألبوم الأطفال “مسؤوليته” بسبب عدم وجود أعمال للأطفال باللهجة الفلسطينية.

خلال العام الماضي، وسّع سليمان مهاراته الموسيقية في مجالات أخرى أيضًا. حيث تعاون مع فنانين آخرين في إنتاج “أثر الفراشة“، وهو عمل يحتفل بحياة المغنية الفلسطينية ريم بنا، التي توفيت بسبب السرطان في عام 2018. قام سليمان بإعادة ترتيب أغاني البنا لتكريمها، الأمر الذي تم بتكليف من مرسم MARSM، وهي مؤسسة انتاج للحفلات الموسيقية في لندن تعمل على تعزيز المواهب العربية، وتم عرضه في باربيكان في لندن هذا الصيف.

أول فيديو موسيقي لسليمان بعنوان "شارع الجبل" من ألبوم "البيت الثاني"

 أصداء حيفا

من نواحٍ كثيرة، يعكس النمو الفني الشخصي لسليمان نمو المدينة والمجتمع الذي يعتبره بيته و”حب حياته”، حيفا. في ألبومه الجديد، البيت الثاني، تركز الأغنية الأولى، “شارع الجبل”، على الطريق السياسي والثقافي المهم الذي يحمل هذا الاسم في المدينة.

طوال حياته المهنية، تعاون سليمان مع مؤلفين وممثلين وموسيقيين آخرين من حيفا – بمن فيهم عامر حليحل وحبيب حنا وماجد كيال – حيث أنشأت المدينة سمعتها كمركز ثقافي فلسطيني.

تجسّد مشاعر الحنين وذكريات الطفولة موضوعات مشتركة في أغلب أعماله. استلهمت أغنية “تحت شجرة الجوز”، المسجلة على ثلاثة من ألبوماته الستة، من شجرة في حديقته في الرامة حيث تتجمع أسرته في كثير من الأحيان. قال، “كنا نأكل الغداء والعشاء معاً تحت تلك الشجرة. … ثم جاء وقت احتجنا فيه لبناء مبنى جديد مما اضطرنا لقطع الشجرة بأكملها. هذا اللحن لتلك الشجرة.”

تُظهر التسجيلات الثلاثة للقطعة الموسيقية التقدم الفني لسليمان ورؤيته المتبلورة والمضي قدمًا من البيانو المنفرد، كما تظهر في ألبومه الأول، تسجيل دخول (2014). في ألبومه الرابع، كان يا  مدينة (2017)، مع فرقة تتألف من البيانو والغيتار والطبول، تأخذ الأغنية شكلًا أكمل، حيث تمكّن حبيب حنا على العود من جلب أجواءً جماعية شرقية. في ألبوم صندوق ألعاب لعام 2018، الذي تم تسجيله على الهواء مباشرة في حفل موسيقي في حيفا، يعزف مرة أخرى على الآلات، مستبدلا العود بالاكورديون مع إضافة البوق. إن هذا الارتجال المستمر والاهتمام باستكشاف ألوان جديدة من الصوت هو ما يجعل من المثير للغاية مشاهدة سليمان وهو يتطور.

"تحت شجرة الجوز" من البث المباشر لألبوم صندوق ألعاب (2018)

في إحدى الحفلات الموسيقية، أعجب سليمان بما وصفه ديفيد جونز، مدير مهرجان EFG Jazz، بأنه “احتضان للألفة الحميمة”. إذ أظهر ثقة متواضعة وهو يعزف برؤية واضحة وحاسمة على البيانو، وهو يتزعّم الفرقة على المسرح. وبينما بدا مرتاحًا على البيانو بشكل لا يصدق، إلا أن لسليمان حساسية أثناء مخاطبة الجمهور في حوار بسيط للغاية.

بإدراك تام للتحدي الذي يمكن أن يمثله عزف الموسيقى على الآلات فقط لبعض الجمهور، يفكر سليمان، ضاحكًا، في حفلته الموسيقية الأولى من المؤلفات التي ستشكل في نهاية المطاف المواد الخاصة بألبومه الأول، تسجيل دخول (2014).

قال “كان الحفل فظيعًا. كان عملي معقدًا بشكل مفرط دون غرض، وصعبًا للغاية، وجامدًا للغاية. … أتذكر أنه كان هناك حوالي 300 شخص أمامي ولم يستمتع أي منهم بذلك.”

لكنه قال بأن تلك التجربة كانت درسًا قيِّمًا، “لأنني تعلمتُ التفكير في ماهية الموسيقى، ما الذي يشكل أداءً، ما هو المسرح، وماذا يعني الجمهور؟ لم نتعلم كل هذا في الجامعة…. لم يعلمونا أن الأشخاص الذين يأتون إلى المسرح بحاجة إلى الاستمتاع.”

“كان الناس سعداء للغاية، لقد حفظوا كلمات الأغاني بالفعل. تم إطلاق الألبوم على الإنترنت قبل بضعة أشهر ولكن في العرض الحي كان الناس يغنون معه حرفيًا.”

آية النابلسي   المديرة التنفيذية لمهرجان البلد

لهجة موسيقية

كان ذلك درسًا تعلم من خلاله سليمان ويعمل على ضبط أدائه على أساس جمهوره. خلال الحفل المسجّل مباشرة في ألبوم صندوق ألعاب، جرب سليمان غناء أغنية غير مكتملة أطلق عليها فيما بعد “إسّا جاي”.

حصد الفيديو بسرعة آلاف المشاهدات (أكثر من 700,000 حتى الآن) وأطلق حملة للتمويل الجماعي لإنتاج ألبوم يضم أغانيه. ما بين الدعم من الحملة ومؤسسة عبد المحسن القطان، تم إنتاج الألبوم بسرعة، مع حصول سليمان على كلمات العديد من أغانيه بالتعاون مع أشخاص معروفين في حيفا.

يغني سليمان كل الأغاني بلهجته الفلسطينية، متابعًا خطى المطربين من أمثال ريم البنا وكاميليا جبران، على عكس اللهجات اللبنانية أو المصرية أو المحايدة (“البيضاء”) الأكثر تمثيلا. قال “يقول الأغلبية إن اللهجة اللبنانية أكثر موسيقية. لا أتفق مع ذلك، أعتقد أن لهجتنا موسيقية أيضًا.”

في واحدة من أولى الحفلات الموسيقية الكاملة لألبوم البيت الثاني، في حزيران/ يونيو في مهرجان موسيقى البلد في الأردن، والذي يركز على دعم المشاريع الفنية الجديدة من المنطقة، قدم سليمان عددًا كبيرًا من مقطوعاته الموسيقية الجديدة لجمهور جديد. أشارت آية النابلسي، المديرة التنفيذية للمهرجان، إلى الاستقبال الإيجابي للمشروع. قالت “كان الناس سعداء للغاية، لقد حفظوا كلمات الأغاني بالفعل. تم إطلاق الألبوم على الإنترنت قبل بضعة أشهر ولكن في العرض الحي كان الناس يغنون معه حرفيًا.”

وتابعت أن جزءًا من جاذبية الألبوم يتمثل في “كلمات الأغاني العربية الطبيعية للغاية”. قالت، “إنه يتحدث عن أشياء نناقشها في الحياة اليومية.”

على رغم من ازدحام السنوات القليلة الماضية بالأحداث الفنية بالنسبة لسليمان، إلا أنه لا يظهر أي علامات على التباطؤ ويعمل حاليًا على إصدار ألبوم جديد إلى جانب مشاريع أخرى للأفلام والمسرح. هل سيكون هناك المزيد من الغناء؟ يفضل سليمان إبقاء خياراته مفتوحة على الدوام.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام