أخبار وتقارير

نادرة شلهوب.. أكاديمية فلسطينية تخوض معركة «الحريات الأكاديمية» في الجامعة العبرية

غير بعيد عن مشاهد الموت والدمار في قطاع غزة، تشتعل معركة أخرى مرتبطة بالقضية الفلسطينية، ولكن في الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية تقودها أستاذة عربية، ساحاتها قاعات الدراسة حينًا، ومقار التحقيق والاحتجاز الشرطية في أحيان أخرى.

بطلة هذه المعركة هي الأكاديمية الفلسطينية (من عرب 1948)، نادرة شلهوب – كيفوركيان التي تشغل كرسيّ لورانس دي-بييل في معهد علم الإجرام في كلية الحقوق وكلية الخدمة الاجتماعية والرفاه الاجتماعيّ في الجامعة العبريّة في القدس المحتلة. كما تعمل أستاذة كرسي في القانون العالمي في جامعة لندن. وتتمحور أبحاثها في مجال علم النفس- الاجتماعي، والقانون والمجتمع، والمعاناة الإنسانية والألم في واقع الاستلاب، والسلطة والقوّة.

الحريات الأكاديمية

يعود تاريخ هذه الأزمة المرتبطة بملف الحريات الأكاديمية، إلى نحو شهر مضى، حيث أوقفتها الجامعة العبرية عن العمل، لأول مرة، بعد ظهورها في مقابلة في 9 مارس/آذار، قالت فيها إنه يجب إلغاء الصهيونية، مشككة في الأفعال المنسوبة إلى حركة «حماس» خلال هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وقالت إن الإسرائيليين يشعرون بالخوف عندما يمرون بالقرب منها ويسمعونها تتحدث باللغة العربية. وأضافت: «يجب أن يخافوا لأن المجرمين خائفون دائمًا. لا يمكنهم أن يسلبوا أرضي، ولا يستطيعون أن يهجّروا شعبي. لا يمكنهم أن يقتلوا ولا يخافوا، لذا من الأفضل أن يخافوا».

وتابعت: «حان الوقت لإلغاء الصهيونية. لا يمكن أن يستمر، إنه إجرامي. ولن نتمكن من الاستمرار إلا من خلال إلغاء الصهيونية».

وفي أواخر مارس/آذار، أعادتها الجامعة إلى عملها، بعد لقاء عقدته شلهوب – كيفوركيان مع رئيسها البروفيسور تامير شيفر، حيث أوضحت أنها «كباحثة نسوية، تصدق الضحايا ولا تشك في ادعاءاتهم» بخصوص أحداث يوم 7 أكتوبر. وذكرت صحيفة «هآرتس» أنه لم يُطلب منها التراجع عن ادعائها بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. وبعد التوضيح، قالت الجامعة إنها لا تجد أي عائق أمام إعادة الأستاذة إلى عملها، وأنها ستستمر في التدريس في كلية الخدمة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية.

رغم ذلك، فقد تفجرت الأزمة مجددًا، الخميس، حيث اعتقلتها الشرطة الإسرائيلية للاشتباه في قيامها بالتحريض. واقتادت الشرطة الأكاديمية المعروفة للاستجواب في مركز الشرطة في ضاحية ميفاسيريت تسيون في القدس المحتلة.

ووفق موقع «تايمز أوف إسرائيل»، فقد أمرت محكمة الصلح في القدس المحتلة، الجمعة، بالإفراج عن الأستاذة بالجامعة العبرية. ورفضت المحكمة طلب الشرطة بتمديد اعتقالها، قائلة إن النتائج التي توصلت إليها الشرطة لا تبرر الاعتقال.

في ذلك الوقت، تجمع متظاهرون خارج قاعة المحكمة للاحتجاج على اعتقال شلهوب – كيفوركيان. وكتب القاضي دوف بولوك في حكمه: «ربما تجاوزت بعض التعبيرات خط حرية التعبير إلى التحريض. ومع ذلك، فإن السؤال المطروح أمام المحكمة هو ما إذا كان من الضروري تمديد اعتقالها للاشتباه في أنها تشكل خطرًا». وخلص القاضي إلى القول: «أنا غير مقتنع بأن هناك حاجة لمواصلة حبسها».

ورغم التضييق عليها في وقت سابق، أصدرت الجامعة العبرية، الخميس، بيانًا، أدانت فيه اعتقال شلهوب – كيفوركيان. وجاء في البيان: «تعارض الجامعة بشدة الكثير مما قالته البروفيسور شلهوب – كيفوركيان قبل شهر، ومع ذلك، فإننا نشعر بقلق بالغ بشأن اعتقالها إذا كان يستند بالفعل إلى ما قالته علنًا»، قائلة إن «الاعتقال يتعارض مع الطبيعة الديمقراطية للبلاد»، مطالبة بالإفراج الفوري عنها.

ما الذي يمكن أن نحكيه؟

في مقابلة متلفزة، الشهر الماضي، تحدثت عن تجربتها مع التضييق داخل أسوار الجامعة العبرية، قائلة: «أريد تذكير الجميع أن المجال الأكاديمي مجال يجب أن نتشارك فيه أفكارنا وتتعدد فيه الأفكار (..) أنا أدعو لإلغاء الصهيونية لأنني أراها عنيفة جدًا تجاه الناس، وتتسبب في ارتكاب الجرائم».

وأشارت إلى اتصال عميد كلية الخدمة الاجتماعية بالجامعة العبرية، في وقت سابق، بطلابها، وأخبرهم أنها خارج الخدمة ولا مكان لها في الجامعة. وتعلق: «هذه المؤسسة الأكاديمية كنت فيها طيلة ثلاثين عامًا، هذا هو المكان الذي قمت بالتدريس فيه، وأجريت أبحاثي فيه، ويبقى السؤال: ما الذي يمكن تعليمه؟ وما الذي يجب كتابته؟  وما الذي يمكن نشره؟ وما الذي يمكننا التحدث عنه كباحثين يدرسون إجرام الدولة؟ وكمعارضين لما يحدث، ومعارضين لما تقوم به الدولة؟ حينما يموت الأطفال الرضع في غزة، ويتحللون في الحضانات، وأنا أكتب عن الهجمات على الأطفال وعلى المجتمع، ما نراه في غزة وتحويلها إلى مقبرة جماعية معبر للغاية. إنها حقًا ذروة أيديولوجية عنيفة جدًا جدًا، وأعتقد أن الوقت حان لإعادة النظر في الأيديولوجية الصهيونية لأنها لنها بدأت بالعنف والسلب والكثير من المجازر».

وأشارت إلى مقتل طفل فلسطيني يدعى رامي، في الثانية عشرة من عمره، من مخيم شعفاط «تم إطلاق النار عليه وقتله، من دون سبب حتى. كان يلعب في أحد أيام شهر رمضان».

تضامن أكاديمي

في رسالة شديدة اللهجة، موجهة إلى رئاسة الجامعة العبرية في القدس المحتلة، أعربت لجنة الحرية الأكاديمية التابعة لرابطة دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية (MESA) عن استيائها العميق إزاء إيقاف البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان عن مهام التدريس في مارس.

وانتقدت الرسالة، التي تلقينا نسخة منها، القرار باعتباره انتهاكًا خطيرًا للحرية الأكاديمية للأستاذة شلهوب-كيفوركيان، وعدّته بمثابة حافز للتحريض على العنف ضدها، لا سيما في ظل الأجواء المتوترة الحالية في إسرائيل. وجاء في بيان من المؤسسة أن رسالة من الجامعة العبرية أشارت إلى أن البروفيسورة شلهوب كيفوركيان «تتمتع بسمعة مؤسستنا المرموقة» و«تجلب العار» للجامعة العبرية من خلال «نشرها بشكل ساخر عن الحرية الأكاديمية وحرية التعبير».

وحثت الرسالة قيادة الجامعة العبرية على إلغاء الإيقاف وإدانة أي تهديدات ضد الأستاذة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على مبادئ الحرية الأكاديمية وحرية التعبير لجميع أعضاء هيئة التدريس والموظفين والطلاب، وخاصة في خضم الأعمال العدائية المستمرة. كما وقًّع ما يقرب من 120 أكاديميًا من جميع أنحاء العالم على رسالة مفتوحة تدين اعتقال إسرائيل للأكاديمية، والباحثة النسوية المشهورة عالميًا من منزلها في البلدة القديمة بالقدس الشرقية المحتلة بتهمة التحريض على العنف.

تفاعل فلسطيني

كما تفاعلت الأوساط الأكاديمية الفلسطينية مع اعتقال شلهوب – كيفوركيان. وأدانت جامعة بيرزيت اعتقالها الذي جاء «بعد شهر من محاولة تعليق عملها في الجامعة العبرية، وفي أعقاب شهور من التحريض ضدها في الإعلام الصهيوني برمته». وأضافت الجامعة: «هذه الممارسات القائمة على تكميم الأصوات الفلسطينية والأصوات المعارضة الأخرى تشكل إحدى حلقات حرب الإبادة، والتصميت التي تمارسها دولة الاحتلال الاستيطاني، ومؤسساتها المتواطئة والشريكة في إطار مخططات تدمير الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته».

نادرة شلهوب – كيفوركيان

تبحث شلهوب – كيفوركيان في مجال جرائم الدولة المرتكبة بحق النساء والأطفال وبأشكال أخرى من العنف المُجَنْدَر، وجرائم سوء استخدام السلطة في السياقات الاستيطانيّة الكولونياليّة، والرقابة والترصّد، وهي خبيرة في ثيولوجيا الأمن الإسرائيلية، وتحليل الصدمات النفسيّة في المناطق المعسكَرة والخاضعة للاستعمار. ومن إصدارات شلهوب- كيفوركيان كتاب بعنوان: «العسكرة والعنف ضدّ النساء في مناطق الصراع في الشرق الأوسط: دراسة الحالة الفلسطينيّة». كما صدر لها، في 2015 من منشورات جامعة كامبريدج، كتاب بعنوان: «ثيولوجيا الأمن، الرقابة وسياسات الخوف». وفي عام 2019، صدر كتابها: «الطفولة المحتجزة وسياسة نزع الطفولة».

حازت مقالاتها العديدة في الدوريات العلمية على جوائز مختلفة، منها مقالتها: «احتلال الحواس: ترقيع وتجميل إرهاب الدولة»، التي نُشرت في الدورية البريطانية في علم الإجرام، ونالت عنها جائزة رادزينوفتش (Radzinowicz) لأفضل مقالة نشرت في العام 2017. وتسكن شلهوب- كيفوركيان في البلدة القديمة من القدس المحتلة، وهي ناشطة نسويّة، وشاركت في أنشطة مباشرة وفي حوارات بغية إنهاء تحكم السلطة بحياة العائلات الفلسطينية، بما في ذلك النساء والأطفال، وبفضاءات الموت والحياة.

اقرأ أيضًا:

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى