بناء قطاع الرعاية الصحية بعد الحروب: لبنان كنموذج فاشل

/ 10-01-2017

بناء قطاع الرعاية الصحية بعد الحروب: لبنان كنموذج فاشل

بينما يراقب العالم ما يبدو وكأنه بداية لسكون الحرب في سوريا، بدأ العديد من صناع السياسات بطرح أسئلة بخصوص إعادة اعمار البلاد. ويمكن أن يُقال ذات الشيء عن العراق أو اليمن، حيث تضطرم الحروب بلا هوادة، لكن أفكار إعادة الاعمار، والتي غالباً ما تدور حول الفرص التجارية، تتزايد بشكل كبير.

كان النظر إلى المستقبل ودراسة أخطاء إعادة الإعمار في الماضي على الأرجح في أذهان أولئك الذين حضروا منتدى “إعادة بناء الصحة بعد الصراع: حوار من أجل الغد”، والذي عقد الشهر الماضي في الجامعة الأميركية في بيروت، المؤسسة التي عايشت بنفسها عدة حروب.

وفي إفتتاحية المؤتمر الطويل الذي إستمر انعقاده لمدة يومين وضم ثمان جلسات، أشار رئيس الجامعة فضلو خوري إلى دور الجامعة في علاج ضحايا النزاعات المتتالية، من إفتتاح مطابخ تقديم الحساء في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى رعاية أولئك المتضررين من الحروب الأهلية في لبنان وسوريا. ومع إمتلاكهم لكلية طب يقارب عمرها الـ 150 عاماً، ذهب خريجو الجامعة الأميركية في بيروت لتأسيس مستشفيات في جميع أنحاء المنطقة، بما فيها منطقة الخليج وإيران، بحسب خوري.

وبينما يتطلع لبنان لإعادة بناء قطاع الرعاية الصحية في دول أخرى، يحتاج الأكاديميون وصناع القرار المحليون للنظر في المرآة أولاً وتفحص الخلل الذي أعقب الحرب والذي لا يزال مواطنو البلاد نفسها يواجهونه حتى الآن.

ففي الخطابات الرئيسية المتعاقبة، تم ذكر القليل فقط عن حقيقة كون الفقراء في لبنان اليوم، سواء أكانوا من المواطنين اللبنانيين أو اللاجئين، كثيراً ما يحرمون من الحصول على العلاج أو إجراء الجراحة اللازمة. كما أن المرضى المصابين بأمراض ميؤوس منها موضوع متكرر للقصص الإخبارية التلفزيونية، حيث يُقال أن بعضاً منهم يموت خارج أبواب المستشفى لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج. فيما يستخدم مرضى محتملون آخرون وسيلة جمع الأموال عبر التبرعات في محاولة لدفع تكاليف عمليات زراعة الأعضاء التي تفشل الدولة في توفيرها. يعتبر النقص الحاد في أسرة المستشفيات، والأدوية، ووزارة الصحة التي تعاني من نقصٍ ملحوظ في التمويل، والاتهامات المتكررة بالفساد، والأطباء الذين لم يتلقوا أجورهم من بين عددٍ لا يحصى من المشاكل التي يواجهها القطاع الصحي في لبنان.

مع ذلك، واصل خوري قوله بأن “جميع المواطنين في لبنان واللاجئين يستحقون الحصول على رعاية صحية كبيرة،” مضيفاً بأنه “على الرغم من الحرب، فإن نظام الرعاية الصحية الذي طورته الحكومة بعد الحرب سليم بشكل جيد بما يتيح الحصول على رعاية صحية جيدة نسبياً.” وخلص إلى أن الجامعة الأميركية في بيروت لا تقتصر على لبنان فحسب بل تسعى إلى تقديم حلول عالمية، حيث قال “نود أن نفكر في خدمة العالم بأسره.”

في الواقع، ربما يفترض أولئك الذين حضروا المؤتمر من دول أجنبية أن النظام الصحي في لبنان نموذج يستحق التصدير. حتى أن أحد المشاركين قد ذهب بعيداً ليعرض خريطة للمنطقة مقسمة إلى مناطق بحسب الحاجة للخدمات الصحية عبر سوريا، مشيراً إلى جهوزية تلك المناطق للتوسع المحتمل للجامعة الأميركية في بيروت. حيث عرض المتحدث عمانوئيل ميخو، المدير العام لشركة ميخو للاستشارات الإنشائية (والتي صممت عدداً من مشاريع المستشفيات ذات الميزانية الضخمة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية)، خارطة للعراق، مؤشر عليها أيضاً مناطق النفوذ الصحي، وقال “لنكن متفائلين، يمكن أن يكون للجامعة الأميركية في بيروت دور في العراق.”

ولم يكن واضحاً أبداً مدى واقعية هذه الخطة، في ظل غياب للميزانية وعدم تقديم جدول زمني لتحقيقها.

قال هاروتيون أرمينيان، الأستاذ الفخري في كلية بلومبيرغ للصحة العامة بجامعة جون هوبكنز، “أنا مندهش قليلاً لأنك تصور مستقبلاً لنظام يقوم على البنى التحتية بدلاً من الأداء. ما نحتاج إليه هو التعليم وتعزيز الصحة وليس التكنولوجيا فحسب.”

يبدو أن ذلك التعليق قد مسّ العديد من العروض التي غالباً ما سلطت الضوء على الأجهزة أو تكنولوجيات الإنترنت، مثل إجراء فحوص طبية عبر سكايب، وطائرات بدون طيار لتسليم المستلزمات الطبية، أو عروض تقديمية للشرائح Powerpoint عن الحاجة إلى القيادة والتحول في النماذج. مع ذلك، فإن ما كان مفقوداً يتمثل في غياب دراسات حالة تفصيلية عن الكيفية التي تتعامل بها المجتمعات ونظم الرعاية الصحية مع الصراع في الواقع.

سأل أحد المشاركين رداً على خرائط التوسع الإقليمي المحتمل للجامعة الأميركية في بيروت، قائلاً “لماذا قررنا توسيع النظام بدلاً من بناء القدرات في البلد؟”

في الواقع، يبدو نظام الرعاية الصحية في لبنان في مرحلة ما بعد الصراع –والمحفوف بقضايا ما بعد الحرب مثل غياب التخطيط، والمركزية، وتوفير الخدمات على أساس طائفي، وسوء إدارة قضايا الصحة العامة مثل التلوث البيئي المستشري والخصخصة غير المنظمة التي تبقي التكاليف عالية وإمكانية الوصول منخفضة – من بين العديد من المشاكل غير المشخصة في البلاد.

لم يتناول وليد عمار، المدير العام لوزارة الصحة العامة في لبنان، أياً من هذه القضايا على وجه الخصوص في العرض الذي قام بتقديمه. حيث ركز في حديثه بشكل كبير على أهداف مفاهيمية مثل شرعية الدولة، والشراكات الخاصة وبناء القدرات، والرشوة في أوساط السياسيين، و”المواطنين المضللين والمزودين بمعلومات مغلوطة”، حيث يؤدي كل ذلك للعديد من “مشاريع الأفيال البيضاء”، من دون ذكر لإسم أيّ منها على وجه التحديد. كما وجه إتهامات غامضة لجهات مانحة خاصة لها “أجندات خفية … ممّن يسعون للتلاعب في الأوساط الأكاديمية من خلال إنتاج دراسات تناسب أجنداتهم بشكل تام.” وخلص عمار إلى أن “النظام مرن لأن الوزارة نجحت في إنشاء نوع جيد من الحوكمة التعاونية.”

وكان الطبيب كامل مهنا من بين القليل من المتحدثين الذين لم يتوقفوا عن الإنتقادات. حيث قال “السياسة في لبنان هي أنه ليست هناك سياسة،” واصفاً قطاع الصحة العامة في البلاد بأنه “فضيحة”.

يعتبر مهنا مؤسس مؤسسة عامل، وهي من أقدم المئات من المنظمات الخيرية غير الربحية التي تقدم خدمات الرعاية الصحية والعيادات في المناطق الفقيرة لسد الفجوة التي خلفتها الحكومة. أشار مهنا إلى أن ما يقرُب من نصف سكان لبنان لا يمتلكون تأميناً صحياً، وأن الأسر في بعض الأحيان، حتى عندما يغطيها التأمين، تضطر لدفع ما يصل إلى 40 في المئة من تكلفة العلاج. قال “اذا لم يكن لديك المال، لن يكون في إمكانك الحصول على الرعاية الصحة.”

قال مهنا إن مؤسسة عامل تدير 24 مركزاً صحياً وستة عيادات متنقلة، لتخدم المناطق الريفية والفقيرة بالدرجة الأساس، والتي وصفها بأنها تقع على هامش الخدمات الصحية الوطنية التي تتركز بشكل غير متكافئ في العاصمة “كل شيء في بيروت. يمكنك بناء مستشفيين جنباً إلى جنب ولن يعترض أحدهم على ذلك، هذه هي السوق الحرة. ففي مونتريال، هناك خمسة أجهزة للتصوير بالرنين المغناطيسي تخدم عدداً من السكان يربو على الخمسة ملايين نسمة. في لبنان، هناك 42 جهاز للتصوير بالرنين المغناطيسي.” في إشارة للتقنية التي تساهم في تصوير أنسجة الجسم.

وأضاف “يجب أن يكون الحصول على الرعاية الصحية حقاً، يجب أن نمتلك ثقافة حقوق، لكننا في لبنان لا نمتلك هذا. بدلاً عن ذلك، لدينا سياسيين يقدمون خدمات الرعاية الصحية.”

كان مهنا يلمح إلى أن أحد تفاصيل مرحلة ما بعد الصراع والذي ترك من دون نقاش بالكامل تقريباً في مناقشات المؤتمر هو توفير الخدمات الصحية كشكل من أشكال المحسوبية السياسية. حيث أن جميع الأحزاب السياسية والميليشيات السابقة في لبنان تقريباً تدير مستشفيات كبرى أو عيادات، وتقدم العلاج مقابل الولاء أو الأصوات الانتخابية. قال غسان أبو ستة، أستاذ الجراحة وأحد المتحدثين القلائل الذين أشاروا إلى الصلة بين الرعاية الصحية والسلطة السياسية، “إن توفير الرعاية الصحية قوة شرعنة جبارة، حيث توفر قدرة على خلق نظام باتريمونالي قوي، أي نظام يتم فيه التعامل مع الدولة كإمتداد طبيعي للعائلة.”

وقدم أبو ستة العراق مثالاً على ذلك، حيث يتم إنفاق جزء كبير من ميزانية الصحة الحكومية على إرسال المرضى إلى الخارج لتلقي علاجات مكلفة، بصفته “حلاً سريعاً” لإرضاء النخب السياسية، لكنه يضر في نهاية المطاف ببناء نظام الرعاية الصحية المحلي.

قال “ستشكل طبيعة السلطة صورة توفير الرعاية الصحية في سوريا.”

كما أن مجتمعات ما بعد الصراع ستواجه مشاكل صحة عقلية واسعة وإضطرابات ما بعد الصدمة، وهو موضوع تم التطرق إليه في حلقة نقاشية واحدة فقط خلال المؤتمر الذي استمر انعقاده يومين. يعاني ربع المراهقين في لبنان من حالات صحة عقلية، ويحصل ستة بالمئة فقط من أولئك الذين يحتاجون للمساعدة عليها، بحسب فادي معلوف، الطبيب النفسي للأطفال.

قال مهنا، رئيس مؤسسة عامل، “هنالك أربعة إخصائيين في علم نفس الأطفال في لبنان فقط – أربعة منا فقط ليخدموا عدداً من السكان يربو على أربعة ملايين بالإضافة إلى ما يقرُب من 1.5 مليون لاجئ سوري. كما أن لبنان يعاني من ندرة حادة في عدد الممرضات، حيث أن لدينا 7,000 ممرضة في لبنان، لكننا بحاجة لوجود 29,000 ممرضة.”

وعلى الرغم من إشادة عدد كبير من المشاركين في المؤتمر بالجامعات الكبرى والحكومات والمؤسسات الدولية، إلا أن معظم الاقتراحات الملموسة لتوفير الرعاية الصحية في مرحلة ما بعد الصراع جاءت من المنظمات المحلية الأصغر حجماً والتي تحاول سد الفجوة التي فشلت الحكومة في ملئها.

غالباً ما يعلن الراديو عن يورغي تيروز، الصيدلي البالغ من العمر 30 عاماً، والذي أنشأ أول شبكة بنوك دم في لبنان في إستجابة لغياب بنك دم وطني والنقص اليومي في الدم في المستشفيات اللبنانية. الآن، تمتلك المنظمة، عطاء بلا حدود Donner Sang Compter، شبكة من أكثر من 15,000 متبرع وتدير حملات منتظمة للتبرع بالدم في جميع أنحاء البلاد، في الجامعات والمدارس ومراكز التسوق. لكن الحكومة اللبنانية لم تقدم على أرض الواقع أي دعم تقريباً، بل إنها حتى أعاقت استخدام المنظمة لحافلة متنقلة للتبرع بالدم لأن عجلة قيادة السيارة كانت في “الجانب الخطأ”، بحسب تيروز. وأضاف بأن الأنظمة الحكومية القديمة تمنع التبرع بالدم من دون وجود اسم المريض الذي سيحصل على الدم، مما يقيد من التبرع بالدم بشكل كبير ليحصره في أفراد العائلة أو الأصدقاء.

ومن المنظمات المحلية غير الحكومية الأخرى، منظمة قوس قزح Arc En Ciel التي قامت بتأسيس مصنع للكراسي المتحركة، يعمل فيه معوقون، وهي واحدة من أكثر الفئات تهميشاً في لبنان، البلد الذي يجد فيه حتى المارة من الأصحاء صعوبة في السير على الأرصفة المتكسرة، والطرق الوعرة، والمطبات العالية. ضغطت منظمة قوس قزح بنجاح من أجل إصدار التشريع الذي يطالب الحكومة الآن بتوفير كرسي متحرك جديد للمعاقين كل خمس سنوات، بحسب كيم عيسى، مديرة العمليات. كما ساهمت قوس قزح أيضاً في تمرير القانون الذي يمنع المستشفيات من طمر النفايات الطبية غير المعالجة، والتي كانت تخلط مع القمامة المنزلية في مكبات القمامة حتى وقتٍ مبكر من تسعينيات القرن الماضي.

وعندما شارف المؤتمر على نهايته، كان هناك الكثير من الجدل حول استخدام مصطلح “ما بعد الصراع” بوجود العديد من الأكاديميين الذين عبروا عن شكوكهم حيال فائدة استخدامه في حين أن الحروب لا تمتلك على الدوام نهايات واضحة. تميل الصراعات إلى التطور بدلاً من التوقف ويمكن أن يكون لها آثار دائمة على السكان. ففي لبنان، أصبح أمراء الحرب السابقين سياسيين ويرى العديد من المواطنين بأن المعركة انتقلت من العنف الجسدي إلى العنف الاقتصادي، ومن إطلاق قذائف الهاون في الأرجاء إلى احتجاز الخدمات العامة كرهينة وسط صراع سياسي على العقود الحكومية المربحة في كثير من الأحيان. لا يقتصر الأمر على حرمان المواطنين في الغالب من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه وجمع القمامة فحسب، بل أن مياه الصرف الصحي غير المعالجة عبر شواطئ البلاد، والحرق المستشري لأكوام القمامة والتلوث الناتج عن مولدات الكهرباء الخاصة قد تسبب في إحداث تأثيرات ضارة على الصحة العامة، بحسب دراسات الجامعة الأميركية في بيروت نفسها.

ربما ينبغي إضافة عدم القدرة على مناقشة القضايا بصراحة إلى قائمة التحديات الصحية في مرحلة ما بعد الصراع. إن تفضيل التفوه بالتفاهات على التحليل النقدي المفصل قد يكون علامة على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة ما بعد الحرب بشكل حقيقي. وحتى يواجه تحدياته الخاصة، قد لا يكون لبنان مستعداً بعد لتقديم المشورة بخصوص الرعاية الصحية في مرحلة ما بعد الإعمار في سوريا أو العراق.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام