مهندس معماري كفيف يرى المباني بطريقة فلسفية

/ 31-05-2018

مهندس معماري كفيف يرى المباني بطريقة فلسفية

أسيوط- يطلب مينا ميشل سمعان، دكتور في الهندسة المعمارية وأستاذ في جامعة المنصورة شمال القاهرة، من طلابه تنفيذ رسومهم بحضوره. وعن طريق حركة يدهم يعيد ميشيل رسم التصميم في مخيلته ليقدم لهم نصائح وإرشادات حول سبل تطويره.

تبدو طريقة ميشيل غريبة وربما معقدة، لكنها ناجحة لكونه كفيف.

قال “كنت متردداً حيال الوسيلة التي يمكن من خلالها توجيه النصح للطلاب وأنا غير قادر على رؤية تصاميمهم كما كنت متخوفاً من ردة فعلهم. لكن الأمور تسير بشكل جيد وهم يطالبونني بإبداء الرأي وتوجيه الملاحظات باستمرار.”

سمعان الأستاذ الكفيف الوحيد في كلية الهندسة المعمارية. فعلى الرغم من أن القانون المصري الجديد لضمان حقوق ذوي الإعاقة الصادر عام 2018، يلزم كل جهات العمل الحكومية وغير الحكومية وكل أصحاب الأعمال الخاصة ممن يستخدمون 20 عاملا فأكثر، بتعيين خمسة بالمئة من العمال من ذوي الإعاقة، إلا أن التوظيف في الجامعة غير متاح بشكل كبير لذوي الإعاقة خاصة في الكليات العلمية.

قال أحمد راشد، أستاذ العمارة في الجامعة البريطانية ورئيس قسم العمارة خلال فترة دراسة سمعان في جامعة المنصورة، “لم يكن مينا طالبا عاديا، إذ تمتع بفكر نقدي خاصة وأن محاضراتي تعتمد على التفاعل وربط العمارة بالتاريخ، وكان يعيد صياغتها من وجهة نظره بما يشكل إضافة واضحة. لذلك كنت حريصاً على اختياره كمعيد في قسمه نظرا لتفوقه، ولم أبال بنظرة البعض لضعف إمكانيات ذوي الإعاقة.”

مينا ميشيل سمعان ومجموعة من طلابه في جامعة المنصورة، مصر. (الصورة: مينا ميشيل سمعان)

مع ذلك، لم يكن طريق سمعان، 32 عاماً، سهلاً تماماً. إذ احتاج إلى ثقة كبيرة بالنفس، لتحقيق حلمه بأن يصبح معماريا كوالده خاصة بعد  اكتشاف إصابته بمرض وراثي نادر أفقده البصر. إذ إكتشف الاطباء إصابته في عمر العشر سنوات وأخيه، الذي يصغره بعامين، بمرض الالتهاب الشبكي التلوني Retinitis Pigmentosa وهو مرض نادر يؤدي إلى ضمور خلايا الشبكية بالتدريج.  يفقد نحو 96 في المئة من المصابين بالمرض بصرهم في سن متقدمة، بينما يفقد 4 في المئة منهم النظر في سن مبكرة من بينهم سمعان وأخيه.

لكن سمعان وبفضل دعم أسرته وتصميمه على الدراسة تمكن من الحصول على الدرجة النهائية في امتحان الثانوية العامة ليلتحق بكلية الهندسة المعمارية في جامعة المنصورة، شمال القاهرة، وليحصد المركز الأول على دفعته طيلة سنوات دراسته الأربعة. ثم حصل على 6 منح دراسية قصيرة في ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية بجامعات دريسدن وفلوريدا أثناء رحلته لإنجاز أطروحة الماجستير والتي كانت حول تصميم مباني جامعية ذات كفاءة عالية في استهلاك الطاقة والحفاظ على البيئة. قال “لم أكن فاقداً كلياً للبصر في حينها، لذا تمكنت من استخدام  برامج حاسوبية متخصصة من خلال منح حصلت عليها وساعدتني لتطوير مباني تعتمد على الإضاءة الطبيعية وضمان الراحة الحرارية داخل الفراغات.”

لاحقا، حصل على منحة لدراسة الدكتوراه من الهيئة الالمانية للتبادل العلمي (DAAD) في جامعة براون شفايج، وهي منحة يحصل عليها طالب واحد فقط سنوياً من  35 جامعة من دول العالم النامي مشتركة بالبرنامج. لينهي دراسته العام الماضي ويعود إلى جامعته كأستاذ مدرس هذه المرة.

في مصر، وغالبية الدول العربية، يواجه الطلاب من ذوي الإعاقة صعوبات عديدة لاستكمال تعليمهم العالي في ظل غياب السياسات الداعمة والدامجة. (اقرأ المقال ذو الصلة كيف يمكن لمصر تبني سياسات أكثر عدالة لتعليم الطلاب ذوي الإعاقة).  إذ تسمح سياسات التعليم العالي في مصر بقبول المكفوفين في خمسة كليات أدبية فقط هي: الآداب، ودار العلوم، والألسن، والحقوق، والخدمة الاجتماعية بشرط الحصول على 50 في المئة من المجموع الكلي في الشهادة الثانوية بحد أدنى.  ويشترط أيضا للقبول أن يعرض هؤلاء الطلاب على لجنة ثلاثية من أعضاء هيئة تدريس في كلية الطب التابعة للجامعة المتقدم لها الطالب. (اقرأ القصة ذات الصلة: خيارات محدودة لذوي الاحتياجات الخاصة بالجامعات المصرية).

قال سمعان “اعتقد أنني كنت محظوظاً فقد تمكنت من تجاوز الكشف الطبي، لأنني كنت ما زلت أرى قليلاً في ذلك الوقت.”

قال اندريا هارستريك، الأستاذ بجامعة براون شفايج والمشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة بسمعان، “عندما التقيته للمرة الأولى، كان قد بدأ للتو في دراسته في الجامعة كمرشح للدكتوراه. لاحظت على الفور أنه كان ملهما ولديه إرادة قوية. أعتقد أنه بسبب إعاقته، كان عليه أن يثبت نفسه أكثر من الآخرين، وكان ذلك – بحسب ما أعتقد – وصفة ناجحة.”

مينا ميشيل سمعان خلال حفل حصوله على شهاداه الدكتوراه في ألمانيا. (الصورة: مينا ميشيل سمعان).

في تلك الفترة، فقد سمعان بصوره بصورة شبه كاملة ليبدأ باستخدام برنامج Gows ، والذي قامت جامعة في ألمانيا بشرائه خصيصا لميشيل لمساعدته في الدراسة حيث يقوم الجهاز بقراءة محتوى الكتب بصوت مرتفع. قال “بلغ ثمنه نحو 1700 يورو وهو برنامج مكلف ولا يوجد في الجامعات المصرية، لكنه ساعدني كثيرا في الدراسة خاصة وأنني لم أتمكن من تعلم لغة برايل نظراً لأنه يتوجب تعلمها من الصغر.”

مع ذلك، لا ينكر هارستريك أن ضعف بصر سمعان كان عائقاً كبيراً بالنسبة له.

قال “يتطلب الحصول على الدكتوراه إجراء البحوث للكثير من القراءة والبحث. لكن سمعان تمكن من إنجاز ذلك في الوقت المحدد ربما لإيمانه أن مستقبله سيحدد بناء على ذلك.”

بدوره، يعتقد أحمد صلاح الديب، المدرس بقسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة جامعة كفر الشيخ والذي عمل سابقاً مع سمعان في جامعة المنصورة، أن سمعان يمتلك فلسفة خاصة وهو منظم ولبق في الحديث وطريقة الرسم.  قال” لم يعتمد  على الرسوم بقدر ما أعتمد على النظريات والقوانين والمعادلات لإستحداث أسلوب خاص، ترك من خلاله بصمة واضحة. كنا نعمل بالاقلام الرصاص، لكنه بدأ استخدام اقلام الماركر مباشرة في السنوات الأخيرة.”

يعمل سمعان اليوم على دعم حقوق ذوي الإعاقة في الوصول للجامعات المصرية.

قال “علينا كمهندسين معماريين توفير الفراغات الخارجية والمباني العامة والسلالم الخاصة بحركة ذوي الإعاقة لتمكين الطلاب من الوصول للجامعات واستخدام مرافقها بسهولة. العمارة فكر وفن وفلسفة يجب توظيفها لخدمة كل أفراد المجتمع بدون استثناء.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام