مشروع يربط الشبان القطريين بآثار بلدهم

/ 02-01-2019

مشروع يربط الشبان القطريين بآثار بلدهم

الدوحة – في قرية فويرط الساحلية القطرية، على بعد ساعة بالسيارة شمال الدوحة، يقوم فريق من علماء الآثار بعمل خرائط سطحية تفصيلية وحفريات وجمع بيانات عن التجارة والأنشطة المنزلية في المنطقة.

يعتبر هذا العمل جزء من مشروع أكبر يهدف إلى فهم كيفية تطور شبه الجزيرة المعروفة الآن باسم دولة قطر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

يجمع مشروع أصول الدوحة التاريخية بين أعمال التنقيب في قلب الدوحة وخارجها، مع إجراء مسح للمباني وجمع التواريخ الشفوية في محاولة لرسم صورة للحياة اليومية للقطريين في تلك الأزمنة.

قال روبرت كارتر، أستاذ علم الآثار العربية والشرق أوسطية في كلية لندن الجامعية – قطر، وهي مؤسسة أسستها كلية لندن الجامعية ومؤسسة قطر لدراسة التراث الثقافي، “ما نحاول القيام به هنا هو إعادة الناس إلى علم الآثار. نريد أن نعرف كيف عاش الناس، ولماذا لجأوا للخيارات التي قاموا بها وكيف نجحوا في البقاء.”

كان صيد اللؤلؤ النشاط الاقتصادي الرئيسي في قطر حتى الأربعينيات من القرن الماضي. شهدت تجارة اللؤلؤ الطبيعي انخفاضا عندما بدأت اليابان في إنتاج اللؤلؤ المستزرع. هذا، إلى جانب الكساد العظيم، الذي جعل الغوص لإستخراج اللؤلؤ أمراً غير مربح.

يغطي المشروع ذروة صناعة صيد اللؤلؤ، والكساد العظيم، وظهور الاقتصاد القائم على البترول، وكيف أثرت هذه التغيرات على حياة الناس في قطر.

من خلال التحدث إلى الناس الذين عاشوا في تلك الأزمنة، يحاول كارتر أن يمنح الحياة للقطع الأثرية التي يعثر عليها فريقه، مثل الفخار، وبقايا الطعام، والأعمال المعدنية، والعملات المعدنية وغيرها من الأشياء، لفهم ما كانت عليه الحياة التقليدية في حينها.

بدأ الموسم الأول من العمل الميداني للمشروع في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012. لكن استعادة تاريخ مدينة سريعة التطور مثل الدوحة لم تكن بالمهمة السهلة. حيث أن التوسع الحضري السريع يعني أن أحياءً بأكملها قد اختفت لتفسح المجال للمجمعات السكنية الحديثة لإيواء العدد المتزايد من سكان البلاد. ومع ذلك، فقد نجا الكثير من التراث الأثري في قطر داخل وخارج الدوحة، حيث لا تزال توجد بقايا عدة قرى مهجورة من تسعينات القرن التاسع عشر.

دانييل إديسفورد، المدير الميداني لمشروع
دانييل إديسفورد، المدير الميداني لمشروع "أصول الدوحة التاريخية"، يتفحص موقع تنقيبات. (تصوير إيمان كامل)

يعتقد كارتر بأن هذا الأمر يوفر فرصة فريدة لدول الخليج بشكل عام، وقطر على وجه الخصوص، لفهم القرون الثلاثة الأخيرة في الشرق الأوسط من حيث التاريخ الاقتصادي والتجارة العالمية.

تعتقد كولين مورغان، المحاضرة في علم الآثار الرقمية والتراث، بأن النتائج التي توصل إليها مشروع أصول الدوحة التاريخية لا تساعد في فهم الماضي فحسب، بل في الحفاظ على الدروس للمستقبل أيضاً.

قالت “هناك أشياء مثيرة للاهتمام يمكن تعلمها من علم الآثار القطري فيما يتعلق بالبيئة والقدرة على البقاء من دون مصادر جيدة للمياه والزراعة. يمكننا الاستفادة من بعض هذه الدروس من الماضي لاسيما وأننا نواجه المزيد من التحديات البيئية.”

حقق المشروع خرقاً علمياً عندما نجح كارتر وفريقه في تحليل أنواع السيراميك والفخار الموجودة في مواقع مختلفة، واكتسبوا فهماً جديداً لتاريخ ومكان إنتاج تلك اللقى.

كشف هذا التحليل بأن كمية المواد باهظة الثمن المستوردة قد ارتفعت وتراجعت على طول منحنى يعكس رسمًا بيانيًا لكمية الأموال التي حصل عليها غواصو اللؤلؤ في الفترة ما بين 1870 و1930.

بالنسبة لكارتر، كانت هذه النتائج تعني، وبخلاف الاعتقاد السائد، بأن القطريين كانوا مندمجين تماماً مع الاقتصاد العالمي، على الرغم من أنهم كانوا يعيشون في منطقة تعتبر نائية.

قال “من بين الأمور التي تهمني في شأن القطريين هو أن الأمور تتغير من حولهم بسرعة كبيرة. لكنهم بالتأكيد مستقرون وواضحون للغاية في طريقة تماسك مجتمعهم.”

يعتقد كارتر بأن هذا يرجع جزئياً إلى أن القطريين كانوا بالفعل متكيفين مع التغيرات السريعة والطفرات الاقتصادية خلال فترات التوسع والنمو التي حدثت في الدوحة في القرن التاسع عشر.

من خلال نقل هذه النتائج والدروس السابقة إلى الجمهور، يأمل كارتر في أن يساعد المشروع الأجيال الشابة من القطريين على اكتساب فهم أفضل لأنفسهم ومجتمعاتهم وصلتهم بماضيهم.

يشاطر عبد العزيز المحمود، الروائي التاريخي القطري، كارتر الرأي ذاته.

قال “تعتقد الأجيال الشابة في منطقة الخليج بأنها في مأمن من الغزو والحروب والصراعات. يمنحهم الجهل بالتاريخ إحساساً زائفاً بالأمن. وهذا لن يؤدي إلا إلى إنتاج شباب يعيشون في رفاهية ولا يفكرون في المستقبل.”

لم يدخل تاريخ قطر إلا مؤخرًا في المناهج الدراسية في قطر.

قالت مريم آل ثاني، مسؤولة التوعية المجتمعية لمشروع أصول الدوحة التاريخية، بأن ذلك كان دائمًا مصدر خيبة أمل بالنسبة لها في طفولتها.

قالت “لطالما تساءلت، لماذا أتعرف على تاريخ الدول الأخرى وليس على تاريخ قطر؟ ألا يمتلك بلدي تاريخا؟ أليست لديه هوية؟”

ترحب آل ثاني بالمشروع كخطوة إيجابية تجاه الحفاظ على تاريخ قطر وهويتها الوطنية. قالت “يقول هذا المشروع: نعم، قطر دولة جديدة، لكنها تمتلك تاريخا يمكن اكتشافه ونحن بحاجة إلى البدء في الحفاظ عليه لأجيالنا القادمة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام