مستقبل قلق يواجه حملة الماجستير والدكتوراه في مصر

/ 27-04-2018

مستقبل قلق يواجه حملة الماجستير والدكتوراه في مصر

القاهرة- حرص محمد يوسف،43 عاماً، على الحصول على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة القاهرة لاعتقاده أنها ستفتح له باب العمل في الجامعة. لكن اعتقاده لم يكن في محله، إذ لم يتمكن من العمل كأستاذ جامعي وبقي يعمل مدرساً لمادة التاريخ في إحدى المدارس الثانوية بمحافظة الشرقية، شمال شرقي القاهرة.

قال “كل تعب سنوات الدراسة ذهب بلا أي مقابل. التعيين في الجامعة حق لي لكنني لم أتمكن من الحصول عليه.”

تشهد مصر ارتفاعاً في عدد الشباب المصريين الساعين للحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه لضمان الحصول على وظيفة أكاديمية مرموقة لاحقاً. ففي عام 2016، حصل نحو 158 ألف طالب وطالبة على شهادة درجة ماجستير ودكتوراه من الجامعات المصرية والأجنبية بمقابل 127 ألف طالب وطالبة في عام 2015، أي بمعدل زيادة 24.1 في المئة بحسب بيان صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فى شهر تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي. لكن الارتفاع المستمر في عدد الحاصلين على شهادات عليا في مصر يتناسب عكساً مع عدد الفرص الوظيفية الممكنة في الجامعات الحكومية. إذ تقوم كل كلية بتحديد احتياجاتها من الكوادر التدريسية لكل ثلاث سنوات بحيث يوافق عليها مجلس الكلية أولاً، ويُرسلها بعد ذلك إلى المجلس الأعلى للجامعات الذي يُقرها بحسب توفر الميزانية المالية.

يعتقد معتز خورشيد، وزير التعليم العالي الأسبق، أن المشكلة تفاقمت بعد ثورة 25 يناير 2011، خاصة مع قيام حاملي الماجيستير والدكتوراه بمظاهرات تطالب بتعينيهم في الجامعات. قال “لا يوجد شواغر كافية في الجامعات الحكومية كما أن تخصصات حاملي الشهادات العليا غالباً لا تلبي احتياجات الجامعة مما يستوجب إعادة النظر في مدى ملائمة هذه التخصصات للاحتياجات.”

وضع قلق للأساتذة المساعدين

تبدو شروط التعيين في الجامعات الخاصة مجحفة قانونياً ومالياً بحق الكثيرين كما يقولون. إذ غالباً ما يتم التوظيف وفق عقود عمل مؤقتة بدوام جزئي تنص على تدريس مقرر أو اثنين لفترة محدودة دون وجود إمكانية لإجراء بحوث ودون وجود أي تأمينات اجتماعية أو صحية وبمقابل مالي قليل جداً مقارنة بباقي أعضاء هيئة التدريس الأساسيين.

قال أستاذ جامعي، طلب عدم الكشف عن اسمه ويعمل وفق عقد عمل مؤقت في الجامعة الأميركية في القاهرة منذ نحو 7 سنوات، “مهمتي داخل الجامعة محدودة جداً وتقتصر على التدريس في فصل دراسي، ليس لي أي دور خارج الفصل وإدارة الجامعة لا تتعامل معي كجزء من الهيئة التدريسية. لا أشعر بالاندماج أو الانتماء للمكان الذي أعمل به منذ أكثر من سبع سنوات.”

لا يختلف الحال كثيراً في الجامعات الخاصة الأخرى.

من احتجاجات حملة الماجستير والدكتوراه في مصر طلباً للتعيين. (الصورة من صفحات على الفيسبوك)

إذ تشكو أستاذة مصرية حاصلة على شهادة الماجستير في الهندسة الميكانيكية وتعمل اليوم وفق عقد عمل مؤقت في الجامعة البريطانية في القاهرة من أسلوب إدارة الجامعة في التعامل معها ومع زملائها العاملين وفق هذا النوع من العقود. قالت، بعد طلبها عدم الكشف عن اسمها، “يتم احتساب مستحقاتنا المالية بالساعة، ويطلب منا الالتزام بالحضور من التاسعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً يومياً حتى دون وجود فصول دراسية لنا. ويتم الخصم من أجورنا في حال تأخرنا أو تغيبنا.”

لكن ما زاد الطين بله بحسب الأستاذة اشتراط إدارة الجامعة عليها المساعدة في الحصول على تمويل لأحد المشروعات البحثية لتعزيز موارد الجامعة المالية للاستمرار في عملها.

قالت “تبدو الجامعة كشركة تسعى للربح عبر زيادة عدد الطلاب دون الاكتراث والاهتمام بالأساتذة الذين يشكلون صلب جودة العملية التعليمية. شخصياً، لست راضية عن عملي لأنني مضطرة للبحث عن عمل إضافي لتأمين حياتي مما ينعكس بالتأكيد على أدائي.”

لكن أحمد حمد، رئيس الجامعة البريطانية في مصر، يعتقد أن تحديد ساعات العمل وإلزام الأستاذ بالبحث عن تمويل للأبحاث ليس بالأمر المستغرب. قال “لا يمكن الفصل بين دور الأستاذ في التدريس ودوره في تأمين تمويل للأبحاث الجامعية خاصة وأن الجامعة ليست حكومية. يحدث هذا في العديد من الجامعات خارج مصر.”

ظروف عمل صعبة

تعتقد هانية صبحي، الباحثة في قسم التنوع الاجتماعي والثقافي في معهد ماكس بلانك لدراسة التنوع الديني والعرقي في ألمانيا والمهتمة بتطوير شؤون التعليم في مصر، أن الصعوبات التي تواجه حملة شهادات الدكتوراه والماجستير تزداد يوماً بعد يوم في ظل ارتفاع أعدادهم وقلة الفرص المتاحة أمامهم في الحقل الأكاديمي.

قالت “يقبل الكثيرون بالعمل وفق عقود مؤقتة لكنهم سرعان ما يكتشفون صعوبة ذلك. لذلك يلجأ البعض للبحث عن عمل إضافي يؤثر سلباً على جودة أدائه. في حين تدفع الأوضاع غير المستقرة من ناحية عقد العمل والمقابل المالي أخرين إلى التخلي عن أحلامهم الأكاديمية وهذه خسارة كبيرة بلا شك.”

لكن الجامعات الخاصة ترفض اتهامها باستخدام عقود مجحفة أو سياسات متحيزة ضد الأساتذة العاملين لديها وفق عقود عمل مؤقتة. إذ يوضح الموقع الرسمي للجامعة الأميركية في القاهرة أن “الأستاذ غير الدائم في الجامعة هو جزء من الحياة الأكاديمية داخل الجامعة.” ويعتمد تقييم الأساتذة وتجديد عقودهم على سنوات عملهم، وتصنيفهم الدراسي، وتقييم رئيسه في القسم.

قال إيهاب عبد الرحمن، الرئيس الأكاديمي للجامعة، “المشكلة أن غالبية أساتذة العقود المؤقتة يرغبون بالعمل بشكل دائم لكن لا توجد فرص متاحة لذلك دائماً.” مؤكداً على وجود فارق كبير في الأجور بين الأساتذة الدائمين والأساتذة العاملين وفق عقود مؤقتة.

قال “يُطلب من الأستاذ الذي يعمل بدوام كامل بالجامعة إنجاز أبحاث، وتقديم خدمات إدارية للجامعة، بجانب عمله في تدريس ثلاثة مقررات في الفصل الدراسي الواحد، في حين لا يطلب من أستاذ العقد المؤقت سوى تدريس مقرر أو اثنين على أبعد تقدير دون أي مهام أخرى وبالتالي فارق الأجر كبير لكنه عادل.”

يبلغ عدد الأساتذة العاملين وفق عقود دائمة داخل الجامعة الأميركية نحو 452 أكاديمي، في مقابل 150 بعقود مؤقتة بحسب الجامعة. ينفي عبد الرحمن وجود أزمة مالية أو سياسة تقشفية وراء ذلك. قال “المسألة ليس لها علاقة بأزمة مالية ولكن بطبيعة المقررات التي نقوم بتغييرها وتطويرها على فترات متقاربة وبالتالي تساعدنا العقود المؤقتة على تحقيق ذلك.”

ظاهرة عالمية

يعد استخدام العقود المؤقتة لتوظيف الأساتذة أسلوباً متبعاً في العديد من الجامعات داخل وخارج المنطقة العربية. مع ذلك، يحصل الأساتذة العاملين وفق عقود مؤقتة على ميزات وأجور أفضل من نظرائهم في مصر.

من احتجاجات حملة الماجستير والدكتوراه في مصر طلباً للتعيين. (الصورة من صفحات على الفيسبوك)

قال محمد عز الدين، طالب دكتوراه بقسم التاريخ في جامعة   The City University of New York والذي عمل كمدرس مؤقت لجامعتي رتجرز وسيتي كولدج خلال تحضيره لنيل الدكتوراه قبل أن يعود لمصر منتصف العام الماضي ويبدأ العمل داخل الجامعة الأميركية في القاهرة بقسم الاجتماع كأستاذ وفق عقد مؤقت أيضاً لفصل واحد فقط، “نظام العمل واحد هنا وهناك، لكن المقابل المادي أفضل في أمريكا، مع وجود نظام تأمين صحي للأكاديميين المؤقتين في بعض الجامعات.”

يعتقد عز الدين أن المشكلة الأكبر تتمثل في غياب نقابة مهنية تدافع عن حقوق الأكاديميين العاملين وفق عقود مؤقتة. قال “نعمل كسائقي الأجرة، في حال عدم وجود ركاب (طلاب) يتم الاستغناء عنا مباشرة دون سابق إنذار.” في إشارة إلى عدم تجديد الجامعة لعقده وعدم إخباره بذلك لحين سؤاله بنفسه عن ذلك.

يتفق هانى الحسيني، الأستاذ الأكاديمي بكلية العلوم في جامعة القاهرة وعضو حركة 9 مارس المستقلة من أجل استقلال الجامعات، على تأثير غياب نقابة مهنية على واقع الحاصلين على شهادات عليا والعاملين وفق عقود مؤقتة في الجامعات المصرية.

قال “المجلس الأعلى للجامعات الأهلية والخاصة، هو المؤسسة الرسمية القانونية التى تتبع وزارة التعليم العالي والتي يفترض أن تتابع شؤون الأساتذة. لكن حاله كحال أغلب المؤسسات الخاصة، إذ يعمل أعضائه لصالح رؤساء الجامعات الخاصة.”

عمل الحسيني نفسه كأستاذ مؤقت في الجامعة الفرنسية والأميركية على مدار سنوات بجانب عمله الأساسي فى جامعة القاهرة. قال “تستغل الجامعات الخاصة في مصر وجود فائض في عدد حاملي درجة الدكتوراه والماجيستير لتُملي شروطها عليهم. لا بد من وجود سند قانوني يحمي الأساتذة ويصون حقوقهم.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام