أخبار وتقارير

خارطة طريق أكاديمية لتحقيق الاستدامة في العالم العربي

في أحدث حلقة من سلسلة  حوارات «الفنار للإعلام»، التي ينظمها الموقع عبر الإنترنت بشكل دوري، دار النقاش بمشاركة خبيرين من جامعتين عربيتين حول سُبُل مساهمة الجامعات العربية في تحقيق أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة. ومن هذه الأهداف: الحد من الفقر وعدم المساواة، وحتى مكافحة آثار تغير المناخ.

أقيمت الحلقة، التي أدارها رئيس تحرير «الفنار للإعلام» محمد الهواري، تحت عنوان: «الاستدامة: خارطة طريق الجامعات العربية»، عبر بث مباشر مساء الثلاثاء 21 مايو/أيار. ويمكنكم مشاهدة تسجيل الحلقة على صفحة «الفنار للإعلام» على فيسبوك. وشارك في النقاش الدكتورة نوال عبد اللطيف مامي، نائب الرئيس للعلاقات الخارجية في جامعة محمد لمين دباغين سطيف 2 بالجزائر، والبروفيسور تادج أودونوفان، نائب رئيس جامعة هيريوت وات في دبي.

تعريف الاستدامة للجامعات العربية

فيما يتعلق بالجامعات العربية، تعتقد البروفيسورة مامي أن التقدم نحو الاستدامة يتضمن اعتماد نهج شامل يشمل التعليم، والبحث، والحرم الجامعي، والشراكات مع الصناعة، والمجتمعات المحلية، وسياسات الحوكمة. 

 ويرى البروفيسور أودونوفان أن الاستدامة تعني «العيش في حدود إمكانياتنا» باستخدام الموارد الطبيعية بمعدل متجدد، يمكن أن يدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب نوعية حياة جيدة للأجيال القادمة.

وأشارت مامي إلى إمكانية إدراج الاستدامة في المناهج الدراسية بطرق مختلفة، مثل تطوير مساقات جديدة حول موضوعات مثل العلوم البيئية، والطاقة المتجددة، والتنمية المستدامة، أو من خلال تدريس مفاهيم الاستدامة كمتطلبات أساسية في جميع التخصصات.

ورأت وجوب منح أبحاث الاستدامة الأولوية للقضايا الإقليمية مثل ندرة المياه، والطاقة المتجددة، وتغير المناخ. وأضافت أن التعاون في هذه المجالات يستقطب التمويل والتشجيع في الجزائر.

ومع ذلك، تقول مامي إن الاستدامة تتجاوز مجرد الأكاديميين؛ إذ تتطلّب تنفيذ مبادرات واسعة النطاق «للحرم الأخضر» مثل تشييد المباني الموفرة للطاقة، وإقامة مشروعات الطاقة المتجددة، ووضع برامج للحد من النفايات وإعادة التدوير، وتطوير المساحات الخضراء وسياسات النقل المستدام. وتشمل المشروعات الجاري تنفيذها في الجامعات الجزائرية مجالات الطاقة الشمسية، ومراكز أبحاث طاقة الرياح، والحفاظ على المياه، وتطوير المباني الخضراء التي تتضمن مبادئ التصميم المستدام.

أهمية تحديد أولويات الاستدامة

ورأى كل من مامي وأودونوفان أهمية مبادرات الاستدامة في معالجة التحديات البيئية المتزايدة في المنطقة العربية، والتي تشمل ندرة المياه، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة بسبب تغير المناخ.

وقال الأكاديميان إن التركيز على الاستدامة يمكن أن يساعد أيضًا في تنويع الاقتصادات الإقليمية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على صناعات النفط والغاز؛ فمن شأن الاستثمار في أبحاث الاستدامة وريادة الأعمال، المساعدة على خلق تقنيات وصناعات ووظائف خضراء جديدة، مما يجعل البلدان قادرة على المنافسة عالميًا بطريقة صديقة للبيئة.

وتلعب الجامعات دورًا حيويًا في دفع تقدم الاستدامة من خلال البحث، والابتكار، وتطوير الجيل القادم من المواهب، وتسليح الخريجين بالمهارات والمعرفة اللازمة لتنفيذ الحلول المستدامة والتأثير على السياسات الحكومية. واتفق الأكاديميان على وجوب أن تكون الجامعات نفسها نموذجًا لأفضل الممارسات، وأن تكون «مختبرات حية» لتحقيق الاستدامة.

دمج الاستدامة في التعليم والبحث

واستعرضت مامي جهود الجامعات الجزائرية لتقييم البرامج التعليمية لتحديد المجالات المتعلقة بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs) وتطوير مساقات جديدة مخصصة للتنمية المستدامة، وحماية البيئة، والعدالة الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي، ومجالات التركيز الأخرى لأهداف التنمية المستدامة.

وقالت إن الوحدات المتعلقة بهذه الموضوعات يتم دمجها في متطلبات الدرجة العلمية في جميع التخصصات، وبهذا يتوجّب الآن على الطلاب في مجالات مثل الأدب الفرنسي الانخراط مع موضوع الاستدامة، ويتعيّن على أعضاء هيئة التدريس التفكير في سُبُل تدريس مثل هذه القضايا بشكل إبداعي.

وأضافت مامي أن المبادرات الأخرى تسعى إلى إشراك الطلاب في قضايا الاستدامة من خلال الأنشطة اللامنهجية مثل الأندية الطلابية التي تركز على العمل البيئي، وتجارب التعلم التطبيقية مع المنظمات غير الحكومية أو الشركات، وبرامج التوعية المجتمعية التي تعمل على رفع مستوى الوعي العام، مشيرة إلى إداخال بعض الجامعات تصنيفات الاستدامة للطلاب، مما يسمح للمتفوقين بالحصول على مزايا.

من جانبه، استعرض أودونوفان استراتيجية جامعة هيريوت وات «لنشكّل الغد معًا»، والتي تتضمن تقديم دورات إلزامية لجميع الطلاب، بغض النظر عن التخصص، تتضمّن فهمًا أساسيًا لممارسات الاستدامة، والمهارات متعددة التخصصات اللازمة لدفع التغيير المستدام في مجتمعاتهم، وحياتهم المهنية المستقبلية. كما أنشأت الجامعة أيضًا أربعة معاهد بحثية عالمية بهدف تطوير حلول مستدامة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، والعلوم البيئية والبحرية، والصحة، وتحقيق صافي تأثير بيئي صفر – أو حتى «صافي إيجابي».

تعزيز التعاون حول الاستدامة

وردًا على سؤال من أحد متابعي الحلقة النقاشية، حدد كلا المتحدثين نماذج للتعاون المثمر بين الجامعات والحكومة والصناعة بشأن مبادرات الاستدامة، حيث قالت مامي إن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية تعمل بشكل وثيق مع الهيئات الحكومية الأخرى مثل المعهد الوطني لإدارة الابتكار، الذي تأسس العام الماضي فقط لتوفير التمويل المباشر لمشروعات الاستدامة، والأفكار الريادية التي يقترحها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، كما تمتلك العديد من الجامعات الجزائرية مراكز تقوم بفحص وتطوير وتمويل مفاهيم الاستدامة القابلة للتنفيذ في نهاية المطاف، بحسب قولها.

وأضافت الأكاديمية الجزائرية أن مجالس إدارة الجامعات الجزائرية يجب أن تضم الآن ممثلين عن شركاء الصناعة، والمنظمات غير الحكومية والهيئات الطلابية والمجتمع المحلي لضمان تحويل الاستدامة إلى جهدٍ تعاوني.

ومن جانبه، قال أودونوفان إن جامعة هيريوت وات دبي تدير حاضنة أعمال مفتوحة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس ورجال الأعمال في جميع أنحاء العالم؛ للمساعدة في تطوير أفكار التكنولوجيا البيئية والنظيفة والاستثمار فيها. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تعمل شبكة المناخ الجامعية على تبادل المعرفة بين المؤسسات حول أفضل الممارسات في مجال الاستدامة.

وأضاف أن جامعة هيريوت وات دخلت في أكثر من 200 شراكة جامعية في جميع أنحاء العالم، مما يعزز تبادل وجهات النظر المحفزة على الابتكار. وقال إن الجامعات تعمل أيضًا كمنتديات محايدة للحوار بين الحكومات والصناعة حول الاستدامة، وقد أبرزت جامعة هيريوت وات ذلك من خلال مركز المناخ الذي استضافته خلال مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرين لتغير المناخ الذي عقد في دبي في الخريف الماضي.

بناء خارطة طريق شاملة

وقال أودونوفان إن أي خريطة طريق فعالة للاستدامة يجب أن تبدأ بتصوّر النتيجة المرجوّة، ثم العمل لتخطيط الاستراتيجيات والإجراءات اللازمة لتحقيق هذه النتيجة. ورأي أن كلًا من التعاون، والنهج متعدد التخصصات، والمهارات الموجهة نحو المستقبل، والشراكات بين الحكومة والجامعات والصناعة لتحقيق الاستدامة عناصر أساسية. وبالمثل، رأت مامي وجوب أن تتكيّف الجامعات العربية مع الممارسات القائمة على الحقائق البيئية والاجتماعية والاقتصادية الفريدة لمجتمعاتها، ووجوب تحقيق توازن بين ممارسات الحياة المستدامة الحديثة، والتقاليد، والقيم المحلية.

اقرأ أيضًا: 

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى