بالعربي فلسفة: مبادرة لتحسين صورة الفلسفة في مصر

/ 03-12-2018

بالعربي فلسفة: مبادرة لتحسين صورة الفلسفة في مصر

لم يكن معظم من حضروا محاضرة عامة عن العلاقة بين الفلسفة والشعر هذا الشهر في الجامعة الأميركية في القاهرة من المتخصصين في أيّ من المجالين، لكنهم جاءوا بسبب اهتمامهم بالتعرف على الفلسفة والاستماع اليها وهي تُقدم بلغة عادية وأسلوب مبسط.

جاءت المحاضرة ضمن سلسلة محاضرات وورش تقدمها مبادرة “بالعربي فلسفة” بهدف تغيير فكرة استقبال الفلسفة بصفتها مجال للنخبة لا صلة له بواقع الحياة اليومية أو مجال أكاديمي لطلاب الجامعات، والذين لم يحرزوا درجات عالية في امتحان التخرج من الثانوية ممّا يؤهلهم لدخول تخصصات أخرى.

تأسست مبادرة “بالعربي فلسفة” قبل عامين تقريباً على يد يسرا حمودة، والتي تحمل درجة البكالوريوس في الفلسفة من الجامعة الأميركية في القاهرة.

قالت حمودة “بدأت الفكرة بطلب من بعض الأصدقاء غير المتخصصين لإتاحة التعرف على الفلسفة وتقديمها للجمهور بطريقة مبسطة ومجانية.” وأضافت “وبذلك بدأنا بتنظيم عدة ورش باللغة الإنجليزية وأذهلتني كثافة الحضور الذي تعدى الـ300 شخص، ومن هنا جاءت  فكرة تأسيس المبادرة لتقديم هذه الورش باللغة العربية.”

في البداية، كانت هناك عقبة تتمثل في كون القليل من أساتذة الفلسفة في الجامعة الأميركية يجيدون اللغة العربية، وكبديل لذلك، وجدت حمودة بأن الحل الأمثل يتمثل في الاستعانة بمحاضرين من طلبة الدراسات العليا وخريجي قسم الفلسفة والحاصلين على درجة الماجستير في الفلسفة.

في مصر، لا يعني التخصص في مجال الفلسفة بالضرورة اهتماماً بالموضوع، فغالباً ما يُجبر الطلاب على دراستها لأنهم لا يمتلكون أي خيار آخر بسبب ضعف درجاتهم عند اجتياز امتحان الثانوية العامة، والتي تحدد  قبولهم بأقسام كليات الأداب والعلوم الإنسانية أو كليات التربية بالحد الادنى، وغالباً ما يقبل قسم الفلسفة الطلاب بدون شروط بعكس الأقسام الأخرى مثل اللغات والتي تتطلب درجات عالية، ويقدر عدد خريجي الفلسفة سنوياً في مصر بالآلاف، ولا تتوفر لهم فرص العمل، بل يعمل من يحالفه الحظ منهم في تدريس مواد أخرى بعيدة تماما عن تخصصه.

يقدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عدد خريجي الجامعات الحكومية بنحو 324 ألف خريج في عام 2016 ، من بينهم 65 ألف خريج من مجموعة الدراسات الإنسانية والفنون. ويشكل خريجو الفلسفة نسبة 13.2 في المئة من إجمالي عدد خريجي كليات الفنون والعلوم الإنسانية.

قالت إكرام فهمي، أستاذة الفلسفة بكلية الآداب بجامعة حلوان وعضوة الجمعية الفلسفية المصرية، “قسم الفلسفة هو للبواقي والفضل، فهو القسم الوحيد الذي يقبل الطلاب دون شروط.”

وبحسب فهمي، ينتج غياب شروط محددة أو حد أدنى للدرجات لقبول الطلاب في جمع طلاب غير مهتمين بهذا النوع من الدراسات، وبالتالي خريجين غير مؤهلين ولو لتحسين الصورة الذهنية الشائعة عن الفلسفة. قالت “في حال عدم قبول الطالب بأي قسم في كلية الآداب يتم تحويله إلى قسم الفلسفة مباشرة.”

تشير فهمي بأصابع الاتهام إلى سياسات التعليم العالي في مصر، التي لا تضع شروطاً أعلى لأقسام الفلسفة، لتجذب طلاباً راغبين في الدراسة فعلياً. قالت “لا يحظى طالب الفلسفة في مصر بإهتمام حقيقي، وهو مجبر على دراستها لأنه لا يملك رفاهية الإختيار.”

في العام الماضي، دخلت إكرام في جدل مع أساتذة قسم الفلسفة في جامعتها حول وضع شروط القبول بالقسم. قالت “نحن، كأساتذة، مسؤولون عن النظرة الدونية لدراسة الفلسفة في مصر.”

تطبيق الفلسفة على أرض الواقع

يتجاوب جمهور المبادرة بشكل واضح مع النظريات الفلسفية وأطروحات الفلاسفة التي تثير الأسئلة أكثر من تقديمها للإجابات، ولا يفضل القائمون على المبادرة الانحياز لفيلسوف دون آخر. قالت حمودة “قدمنا عناوين مختلفة خلال 25 محاضرة لربط النظريات الفلسفية بالواقع المعاصر، ونعرض نماذج متعارضة من النظريات الفلسفية حول القضية الواحدة، كي نتمكن من تحقيق الهدف الرئيسي للمبادرة، وهو تطبيق الفلسفة على الواقع بإتباع التفكير المنطقي، واستخدام الأفكار والنظريات لفهم ما يدور.”

يسرا حمودة صاحبة فكرة مبادرة بالعربي فلسفة لنشر الفلسفة لغير المتخصصين (الصورة: إبرام نادي)

وتجذب المبادرة جمهوراً مختلفاً لا يقتصر على دارسي الفلسفة، بل يمتد ليشمل مراحل عمرية وثقافية واجتماعية مختلفة. قالت حمودة “يعتقد الناس أن الفلسفة صعبة ونخبوية ونظرية لا علاقة لها بالواقع، لكننا نعمل على إقناع الناس على التفكير بطريقة نقدية ومن خلال أدلة تستند إلى النقاش.”

يرحب وائل عبد الله، مدرس فلسفة العلوم ومناهج البحث بكلية الآداب بجامعة سوهاج، على بعد 300 ميل الى الجنوب من القاهرة، بفكرة المبادرة، خاصة وأن الناس تخاف من الفلاسفة بسبب انطباعات قديمة مفادها تعارض الفلسفة مع الدين – بحسب وائل – قال “يعتقد الجميع أن الفيلسوف يعيش في برج عاجي، وليس لديه سوى التنظير، غير إتهامات قديمة بالكفر والإلحاد.”

يتفق عبد الله مع فهمي في أن الكثير من دارسي الفلسفة اجبروا على دراستها، لكنه يرى أن هناك طلاب لديهم الرغبة الحقيقية في التعلم، قال، “لدينا طلاب مميزين لكنهم أقلية، وذلك بسبب النظرة السلبية تجاه دارس الفلسفة.”

ويتفق أيضاً مع حقيقة عدم توافر فرص توظيف لخريجي الفلسفة في مصر. حيث تنحصر معظم الفرص في هذا المجال في التعليم، بحسب عبد الله، وليس هناك أماكن كافية لاستيعاب كافة الخريجين، لأن الفلسفة تُدرس في المرحلة الثانوية كمادة اختيارية.

قال عبدالله ” في عام 2010 كان لدينا 21 كلية للآداب في مصر تضم 21 قسما للفلسفة، يتخرج منهم ما لا يقل عن 8 الاف طالب سنوياً.”

 لكن عبدالله يعتقد أن خريج الفلسفة لديه الإمكانيات للعمل في وظائف مختلفة من بينها العلاقات العامة والصحافة.

تدعو فهمي لإيجاد “مشروع قومي لتغيير نظرة المجتمع للفلسفة، وذلك بتعميم دراستها على المدارس فالفلسفة أم العلوم”. تحاول فهمي في محاضراتها ربط النظريات الفلسفية بالواقع قالت “التفكير في أزمة رغيف الخبز فلسفة”. (لطالما كانت التخفيضات في الدعم التي تؤثر على اسعار الخبز موضوعًا للاحتجاجات المتكررة في مصر).

تأمل حمودة في توسعة مبادرة “بالعربي فلسفة” في المرحلة القادمة لتقوم بتقديم هذه المحاضرات في الجامعات الحكومية، خاصة في جامعات الصعيد والدلتا للخروج من مركزية القاهرة، قالت “عقدنا ندوة في احدى الجامعات الخاصة في محافظة المنيا ونعمل على التوسع بالشراكة مع جامعات أخرى لنشر الفلسفة”.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام