أخبار وتقارير

استدعت الشرطة للطلاب وأبعدت أساتذة.. الموقف من فلسطين يزلزل جامعة كولومبيا

بممارسات مثل استدعاء الشرطة للطلاب داخل الحرم الجامعي، وإيقاف أساتذة عن العمل بسبب تعبيرهم عن آرائهم، تعيش جامعة كولومبيا الأمريكية مشهدًا غير مسبوق من الاضطراب الأكاديمي، وسط اتهامات لرئيسة الجامعة، نعمت شفيق، بـ«الفشل» في مهمة قيادة هذه المؤسسة الأكاديمية المرموقة في تلك اللحظة الحرجة، ووسط تجاذبات سياسية حادة على خلفية الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

الأكاديمية شفيق، التي وصفتها جامعة كولومبيا في وقت سابق بأنها «داعمة لا تكل للتنوع والشمولية»، أعلنت، الأربعاء الماضي، أمام لجنة التعليم والقوى العاملة بمجلس النواب الأميركي، أن الجامعة أوقفت 15 طالبًا عن الدراسة، ووعدت بأن أحد الأساتذة الزائرين «لن يعمل أبدًا في جامعة كولومبيا مرة أخرى»، في إجراءات عقابية لجأت إليها بدعوى تورط أولئك الطلاب، وبعض الأساتذة، في «معاداة السامية»، في اتهام فضفاض يلاحق كل من يرفع علم فلسطين، أو يردد شعارًا ضد المقتلة الإسرائيلية المستمرة في غزة والضفة الغربية المحتلة.

تولت شفيق رئاسة الجامعة في يوليو/تموز 2023، لتصبح أول امرأة تقود جامعة كولومبيا. وهي خبيرة اقتصادية، ولدت في مصر، لكنها نشأت جزئيًا في الولايات المتحدة بعد أن غادرت عائلتها من البلاد عندما كانت في الرابعة من عمرها.

الحريات الأكاديمية

وأثار موقف شفيق قلقًا عميقًا لدى بعض أنصار الحريات الأكاديمية. ومن هؤلاء إيرين مولفي، رئيسة الرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات، والتي قالت: «إننا نشهد حقبة جديدة من المكارثية حيث تستخدم لجنة بمجلس النواب رؤساء الكليات والأساتذة للمسرح السياسي. إنهم يدفعون بأجندة من شأنها أن تلحق الضرر في نهاية المطاف بالتعليم العالي، والتبادل القوي للأفكار التي يقوم عليها».

بل إن رئيسة جامعة كولومبيا عندما سئلت في مجلس النواب الأمريكي عما إذا كانت ستعزل أستاذًا آخر من منصبه القيادي، بدا أنها اتخذت قرارًا هناك في قاعة «الكابيتول» قائلة: «أعتقد أنني سأفعل ذلك، نعم». وكشفت شفيق عن التفاصيل التأديبية، التي عادة ما تكون سرية، كجزء من جهد شامل، الأربعاء، لإقناع لجنة مجلس النواب، التي تحقق في قضية الجامعة، بأنها كانت تتخذ «إجراءات جدية لمكافحة موجة معاداة السامية» في أعقاب اندلاع حرب إسرائيل على قطاع غزة عقب هجمات حركة حماس الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023.

وعلى مدار أربع ساعات من الشهادة أمام اللجنة التي يقودها الجمهوريون، قالت الدكتورة شفيق إن جامعة كولومبيا كانت في البداية غارقة في موجة من الاحتجاجات في الحرم الجامعي. وأضافت: «لكن قادة الجامعة الآن متفقون على أن البعض استخدم لغة معادية للسامية، وأن بعض العبارات المثيرة للجدل– مثل: من النهر إلى البحر – قد تستدعي لجان انضباط».  ومن خلال انحيازها نحو الجمهوريين في مجلس النواب في واشنطن، ربما تكون الدكتورة شفيق فاقمت من انقسام حرمها الجامعي في مدينة نيويورك؛ حيث نصب طلاب داعمون للحق الفلسطيني الخيام وأقاموا «مخيم التضامن مع غزة» في وقت مبكر من الأربعاء في تحدٍ صريح لسياسات التظاهر بالجامعة، رافضين اتهامهم بمعاداة السامية، وقالوا، بحسب وسائل إعلام أمريكية، إنهم يتحدثون علناً باسم الفلسطينيين، الذين قُتل عشرات الآلاف منهم في الغزو الإسرائيلي لغزة.

ودافعت الدكتورة شفيق مرارًا وتكرارًا عن التزام الجامعة بحرية التعبير، لكنها قالت إن المسؤولين «لا يمكنهم ولا ينبغي عليهم التسامح مع إساءة استخدام هذا الامتياز» عندما يعرض الآخرين للخطر. وجاءت تعليقات شفيق بعيدة عن الشهادة التي أدلى بها رؤساء جامعتي بنسلفانيا وهارفارد في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وأثناء مثولهما أمام نفس اللجنة بمجلس النواب الأميركي، قدم مسؤولو الجامعتين إجابات مقتضبة، وذات طابع دفاعي عن التحركات الطلابية المؤيدة لفلسطين. وساعدت العاصفة النارية التي تلت ذلك في تسريع الإطاحة بهم.

وأعلنت شفيق إيقاف الجامعة مجموعتين طلابيتين، هما: «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» و«الصوت اليهودي من أجل السلام»، بسبب «مخالفتهما المتكررة لسياساتها بشأن التظاهرات». كما بدت أيضًا أكثر استعدادًا من قادة جامعة هارفارد أو بنسلفانيا لإدانة وتأديب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذين يستخدمون عبارات مثل: «من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر». يعتقد البعض أن العبارة تدعو إلى «القضاء على دولة إسرائيل»، بينما يقول مؤيدوها إنها «دعوة طموحة للحرية الفلسطينية». وقالت: «لدينا بعض القضايا التأديبية الجارية حول تلك العبارة. لقد حددنا أن هذه الأنواع من الهتافات يجب أن تكون مقيدة من حيث مكان حدوثها».

وأشارت إلى أن جامعة كولومبيا تضم حوالي 4700 عضو هيئة تدريس، وتعهدت بأنه ستكون هناك «عواقب» للموظفين الذين «يدلون بملاحظات تتجاوز الحدود فيما يتعلق بمعاداة السامية». وقالت الدكتورة شفيق إنه حتى الآن، طُرد خمسة من أعضاء هيئة التدريس من الفصول الدراسية، أو فُصلوا في الأشهر الأخيرة بسبب تعليقاتهم المتعلقة بالحرب. وذكرت رئيسة جامعة كولومبيا أن عضو هيئة التدريس بالجامعة، محمد عبده، الأستاذ الزائر الذي أثار الغضب لإظهار دعمه لـ«حماس» على وسائل التواصل الاجتماعي «يقوم بتصحيح أوراق طلابه ولن يقوم بالتدريس في جامعة كولومبيا مرة أخرى». وكشفت شفيق أيضًا أن الجامعة تحقق مع جوزيف مسعد، أستاذ دراسات الشرق الأوسط، الذي استخدم كلمة «رائع» لوصف هجوم 7 أكتوبر الذي قادته «حماس» ضد أهداف إسرائيلية.

إدانة وتساؤلات

وأدان الديمقراطيون في لجنة مجلس النواب بشكل موحد «معاداة السامية»، لكنهم اتهموا الجمهوريين بمحاولة استغلال لحظة مشحونة بالتوتر بالنسبة لجامعات النخبة مثل كولومبيا، سعيًا إلى تقويضها بسبب خلافات سياسية طويلة الأمد. وعارضت النائبة إلهان عمر من ولاية مينيسوتا، وهي واحدة من امرأتين مسلمتين فقط في الكونجرس، الدكتورة شفيق من اليسار، متسائلة عما كانت تفعله الجامعة لمساعدة الطلاب الذين تعرضوا للاستهزاء بسبب نشاطهم من أجل القضية الفلسطينية، أو الذين واجهوا مشاعر معادية للعرب. وفي الجلسة نفسها، ذُكر الأساتذة جوزيف مسعد وكاثرين فرانكي ومحمد عبده بالاسم.

وركز العديد من أعضاء لجنة الكونجرس انتقاداتهم بشكل خاص على مسعد، الذي وصف في 8 أكتوبر 2023 هجوم «حماس» على إسرائيل بأنه «رائع» و«مبتكر» في مقال على الإنترنت. ووعدت شفيق اللجنة بإقالة مسعد من منصبه كرئيس للجنة المراجعة الأكاديمية بجامعة كولومبيا، التي تتمثل وظيفتها الأساسية في «تقييم جودة البرنامج وفعاليته»، و«تعزيز التخطيط والتحسين، وتقديم التوجيه للقرارات الإدارية». وأشارت شفيق أيضًا إلى احتمال إقالة مسعد رغم استمراره في منصبه. وقالت شفيق في تعليقاتها الافتتاحية: «لا مكان لمعاداة السامية في حرمنا الجامعي، وأنا شخصيًا ملتزمة ببذل كل ما بوسعي لمواجهتها بشكل مباشر».

وتزايدت الشكاوى من «معاداة السامية» و«كراهية الإسلام» في حرم جامعة كولومبيا في نيويورك، الذي يضم 35 ألف طالب، مما دفع الجامعة إلى سن قيود جديدة على المظاهرات، بحيث لا يجوز تنظيم الاحتجاجات إلا في أيام محددة من الأسبوع وفي أوقات وأماكن معينة، مع إشعار مسبق لمسؤولي الجامعة. وتقول بعض جماعات الحقوق المدنية والطلاب وأعضاء هيئة التدريس إن هذه السياسة تقيد حرية التعبير. لكن شفيق استشهدت بذلك كدليل على أن الجامعة جادة في حماية الطلاب، قائلة إنه تم إيقاف 15 طالبًا عن الدراسة، ووضع ستة تحت المراقبة بسبب المخالفات.

وجاءت هذه الإجراءات بعد يوم واحد من إقامة طلاب مؤيدين لفلسطين مخيمًا يضم 50 خيمة، ورفضوا المغادرة حتى يتم تلبية مطالبهم. وبطلب من شفيق، اقتحمت الشرطة الحرم الجامعي، واعتقلت ما لا يقل عن 108 متظاهرين، وأزالت الخيام، وسط سخرية طلاب آخرين، وذلك بعدما أرسل الطلاب المعتصمون رسالة إلى قادة الجامعة بأنهم لن يغادروا حتى تستجيب الجامعة لمطالبهم، بما فيها الانسحاب من الشركات التي لها علاقة بإسرائيل.

وأثناء فض اعتصام الطلاب، هتف حشد كبير: «عار!». وتعهد البعض بأن أرواحهم لن تتحطم. وقالت مريم علوان، وهي منظمة مؤيدة للفلسطينيين في الحرم الجامعي: «يمكنهم تهديدنا كما يريدون بالشرطة، ولكن في نهاية المطاف، لن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من التعبئة». وأظهرت مقاطع فيديو تداولها مستخدمون على منصة «X» فض الشرطة اعتصام الطلاب، وإبعاد طلاب يلفون الكوفية الفلسطينية.

وفي رسالة على موقع الجامعة، خاطبت شفيق مجتمع الجامعة: «اتخذت هذه الخطوة الاستثنائية لأن الظروف استثنائية. انتهك الأفراد الذين أقاموا المعسكر قائمة طويلة من القواعد والسياسات. ويؤسفني أن كل هذه المحاولات لحل الوضع قد رُفضت من قبل الطلاب المعنيين. ونتيجة لذلك، أصبح ضباط شرطة نيويورك موجودين الآن في الحرم الجامعي وتجري عملية إزالة المخيم».

وأضافت: «تلتزم كولومبيا بالحرية الأكاديمية وإتاحة الفرصة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس للمشاركة في التعبير السياسي، ضمن القواعد المعمول بها ومع احترام سلامة الجميع. إن السياسات التي نطبقها بشأن المظاهرات موجودة لدعم الحق في التعبير وسلامة وأداء جامعتنا. هذه لحظة صعبة ويؤسفني جدا اتخاذ هذه الخطوات. إنني أشجع مجتمعنا على إظهار التعاطف وتذكر قيم التعاطف والاحترام التي تجمعنا معًا كمجتمع كولومبيا».

انتقادات حادة

وأثار موقف نعمت شفيق انتقادات حادة في أوساط أكاديمية وحقوقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومن هؤلاء، الدكتورة عالية المهدي، العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

وقالت المهدي، في تصريح لـ«الفنار للإعلام»: «مهمة رئيس الجامعة هي تمثيل الطلاب، والأساتذة، وموظفي الجامعة، والعمل على الارتقاء بتصنيفها، وهي نفس الأهداف التي يجب أن يبتغيها ممولو أي جامعة، ولكن في حالة نعمت شفيق رئيسة جامعة كولومبيا فإن ما قدمته في هذه الأزمة هو المعنى الحرفي للفشل الأكاديمي والإداري، وكان جديرًا بها أن تستقيل لا أن تستدعي الأمن للطلاب».

وأضافت المهدي: «ما تابعته في أزمة جامعة كولومبيا أبعد ما يكون عن الإدارة الأكاديمية الناجحة، بل نموذج للفشل في إدارة مؤسسة تعليمية، كما أن شعار: من النهر إلى البحر الذي يتذرعون به ضد الطلاب والأساتذة شعار صهيوني في الأساس، ويؤسفني ما شاهدته في جلسة لجنة مجلس النواب الأميركي من تدنٍ في الحوار. كان الأمر يعكس غياب أية مبادئ، وكذلك غياب إدراك مسؤولية رئيس الجامعة كنصب سياسي يحتاج إلى التعامل بحكمة».

وردًا على سؤال حول تأثير ما تشهده الجامعات الأمريكية من اضطراب بسبب الموقف من الحرب الإسرائيلية على غزة، وتقييمها لحالة الحريات الأكاديمية في تلك الجامعات في ضوء الوضع الراهن، قالت عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق بجامعة القاهرة: «الجامعات الأمريكية تتمتع بالحريات الأكاديمية نسبيًا، لكن فيما يخص مسألة فلسطين فهي موضوع سياسي جدًا، ويندرج ضمن موضوعات لا يمكن النقاش فيها؛ لأن تمويل الجامعات يأتي من جماعات مؤيدة لإسرائيل». وأشارت المهدي إلى أنه من الطبيعي أن تكون هناك أفكار مختلفة في صفوف الطلاب والأساتذة إزاء القضية الفلسطينية، ولكن غير الطبيعي هو ازدواجية المعايير.

وختمت: «كنت أود أن تسأل نعمت شفيق أعضاء مجلس النواب الأمريكي: هناك آراء مختلفة، فلماذا أنتم غاضبون من فريق دون آخر؟ لماذا تتركون مناصري إسرائيل؟ هذه أزمة كاشفة عن ازدواج معايير بامتياز».

اقرأ أيضًا:

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى