بعد سنوات من الإهمال: الآثار الليبية تحت الضوء

/ 06-12-2017

بعد سنوات من الإهمال: الآثار الليبية تحت الضوء

أعاقت الأيديولوجية التي تبنتها الدولة الليبية في ظل الدكتاتور معمر القذافي دراسة الماضي القديم للبلاد. إذ كان القذافي ينظر إلى علم الآثار باعتباره من بقايا الاستعمار، وكان يقال إنه يعاقب المسؤولين بإبعادهم إلى قسم الآثار في البلاد.

لكن عهد ما بعد القذافي، يشهد بروز مجموعة من علماء الآثار الليبيين من ذوي الخبرة والتفاني.

قال ديفيد ماتنجلي، أستاذ علم الآثار الرومانية بجامعة ليستر في المملكة المتحدة، “تمتلك ليبيا الآن مجموعة متزايدة من علماء الآثار المختصين والمدربين تدريباً جيداً ممن لم يصلوا بعد إلى أعلى الوظائف.”

أكمل العلماء أو يكملون الآن الدراسة لنيل درجة الدكتوراه في جامعات في المملكة المتحدة وإيطاليا بعد سنوات من العمل في علم الآثار الميداني والتعليم في ليبيا.

تمتلك ليبيا وفرة من الثراء الأثري، تعود لجميع مراحل الحضارة الإنسانية، من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر العثماني. وقد تم التنقيب عن مواقع المدن القديمة من العصور اليونانية والرومانية ودراستها، ومعظمها يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وتعتبر البقايا الرائعة لمدينة لبتيس ماغنا (لبدة الكبرى) الرومانية، وربما تكون الأكثر شهرة من بينها، وتحت ظروف مختلفة مجذباً سياحياً مهماً. ولا تزال مناطق وعصور واسعة أخرى غير مستكشفة.

يواجه علماء الآثار الليبيون الآن مهمة التوعية بالتراث المادي للبلاد، وحمايته في الوقت نفسه من ويلات الحرب وانعدام القانون. يعمل أحمد بوزيان الآن على استكمال دراسة الدكتوراه في جامعة ليستر تحت إشراف ديفيد ماتنجلي. بدأ بوزيان حياته المهنية في سبعينيات القرن الماضي، حيث قام بالتنقيب في موقع توكرة اليوناني القديم، بالقرب من تاوخيرا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، قبل أن يدرّس علم الآثار في جامعة بنغازي. وإذا ما سمحت الظروف في البلد، فإنه يود استئناف مسيرته المهنية في ليبيا.

يعتقد بوزيان أن أهم دور لعلماء الآثار الآن هو “قص حكاية” التراث المادي للبلاد للشعب الليبي.

قال “كان القذافي يقول إن العمارة اليونانية والرومانية لا علاقة لها بثقافتنا وهويتنا. لقد كان يكرر ما يعتقده معظم الليبيين. إنهم يعتقدون أن لا علاقة للآثار بالثقافة العربية والإسلامية.” وهذا على الرغم من أن العديد من أسماء الناس في الآثار من العهد الروماني هي أسماء ليبية. فقد كانت ليبيا جزءً من العالم المتوسطي منذ آلاف السنين.

تمثل أطروحة بوزيان تحولاً في التركيز على علم الآثار في ليبيا. تقليدياً، كانت المدن المصدر الرئيسي للاهتمام (على سبيل المثال، المدن اليونانية القديمة الخمس على ساحل شمال شرق ليبيا والمعروفة باسم سيرين). تركز أبحاث بوزيان على المناطق الريفية، على صناعة زيت الزيتون في ليبيا الرومانيا ومكانتها في الاقتصاد الإقليمي. اشتمل ذلك على التنقيب عن المعاصر الحجرية التي كان يتم استخلاص الزيت بواسطتها، فمن زراعة زيت الزيتون المزدهرة في العصر الروماني في شرق ليبيا، لم يتبق سوى أشجار الزيتون البرية فقط.

ومن المشاكل الأكثر إلحاحاً التي يواجهها علماء الآثار الليبيون عواقب عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد. إذ أن غياب وجود حكومة فعالة في أي مكان في البلد يعني أن البناء غير القانوني مستمر من دون رقابة. قال حافظ ولدة، المستشار السابق لمصلحة الآثار الليبية، “لقد تم جرف العديد من المواقع القديمة بشكل غير قانوني.”

واستشهد ولدة بتسلسل زمني من صور الأقمار الصناعية يبين الزحف العمراني غير المنضبط في منطقة بالقرب من موقع سيرين منذ العام 1984.

يشجع مناخ انعدام القانون على سرقة الآثار من المواقع الواقعة فوق الأرض من دون حماية. وتعتبر تقارير الأخبار عن آثار تتعرض للسرقة أو تتم استعادتها أمر منتظم الحدوث، فمن الأمثلة الشهيرة على ذلك كنز بنغازي، وهو مخبأ من القطع النقدية والآثار التي سرقت من أحد البنوك خلال حصار المدينة عام 2011 ولا يزال مفقوداً.

كانت العديد من حالات سرقة الآثار من أفعال تنظيم داعش، الذي نهب المواقع القديمة من أجل الحصول على القطع الأثرية القيمة. ففي تموز/ يوليو، أفاد التلفزيون الليبي بأن القوات الليبية استولت على مجموعة من الآثار في معقل داعش في بنغازي. وفي حزيران/ يونيو، عثرت الشرطة على كنز من الكتب والمخطوطات القديمة التي نهبها تنظيم داعش من جامعة بنغازي وتم دفنها في فناء أحد المنازل.

وكما هو الحال في بلدان شمال أفريقيا الأخرى، فإن مقابر القديسين أو المرابطين تعتبر من المشاهد المألوفة في الريف – وعادة ما تكون عبارة عن هياكل بسيطة بقباب تشكل محور التقاليد الدينية الشعبية.

في السنوات الأخيرة، دمر المتطرفون الدينيون العديد منها.

ليس لمصلحة الآثار الليبية سوى القليل من القدرة على مواجهة أي من هذا الأنشطة. ولا تزال الحكومة في طرابلس تدفع رواتب الموظفين، لكن على أرض الواقع، انقسمت المصلحة إلى قسمين، يقع مقر أحداهما في طرابلس في الغرب والقسم الآخر في بنغازي في الشرق، من دون تنسيق في السياسة.

مع ذلك، تمكن العاملون في الآثار من منع حدوث عمليات نهب من النوع الذي وقع في العراق في أعقاب الاطاحة بصدام حسين. فقد أغلقت جميع متاحف الآثار المحلية في البلاد أبوابها – وتم لحم الأبواب – ونقلت المقتنيات إلى أماكن آمنة.

يقول ديفيد ماتنجلي إن بإمكان مجموعة علماء الآثار الليبيين في مرحلة ما بعد القذافي الاعتماد على دعم الفرق الأثرية الأجنبية المختصة بدراسة ليبيا. ففي هذا العام، على سبيل المثال، أنشأت جمعية الدراسات الليبية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها وجامعة ليستر مشروعاً أطلق عليه اسم الآثار الليبية في خطر، والذي يسعى إلى بناء قاعدة بيانات للآثار الليبية المنقولة. وستكون قاعدة بيانات المشروع LAaR متاحة باللغتين الإنجليزية والعربية وفي الإمكان استخدامها لتتبع الكنوز الفنية التي تجد طريقها إلى سوق الآثار الدولية غير القانونية.

قال حافظ ولدة “علم الآثار يربط الشعب الليبي بهويته.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام