مقالات رأي

احتضان التغيير.. هكذا يمكن التغلب على الخوف من التقنيات الجديدة

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

على مر التاريخ، كثيرًا ما استقبل أناسٌ التكنولوجيات الجديدة بخليطٍ من مشاعر الخوف والشك. فمن فن الكتابة القديم إلى الاختراع الثوري للتصوير الفوتوغرافي، وحتى التقدم السريع الذي نشهده اليوم في مجالات مثل التعلم الرقمي والذكاء الاصطناعي، أثار كل ابتكارٍ جديد مخاوف بشأن تأثيره على المجتمع.

ومع ذلك، لا تكشف نظرة فاحصة على هذه التطورات عن قوتها التحويلية فحسب، بل تكشف أيضًا عن حتمية التغيير في التقدم البشري.

في الخطاب المعاصر، قد يجد المرء صعوبة في الاعتراض على الأهمية الجوهرية للكتابة، وهي الركيزة الأساسية التي قامت عليها الحضارات. ومع ذلك، كان يُخشى ذات يوم من تأثيرها على إضعاف الذاكرة وأساليب التعلم التقليدية. ويتردد صدى تلك المخاوف ببلاغة في حوار أفلاطون «فايدروس»، حيث تستكشف أسطورة مصرية قديمة لحظة محورية في سردية التقدم البشري.

وفقًا لمحاورة «أفلاطون» الخيالية، منح الإله تحوت الملك «ثاموس» إلهام الكتابة، وهو اكتشاف بالغ الأهمية من شأنه أن يعيد تشكيل مسار التواصل البشري والحفاظ على المعرفة. ومع ذلك، بدلًا من اعتبار تلك الأداة المكتشفة حديثًا بشيرًا بالتنوير، نظر إليها الملك «ثاموس» في البداية بعين الريبة، ووصفها بأنها عدوٌ محتمل للحضارة نفسها. نبعت مخاوفه من قلقه من أن يقود شيوع الكتابة الأطفال والعقول الشابة إلى تجنب الانضباط الصارم للتعليم التقليدي، وبالتالي إهمال تنمية الذاكرة.

تتعمق هذه الحكاية التحذيرية في نقاش أسئلة عميقة حول القوة التحويلية للابتكار، وتأثيرها على المعايير والممارسات الراسخة. كما تسلط الضوء على المعضلة الخالدة التي تواجهها المجتمعات التي تمر بتحولات نموذجية؛ أي التوتر بين تبني الابتكار، والحفاظ على القيم التقليدية.

ومع ذلك، وبمرور الوقت، شهدنا الدور الحتمي للكتابة في نسيج التقدم البشري. وكان ظهورها في بلاد النهرين القديمة ومصر بمثابة فجر العصور التاريخية، ما أتاح نقل المعرفة عبر الأجيال. وبعيدًا عن إضعاف الذاكرة، تجاوزت الكتابة أعمار الأفراد، وأصبحت مستودعًا للتراث الثقافي بمجالاته المتنوعة، مثل: الأدب، والاقتصاد، والحرب، والبحث العلمي. وعلاوة على ذلك، يجسّد تطور تكنولوجيات الكتابة، من اختراع الورق في الصين إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على القراءة والكتابة من خلال الطباعة، قدرة الابتكارات الإبداعية على تحفيز التقدم المجتمعي. حتى في العصر الحديث، أحدث انتشار الأجهزة المحمولة في كل مكان ثورة في مجال التوثيق الشخصي، ما مكّن الأفراد من التقاط تفاصيل الحياة بدقة، وتعزيز فن رواية القصص.

في جوهرها، تعكس الرحلة من الشك إلى القبول، كما تجسدت في قصة الملك ثاموس والإله تحوت، سعي البشرية الحثيث إلى تحقيق التوازن في خضم الاضطرابات التكنولوجية. كما تذكّرنا أن التغيير، ورغم ما يثيره من مخاوف، يحمل أيضًا القدرة على إثراء، وتوسيع آفاق التجربة الإنسانية.

التصوير الفوتوغرافي

في العصور القديمة، كلّف الحُكام النحاتين والرسامين بتزيين مقابرهم وقصورهم ومعابدهم. وازدهر فن الرسم في وقت لاحق باعتباره الوسيلة المفضلة لتزيين القصور الملكية في جميع أنحاء أوروبا، مستعرضًا ثراء وعظمة الملوك. كلّف أثرياء المسافرين في العصور الغابرة الفنانين برسم لوحات ونقوش تلتقط جوهر رحلاتهم، وجمعوا تلك السجلات المرئية في ألبومات، وإن كان ذلك بتكلفة كبيرة. ومع ذلك، ضرب مشهد التمثيل البصري تحولٌ زلزالي في عام 1816 عندما ابتكر المخترع الفرنسي جوزيف نيسيفور نييبس أول كاميرا فوتوغرافية. أدى ذلك الاختراع الرائد والتحسينات التي تلته إلى تغيير المعايير الراسخة، مما أدى في النهاية إلى انصراف الرسامين إلى عملاء من نخبٍ تبحث عن أعمال فنية حسب الطلب.

وبالتأمل في تجاربي الشخصية، تثير ذكريات الرحلات والاحتفالات في التسعينات ذكريات قدرات التصوير الفوتوغرافي المحدودة. تمثل ألبومات الصور العائلية، التي تحتوي عادةً على 24 أو 36 لقطة اختيرت بدقة، ذكريات عزيزة التقطت بوسيلة لا تزال تتطلب جهدًا بدنيًا وصبرًا. واليوم، عزّز ظهور الهواتف المحمولة المجهزة بكاميرات رقمية عالية الدقة ديمقراطية التصوير الفوتوغرافي، ما مكّن الأفراد من التقاط مئات اللحظات ومشاركتها دون عناء. وبينما يرى البعض أن هذه الوفرة قد أضعفت إلى حدٍ ما القيمة المُتصورة لكل صورة، فإن منصات مثل «إنستجرام» تؤكد استمرار الحاجة إلى المصورين المهرة والروايات المرئية المُنسقة.

ولم تقتصر تداعيات الابتكار التكنولوجي على الاهتمامات الفنية وحدها، فقد واجه عمالقة الصناعة مثل «كوداك» تحديات وجودية في عصر التصوير الرقمي، حيث فشلوا في التركيز بشكل فعال والتكيف مع ديناميكيات السوق المتغيرة. وعلى نحو مماثل، كان سقوط «نوكيا» في سوق الهواتف المحمولة نابعًا من الفشل في احتضان تطور الهواتف الذكية، والاستفادة من الفرص الاستراتيجية، الأمر الذي أدى إلى خسارة الشركة قدرتها التنافسية وحصتها السوقية. وكما أشار الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، يبقى التغيير الثابت الوحيد في الحياة.

إن انتشار الكاميرات الرقمية لا يعني إتقانًا عالميًا للتصوير الفوتوغرافي؛ بل إنه يؤكد على القيمة الدائمة للخبرة والحِرَفية. يواصل المصورون المهرة، والمصورون الصحفيون الجريئون لعب أدوار حيوية في التقاط اللحظات والروايات المحورية، لا سيما في مناطق النزاع حيث تتألق شجاعتهم وفطنتهم في سرد القصص. في الأساس، يتسم تطور التكنولوجيات والصناعات بدورات من الإبداع والتكيف والعودة إلى الظهور. وبينما يمكن أن تزيح الاضطرابات التكنولوجية بعض المهن عن المشهد، فإنها تمهد الطريق أيضا لبروز فرص ونماذج جديدة، مما يسلط الضوء على مرونة البشر الفطرية، وقدرتهم على الإبحار عبر التغيّرات الجذرية.

المعلمون في العصر الرقمي

يقدّم التعليم عبر الإنترنت العديد من المزايا، حيث يسمح للأفراد بالالتحاق بدورات جامعية أجنبية من منازلهم، وتصميم جداول دراستهم لتناسب احتياجاتهم الشخصية، وحتى مواصلة العمل أثناء متابعة التعليم. ومع ذلك، لن يجعل هذا التحول الرقمي المدارس والجامعات الفعلية أو المعلمين من الماضي. تظل مصداقية الدرجات العلمية والمؤهلات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود مؤسسات تعليمية ذات سمعة طيبة، ولها فروع جامعية واقعية. وعلاوة على ذلك، تلعب الجامعات دورًا متعدد الأوجه يتجاوز مجرد نشر المعرفة؛ إذ تساهم في التنمية الشاملة للأفراد من خلال تعزيز المهارات الأساسية، وتطوير شخصية الطلاب، وتوفير فرص للمشاركة اللامنهجية. وتحظى هذه الجوانب بتقدير متزايد من قبل أصحاب العمل، مع التركيز على الأهمية الدائمة لنماذج التعليم التقليدية، والدور الأساسي للمعلمين في توجيه الطلاب وتحفيزهم.

كما إننا نواصل الاعتماد على المعلمين لإلهام الطلاب غير المتحمسين، وتقييم فهمهم للمادة، وتأكيد استعدادهم لدخول سوق العمل. وبدون هذا التوجيه، قد يواجه بعض الأفراد صعوبة في إكمال دراساتهم وتحقيق تقدم بطيء. ويتجلى هذا في تجربتي الخاصة، حيث قمتُ بمقارنة تعلم لغة جديدة بتوجيهات المعلم مع جهود التعلم الذاتي باستخدام منصات مثل Duolingo؛ الفرق في التقدم والمشاركة ملحوظ تمامًا.

يجسّد الانتقال إلى العمليات الآلية، مثل خدمات التوصيل باستخدام الروبوتات، كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل الصناعات ومتطلبات الوظائف. وبينما يمكن أن تُستبدل الأدوار التي تتطلب مهارات منخفضة بالأتمتة، فإن الحاجة إلى محترفين ماهرين لإدارة هذه التطورات التكنولوجية، والتحكم فيها، وإدامتها، تخلق فرص عمل جديدة، وإن كانت تتطلب مستويات أعلى من الخبرة. وعلاوة على ذلك، يؤكّد المشهد الوظيفي المتطور على الديناميكيات المتغيرة للصفات الوظيفية الأساسية. وبينما كان إتقان الكتابة كافيًا لشغل مناصب في البلاط الملكي القديم، فإن سوق العمل اليوم يتطلب إتقان مهارات الكمبيوتر، والتكنولوجيا كمتطلبات أساسية.

ويعكس هذا التحول الإدماج المستمر للتكنولوجيا في مختلف القطاعات، مما يستلزم التحسين المستمر للمهارات، والتكيف لنظل قادرين على المنافسة، وذوي صلة بأماكن العمل الحديثة.

لا بديل عن تعلم اللغات الأجنبية

كمترجم، فكرتُ في الآثار المترتبة على التقدم السريع في خدمات الترجمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا التقدم لا ينفي ضرورة تعلم اللغات الأجنبية. يفتح تعلم لغة أجنبية الفرص للتعمق في الأدب بلغته الأصلية، ومتابعة الدراسات الدولية بسهولة، والتواصل بفاعلية مع أشخاص من خلفيات متنوعة، ومساعدة السائحين في بلداننا الأصلية، والاندماج بسلاسة في المجتمعات الجديدة، وهي مهارات ذات أهمية خاصة في البيئات التي تتسم بتزايد كراهية الأجانب. وفي بعض الحالات، يمكن أن يكون إتقان اللغة مهارة منقذة للحياة، حيث يحمي الأفراد من جرائم الكراهية.

بينما تسهّل التقنيات الحديثة الترجمة السريعة لإعلانات الشوارع، أو رسائل الهاتف المحمول، فإن حقيقة إتقان الأفراد كل لغة على مستوى العالم أمرٌ غير عملي. وهذا يؤكد القيمة الدائمة لإتقان اللغة الأجنبية، خاصة بالنسبة لسيناريوهات وجود طالب سوري يدرس في ألمانيا، أو مهندس مصري يعمل في المملكة المتحدة، أو باحث عراقي يهدف إلى نشر بحث في الولايات المتحدة. يظل إتقان اللغات الأجنبية حجر الزاوية في بعض المهن، وفرص المنح الدراسية.

قال تشارلز كيترينج، صاحب الرؤية وراء التشغيل الذاتي للسيارات، ذات مرة: «يكره العالم التغيير، ومع ذلك فهو الشيء الوحيد الذي حقق التقدم». عزز «كيترينج» مبيعات السيارات للجماهير، وبفضل ابتكاره، تحولت الخيول من ضرورة إلى ترف، وأصبح سائقو السيارات يجوبون الشوارع منذ ذلك الحين. ويتردد صدى هذا الشعور في المشهد الديناميكي اليوم، حيث تعيد التطورات التكنولوجية باستمرار تشكيل المعايير والتوقعات. وما كان يُعدّ استثنائيًا في الماضي يشكل الآن المتطلبات الأساسية اليوم، مما يزيد من حدة المنافسة عبر الصناعات.

إن تبني التغيير ليس مجرد موقف فلسفي؛ بل ضرورة عملية للبقاء والنجاح. وكما لاحظ تشارلز داروين عن الأنواع: «النوع الأكثر قدرة على التكيف مع التغيير هو الذي يبقى على قيد الحياة». وبالتالي، فإن الانفتاح على التغيير، والاستعداد النشط للمستقبل يضمن لنا موطئ قدمٍ آمنٍة في ساحة عالمية يتعاظم فيها التنافس والتغيير.

اقرأ أيضًا: 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى