الأمية مشكلة مستعصية في العالم العربي

/ 22-01-2015

الأمية مشكلة مستعصية في العالم العربي

القاهرة— في البلاد التي تواجه ضائقة اقتصادية بعد الاضطراب السياسي الذي طال أمده، يواجه المصريون عقبة مزمنة أخرى تعيق التنمية وتتمثل في انتشار الأمية.

فبحسب أحدث البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، فإن 25.9 في المئة من السكان – من فوق عمر العشر سنوات- لا يستطيعون القراءة والكتابة. لايعاني المصريون وحدهم، ففي العديد من الدول العربية الأخرى بما فيها اليمن، والمغرب، وجنوب السودان أكثر من ربع السكان أميين.

في مصر، 17.2 مليون شخص أمي – غالبيتهم تجاوزا الستين من العمر و10.9 مليون منهم من النساء- بحسب احصاءات الجهاز المركزي.

قال محمد رزق الله، أستاذ مساعد في الجامعة الأميركية في القاهرة وباحث في مجال الأمية، “إنه لأمر محزن أننا نتحدث عن مستوى أساسي جدا، هو الأمية، في حين أن لدينا الكثير من القضايا للتركيز عليها في مجال التعليم التدريجي وبيئات التعلم المناسبة وطرق التدريس التي تركز على الطالب ومختلف نظريات التعلم المختلفة. لكننا مازلنا بعيدين عن ذلك.” وأضاف رزق الله “لا يمكننا حتى الشروع في التفكير بها الآن لأننا نفتقر التعليم الأساسي.”

ارتفع معدل انتشار الأمية في مصر نسبة مئوية واحدة من 24.9 في المئة في عام 2012، بحسب احصاءات الجهاز المركزي المصري، في إشارة واضحة لحجم تفاقم المشكلة.

لايبدو واضحاً السبب وراء ارتفاع النسبة. قالت رانيا رشدي، مدير برامج الفقر والنوع بمجلس السكان الدولي لغرب آسيا وشمال أفريقيا إن الاختلاف في النسبة قد يكون بسبب خطأ في إجراء المسح أو في الطرق المستخدمة لقياس النسبة أو لعوامل أخرى.

بينما أرجع محمود فاروق، مدير المركز المصري لدراسة السياسات العامة، السبب إلى التدهور الاقتصادي في مصر منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك قبل أكثر من ثلاث سنوات.

فبحسب فاروق، تراجع النمو الاقتصادي منذ ذلك الحين بشكل كبير وأغلق أكثر من 5000 مصنع. كما تقلصت قدرة الحكومة على بناء المدارس اللازمة ومعها تقلصت ميزانيات الأسرة المخصصة للنفقات التعليمية مثل الرسوم المدرسية والكتب. قال “تسبب ذلك في زيادة عدد الناس الغير قادرين على القراءة والكتابة، هذا تأثير الاقتصاد.”

مصدر غالبية البيانات الإسكوا لعام 2012 (خريطة غوغل تصميم طارق عويدات)

بدورها، تعتقد سلمى عفيفي مدير الشراكة والعلاقات العامة في منظمة علمني في مصر أن نسبة عدد الطلاب لعدد الأساتذة تلعب دوراً حاسماً أيضا في زيادة معدلات الأمية. ففي مصر كل 80 طالب لديه أستاذ. كما يسهم الفقر ونفقات التعليم أيضا في ارتفاع معدلات الأمية.

بالطبع، الأمية ليست مشكلة مصر فقط. إذ أن 33 في المئة من سكان العالم العربي لا يستطيعون القراءة أو الكتابة مقارنة مع 18.8 في المئة على مستوى العالم خلال الفترة 2005-2012، وفقا لوكالة الإحصاءات في مصر.

في المغرب، بلغت نسبة الأمية 30 في المئة قبل عامين، أي نحو 10 مليون شخص، وفقا لمنظمة اليونسكو.

كما أن للأمية تكلفة باهظة. إذ أن كل نقطة مئوية تزيد معدل الأمية في المغرب، تتسبب في فقدان المملكة ما يقدر بنحو 1.34 في المئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 13 مليار دولار، بحسب دراسة قام بها مكتب محاربة الأمية التابع لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي. من جهة أخر، فإن متوسط أجر الشخص الأمي يقل بحوالي 14.6 في المئة عن معدل متوسط الأجور.

أما أسباب تفاقم الأمية في المغرب فتتمثل بانخفاض مستويات الالتحاق بالمدارس وارتفاع معدلات التسرب وعدم التوافق بين المناهج التدريسية واحتياجات سوق العمل. كما يعاني التعليم المغربي من أساليب التدريس قديمة وغير فعالة مما يتسبب في زيادة نسبة الرسوب في الامتحانات الموحدة بحسب دراسة مجلة العلوم التربوية المحكمة.

خطورة المشكلة دفعت الحكومة المغربية للتحرك ببعض الفاعلية. إذ انخفضت نسبة الأمية إلى 30 في المئة عوضاً عن 43 في المئة في عام 2004، وفقا لمنظمة اليونسكو. واستفاد أكثر من 6 ملايين شخص من برامج محو الأمية على الصعيد الوطني على مدى العقد الماضي.

قال الحبيب ندير، مديرا للوكالة الوطنية لمحاربة الامية، إن المملكة تسعى لخفض معدل الأمية إلى 20 في المئة في عام 2015 قبل القضاء عليه تماما بحلول عام 2020. مع ذلك، قال الباحث المغربي محمد ديرا إن برامج التوعية والتشريعات الداعمة مازالت غير كافية كما أن معظم برامج محو الأمية تعتمد على المتطوعين. ” لايوجد عدد كافي من المدرسين المدربين على هذه النوعية من البرامج، والتي تركز في على سكان المناطق الحضرية بدلاً عن الأرياف.”

يتسبب عدم وجود معلمين مدربين في زيادة انتشار الأمية في جنوب السودان، والتي تعاني من أدنى معدلات محو الأمية في العالم، وفقاً لليونسكو. إذ أن 60 في المئة فقط من المعلمين مؤهلين بحسب اليونيسف. في حين يلتحق واحد فقط من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة في المدارس، كما انقطع نحو 400 ألف طالب وطالبة عن المدارس منذ اندلاع الحرب الأهلية في كانون الأول/ ديسمبرالماضي.

في اليمن، أكثر من 47 في المئة من الناس أميون وغالبيتهم من النساء، بحسب أخر إحصاء حكومي في عام 2004. قال أحمد عبد الله، رئيس جهاز محو الامية وتعليم الكبار التابع لوزارة التربية والتعليم “لا تتجاوز نسبة التحاق الفتيات 50 في المئة في بعض المناطق.”

يُرجع عبدالله أسباب ارتفاع معدلات الأمية في البلاد إلى الاضطرابات السياسية وندرة  الاستقرار السياسي والاقتصادي. مضيفاً أن قلة الوعي وضعف تضافر الجهود وغياب التخطيط السليم في مجال التعليم يسهمون جميعاً في تفاقم المشكلة.

لكن عبدالله أكد أن عدد الأميين يتناقص مع ارتفاع معدلات الانخراط في التعليم النظامي. كما تمتلك الحكومة خطة وطنية للحد من الأمية خلال السنوات الخمس المقبلة. “الجميع يعرف الآن أهمية مكافحة الأمية. نحن بحاجة فقط إلى تكثيف وتوحيد الجهود.”

ما تحتاجه اليمن، يسعى لتنفيذه مناصرو التعليم في مصر التي تسعى للقضاء على الأمية منذ عقود.

ففي خطوة لتعزيز الجهود، أطلقت شركة فودافون حملة العلم قوة في عام 2011. تستهدف الحملة الأميين من عمر15 سنة وكبار السن من خلال برنامج وطني. تخرج من فصول محو الأمية التي ينفذها شركاء فودافون 240 ألف شخص حنى الآن، كما تستهدف الحملة الوصول إلى مليون شخص هذا العام.

قال حمد حنة، رئيس مجلس أمناء مؤسسة فودافون مصر “إذا أردنا التقدم نحو المستقبل بسرعة جيدة يتوجب علينا الاعتماد على التعليم. علينا تحسين التعليم لكن الخطوة الأولى تعني عدم وجود أميين في مصر.”

يشكك البعض بفعالية هذه المبادرة.

قال رزق الله من الجامعة الأميركية في القاهرة “أعتقد أنها فشلت فشلا ذريعا. إذ لم تظهر نتائج الجهود على أرض الواقع. لم يتم اختبارها. لم يسمع أحد عنهم. في حال عملوا وحصلوا على بعض النتائج، فإننا لم نشعر بها.”

لكن حنة يؤمن بالمبادرة. قال “إذا كان لديك مشكلة، لديك خياران: إما تجاهلها وتركها تنمو، أو محاولة تقديم أفضل ما لديك وحشد الآخرين للانضمام إليك والغيمان بأن هذه مشكلة أساسية ومستعصية جداً في البلاد.”




رد واحداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول خالد أيت ناصر:

    مرحبا ،
    مقال تحليلي رائع وفي الصميم ،
    ما أشرتم إليه بخصوص الأمية في المغرب كان واضحا ويتجلى ماهو أكثر من ذلك في الواقع المعيش للمهتمين بمجال التربية والتعليم، وما أشار إليه صديقي الباحث محمد ديرا والذي أعرفه عن قرب يعتبر من بين عوائق نجاح برامج محو الأمية في المغرب، لايعقل أن تعتمد الدولة على متطوعين في مجال محاربة الأمية بدون أجور مادية تشجعهم على المزيد من الإنتاجية، خاصة في العالم القروي الذي نعرفه جيدا بإكراهاته الصعبة .

    على أي، ستبقى أزمة التعليم بصفة عامة وأزمة محو الأمية ” عقد تاريخية ” في نظام التعليم المغربي في ظل غياب سياسة تعليمية شاملة تشرك فيها الدولة كل المعنيين والمتدخلين والشركاء في النهضو بالتعليم بالمغرب .

    مع تحياتي،


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام