fbpx


فادي بردويل يؤرخ تاريخ اليسار في بلاده

/ 04-06-2021

فادي بردويل يؤرخ تاريخ اليسار في بلاده

عقب تفكك الاتحاد السوفيتي أوائل تسعينيات القرن الماضي، تعرضت قوى اليسار في العالم لهزة فكرية كبرى، دفعت بعض المفكرين إلى الاعتقاد بأن الإنسانية قد وصلت إلى نهاية التاريخ مع انتصار النموذج الرأسمالي. لكن أصواتا أخرى لا تزال تعتقد أن اليسار فكرة لا تنتهي أبداً مستشهدة بالاحتجاجات الجماهيرية التي عمت مناطق من العالم خلال العقد الأخير وعلى رأسها  ثورات الربيع العربي. من بين أبرز هذه الأصوات فادي بردويل الأكاديمي اللبناني، الذي قضى رحلة امتدت لنحو 15 عاماً تقصي خلالها تاريخ التنظيمات اليسارية في بلاده، واعتنى بجمع وتوثيق أرشيفاتها النادرة في فترة حرجة تمتد منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى بداية الحرب الأهلية اللبنانية في العام  1975 .

وثق بردويل تفاصيل رحلته الاستكشافية في كواليس الحياة السياسية والثقافية في لبنان ضمن كتاب نشرته جامعة ديوك الأميركية العام الماضي، بعنوان: الثورة وخيبة الأمل: الماركسية العربية وقيود التحرر، والذي تصدر النسخة العربية منه خلال الأشهر المقبلة.

قال بردويل الذي يعمل، أستاذا مساعداً لدراسات الشرق الأوسط بجامعة ديوك الأميركية، في مقابلة هاتفية، “صدرت الطبعة الأولى من الكتاب نهاية عام 2010، كاطروحة دكتوراه،  لكن الثورات التي شهدتها بعض بلدان العالم العربي في العام 2011، دفعتني للعمل من جديد على إصدار طبعة جديدة تضمنت إضافات في ضوء المتغيرات السياسية التي استجدت في المنطقة.”

يعتقد بردويل أن تتبع مسارات مناضلي التنظيمات اليسارية وتحولاتهم الفكرية، خلال ما يقرب من نصف قرن، يبرز طبيعة العمل السياسي، وكيفية ممارسته، وطرق تفاعله مع الأحداث المحيطة في الداخل والخارج؛ بما يساعد على فهم تجارب الانتفاضات العربية في سياقاتها التاريخية. (اقرأ التقرير ذو الصلة: حرب الطوائف في لبنان تتحوّل إلى ثورة شباب ضد السياسيين).

دوافع ذاتية

” الحرب كانت الحياة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتي، وتجربة اليسار كانت خارج هذه الحياة وصراعاتها، إذ كانت نظرتهم للعالم أرحب، وتلاقيهم كان على أساس الفكرة والهوية السياسية وليس الطائفية المناطقية.”

فادي بردويل   الأكاديمي اللبناني

منحت نشأة بردويل، خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وتطور وعيه السياسي في ذروة تصاعد أحداثها، دافعاً ذاتياً لتتبع التجربة الحزبيّة الغنيّة لرموز اليسار اللبناني كنمط سياسي مختلف عن الأدوار التي لعبتها قوى سياسية أخرى في تجربة الحرب.

قال ” الحرب كانت الحياة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتي، وتجربة اليسار كانت خارج هذه الحياة وصراعاتها، إذ كانت نظرتهم للعالم أرحب، وتلاقيهم كان على أساس الفكرة والهوية السياسية وليس الطائفية المناطقية.” موضحاً أن تجربته في البحث هي محاولة للحفاظ على ذاكرة النضال في الماضي حية، وإثراء الحوار بين الأجيال.
خلال رحلة البحث تعرف بردويل بشكل مباشر على أغلب رموز اليسار اللبناني، وتابع أدوارهم في الأحداث الحاسمة عبر تاريخ لبنان، وأعاد قراءة مؤلفاتهم الفكرية وسيرهم الذاتية، لفهم الكيفية التي جمعتهم تحت راية الاشتراكية عند منتصف الستينيات.

واستعرض في الجزء الثاني من الكتاب العثرات التي لحقت بالمثقفين اليساريين اللبنانيين، مع تراجع الحديث عن إمكانية حدوث الثورة، في وقت تزايدت فيه حدة النبرة الطائفية في لبنان، بما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.عامل آخر دفعه لإختيارهذا الموضوع، يتعلق بالسعي لمعرفة تصور هؤلاء عن دور المثقف في المجتمع، وإدراك التباين بين الممارسة السياسية والتطبيق.

الأرشيف كأداة للبحث

بحث بردويل في عدة أرشيفات، تحفظ ذاكرة التنظيمات السياسية في حقبة الستينيات، فضلا عن فحص النشرات الحزبية السرية، واكتشف أن أَحْدَاثًا كثيرة لم تحظ باهتمام الباحثين بسبب ندرة المعلومات المتوافرة حولها.

“العمل التوثيقي الذي أنجزه بردويل يكشف الكيفية التي صعد بها اليسار اللبناني في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ويظهر نجاحه في ترسيخ وجوده بين الناس العاديين، في وقت كانت الطائفية تعمل فيه من أسفل لأعلى”.

فرانشيسكو أنسليمنتي   الباحث المتخصص في دراسات الشرق الأوسط

يعتقد بردويل أن الصعوبة الرئيسية في العمل كانت في الحصول على الأرشيفات والنشرات السرية التي تم تحريرها بأسماء مستعارة، ولم تكن متاحة في أوعية الحفظ التقليدية، وكذلك الوصول لبعض الدوريات التي صدرت خلال هذه المرحلة ونفذت أو توقف إصدارها.

لإعادة بناء الماضي أجرى بردويل عدة لقاءات مباشرة مع أبرز الفاعلين داخل هذه التنظيمات ممن لا زالوا

على قيد الحياة، مثل وضاح شرارة وفواز طرابلسي وعزّة شرارة بيضون ومحسن إبراهيم (٢٠٢٠-١٩٣٥) وأحمد بيضون بهدف إضاءة النصوص وتحليلها في سياقات مختلفة، وللتغلب على صعوبات الحصول على الأرشيف.

حصد كتاب بردويل تفاعلا واضحاً في الأوسط الأكاديمية وخارجها.

قال فرانشيسكو أنسليمنتي، الباحث المتخصص في دراسات الشرق الأوسط، في مقابلة عبر الهاتف، “العمل التوثيقي الذي أنجزه بردويل يكشف الكيفية التي صعد بها اليسار اللبناني في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ويظهر نجاحه في ترسيخ وجوده بين الناس العاديين، في وقت كانت الطائفية تعمل فيه من أسفل لأعلى.

وأوضح أنسليمنتي أن استعراض تجربة التنظيمات اليسارية قد تكون مهمة في المرحلة الحالية لما تقدمه من خبرات للمجموعات الاحتجاجية في أهمية للاستعداد لمواجهة طويلة، مع السلطة، تراهن على دور التنظيم.

(اقرأ التقرير ذو الصلة: دعوة لإعادة النظر في نتائج الانتفاضات العربية).

ويأمل أنسليمنتي، الذي تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت، في أن يؤدي عمل بردويل لمزيد من الاهتمام بالأرشيفات الرسمية، وأرشيفات الحركات الراديكالية الأخرى في العالم العربي خلال القرن العشرين.

توظيف مناهج حديثة

الكتاب “يُمثل نوعاً مختلفاً من الكتب الأكاديمية، الذي يستخدم مؤلفه التخصصات المتعددة في تقديم استنتاجات جديدة،”

مريم العمري   باحثة دكتوراه مُتخصصة في العلوم الأنثروبولوجية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد الأميركية

يعتقد باحثون مختصون أن الميزة الأساسية لكتاب بردويل تكمن في توظيفه الملهم للعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية في البحث السياسي، فضلاً عن سعيه لتقديم أجوبةً وحلولاً لمشكلات التنظيمات اليسارية، ومقاربات جديدة لتجاربها في العمل السياسي.

قالت مريم العمري، باحثة دكتوراه مُتخصصة في العلوم الأنثروبولوجية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد الأميركية، في مقابلة عبر الهاتف، أن الكتاب “يُمثل نوعاً مختلفاً من الكتب الأكاديمية، الذي يستخدم مؤلفه التخصصات المتعددة في تقديم استنتاجات جديدة،” موضحة أن الكتاب يفتح باباً جديداً للعلوم الاجتماعية الحديثة لكونه يقدم دليلاً علمياً بأن النظريات السياسية ليست “بالشيء المجرد” المنفصل عن السياق التاريخي والسياسي. (اقرأ التقرير ذو الصلة: الفصول الدراسية العربية تتجاهل الكثير من الوقائع التاريخية).

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

اليوم، يعمل البردويل على مشروعين جديدين الأول خاص بإعادة قراءة تراث النظريّة النقديّة في ضوء ما شهدته البلدان العربية من موجات ثوريّة وانتفاضات منذ 2011، حيث يتقصّى مصائر النظريّات النقديّة التي قد تنقلب من أدوات مفهوميّة تساهم بإرساء وعي نقدي في الواقع إلى قوالب جامدة لا تستطيع الإحاطة بالحدث. كما يراجع الأكاديمي اللبناني عمل بحثي قديم يتقصّى علاقة الفنّ بالسياسة استناداً إلى انتاج الموسيقي والمسرحي اللبناني زياد الرحباني.

قال “أحاول الكشف عن الخيط الخفيّ الذي يربط كلّ تلك الأعمال وتقصّي العلاقات المختلفة التي تجمع الإنتاج الثقافي (تاريخ، علوم اجتماعية، فن) بالممارسة السياسيّة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام