مقالات رأي

الجامعات الغربية وازدواجية معايير القيم الليبرالية والحريات الأكاديمية

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

طيلة قرون، ربطت الدول الغربية نفسها بالحضارة الإنسانية التقدمية والتنمية، ونشرت الليبرالية والقيم الليبرالية، فضلًا عن نشر وتصدير نسختها الخاصة من الديمقراطية إلى جميع أنحاء العالم. تتميّز هذه الفكرة بأساليب الثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والحرية الدينية، وغيرها الكثير.

ومع ذلك، وُضع فرض المفاهيم الغربية لليبرالية والديمقراطية تحت المجهر طوال سنوات، لاسيما عندما تُشن حروبٌ ضد مجتمعاتٍ لا تختار بالضرورة الانحياز إلى مثل هذه الأيديولوجيات. وفي الأيام الأخيرة، شهد العالم عرضًا لازدواجية المعايير فيما يتعلق بممارسة الأفكار الليبرالية وحرية التعبير في المؤسسات الأكاديمية؛ إذ أغلقت العديد من المؤسسات الأكاديمية في الغرب أبوابها أمام أفراد وأعضاء هيئة تدريس وطلاب وأقسامٍ بأكملها بسبب التحدث عن موضوعات تتعارض مع المصالح السياسية لأصحاب السلطة، أو الحكومات ككل.

تشير هذه الأحداث إلى توظيفٍ «زمكاني» للقيم الليبرالية الغربية بشكل مشروط، بما يخدم مصالح مؤسسيها ووكالات التمويل، وأن وجهات النظر تعتبر «خطاب كراهية» وغير مناسبة عندما لا تتوافق مع تلك المصالح.

يتناول هذا المقال حالة تدهور حرية التعبير في المؤسسات الأكاديمية الغربية بالتزامن مع الأحداث العالمية الراهنة.

في خدمة السلطات

تاريخيًا، أُنشئت المؤسسات الأكاديمية لقيادة النظام الاجتماعي والتغيير والتأثير فيه. وقد عكست الحكومات رغبتها في البناء الاجتماعي من خلال إنشاء المدارس والجامعات وفرضها فيما بعد. في البداية، خُصّصت المدارس والجامعات لنخبة المجتمع. ومع ذلك، وإدراكًا لقوة الأوساط الأكاديمية في التأثير على الفكر والتنمية، وإدراكًا لمدى قدرة المدارس على التأثير على غالبية المجتمع، فرضت الحكومات قوانين التعليم الإلزامي.

https://www.bue.edu.eg/

من طرد أعضاء هيئة التدريس إلى طرد الطلاب وإغلاق الأقسام والجامعات، تحارب السلطات الغربية حرية التعبير والفكر من خلال تقييد الأوساط الأكاديمية.

صُمّمت المؤسسات الأكاديمية لتزويد الشباب بأدوات التنمية، بما يتوافق مع رسالة وأهداف السلطة الحاكمة. كان هذا صحيحًا بشكل خاص من خلال شكل المواد التي دُرست في المدارس؛ فبينما قدمت المدارس لطلابها مواد العلوم والرياضيات، فقد قدمت أيضًا التاريخ، واللاهوت، والفلسفة، والمزيد.

اقرأ أيضًا: قيود في مواجهة المسيرات المؤيدة للفلسطينيين في جامعات بريطانية

علاوة على ذلك، وفي العديد من دول العالم، تقدم المدارس مواد مختلفة للذكور والإناث وفقًا للمعايير الجنسانية في المجتمع. على سبيل المثال، يتعرف الطلاب الذكور على الموضوعات التي كانت تعتبر أكثر ذكورية، مثل الدورات التقنية، بينما توجّه الطالبات إلى الموضوعات التي كانت تعدّ أكثر أنوثة، مثل اللغات والعلوم المنزلية والفنون. واستمر هذا البناء على المستوى الجامعي، حيث قبلت العديد من البلدان الطلاب الذكور في كليات الطب والهندسة، فيما وُجّهت الطالبات إلى الالتحاق بكليات التمريض، أو التربية.

يثير هذا البناء الوثيق والمحدد للمؤسسات الأكاديمية سؤالًا مهمًا يتعلق بدور الحرية الأكاديمية ونزاهة الأوساط الأكاديمية داخل المجتمع. لماذا يُنظر إلى النزاهة الأكاديمية على أنها تهديد للدولة أكثر من كونها فرصة؟ ومتى تتحرك المؤسسات الأكاديمية ضد ما تدعو إليه؟

صعود وسائل الإعلام الرقمية

قبل صعود ما نعرفه اليوم بعصر العولمة، شهد العالم تدفقًا للعلماء حول العالم. وقد أتاح ذلك انتشار الأفكار والتأثير ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى الإقليمي والدولي أيضًا، حيث تسارع انتشار المعرفة والتعليم مع تحديث وسائل السفر. لكن الثورة الحقيقية في انتشار المعرفة والمعلومات حدثت مع ظهور وسائل الإعلام، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومع تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، قد تواجه الحكومات وأصحاب السلطة اتهامات متعددة بعدم ممارسة ما يدعون إليه عندما يتعلق الأمر بالحرية الأكاديمية وانتشار القيم الليبرالية.

https://www.bue.edu.eg/

في أزمنة الحرب والصراعات، يشعر أصحاب السلطة، سواء كانوا حكومات أو شخصيات سياسية أو قادة أعمال، بتهديد مخاطر فقدان سلطتهم. ولذلك، فإنهم يستثمرون أصولهم ونفوذهم في الحفاظ على الوضع الراهن. في المقام الأول من خلال مجالين: المؤسسات التعليمية والمؤسسات التجارية. تسجّل المؤسسات التعليمية مئات الملايين من الطلاب في جميع أنحاء العالم. ولذلك، فإن لديهم القدرة على التأثير على عدد كبير من الناس في جميع قطاعات المجتمع.

هذا هو المكان الذي يجد فيه أصحاب النفوذ أن حرية التعبير والنزاهة الأكاديمية والأفكار «الليبرالية» أو «التقدمية» تصبح تهديدًا للسلطة. وتصبح اللغة «الصحيحة سياسيًا» أداة حاسمة للقضاء على الآراء المعارضة، ويتم تصنيف أي خطاب يتعارض مع ذلك على أنه خطاب كراهية ولغة تمييزية، اعتمادًا على دوافع وحوافز الشخص الموجود في السلطة التي يقود السردية.

قضية نورمان فينكلشتاين

مؤخرًا، كشفت العديد من الحوادث انخراط مؤسسات التعليم الغربية في تقييد روايات تتعارض مع أهداف القوى الحاكمة، وممارسات تتعارض مع الحاجة إلى الحرية الأكاديمية وحرية التعبير. وتشكل ردود الفعل العنيفة ضد محاولة نورمان فينكلشتاين شغل منصب رئيس جامعة ديبول في شيكاغو في عام 2008 مثالًا واضحًا على ذلك.

واجه «فينكلشتاين»، وهو عالم سياسي بارز من أصل يهودي، عواقب وخيمة بسبب تعبيره عن أفكاره حول النظام الإسرائيلي في عدد من الجامعات الأمريكية. وعلى الرغم من زعم تلك الجامعات أنها تكفل حرية التعبير والحرية الأكاديمية، لم يُحرم «فينكلشتاين» من التثبيت في منصبه في جامعة ديبول فحسب، بل مُنع فعليًا من التدريس مرة أخرى في أي جامعة أمريكية أخرى.

بينما تدعو الاحتجاجات في الشوارع في جميع أنحاء العالم إلى حرية التعبير، تمارس بعض القوى المعايير المزدوجة المتمثلة في استحضار الليبرالية لخدمة مصالحها الخاصة على حساب السماح للمجتمعات بالتقدم. 

علاوة على ذلك، عندما حاول زيارة إسرائيل في عام 2008، أُعتقل «فينكلشتاين» واستُجوب، قبل أن يُرحّل ويُمنع من دخول البلاد لمدة 10 سنوات بسبب تعاليمه الأكاديمية، حسبما ذكرت صحيفة «الغارديان».

وانتقدت «جمعية حقوق المواطن في إسرائيل» ترحيل «فينكلشتاين»، قائلة: «لا تستبعد الدولة الديمقراطية، حيث تعدّ حرية التعبير المبدأ الأسمى، الانتقادات أو الأفكار لمجرد عدم ارتياح سلطاتها لسماعها، بل تواجه تلك الأفكار من خلال النقاش العام».

اقرأ أيضًا: حرب غزة تثير تساؤلات حول الحريات الأكاديمية في الجامعات الأمريكية

وعلى الرغم من شيوع مثل هذه الحوادث في الجامعات الغربية، خاصة تجاه العلماء والطلاب غير الغربيين، إلا أنها نادرًا ما حظيت بالاهتمام الإعلامي الذي تراه اليوم. ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين: أولًا، لأن منصات التواصل الاجتماعي زادت من انتشار المعلومات، وثانيًا، لأن التحكم والرقابة على المنصات الشهيرة مثل X وInstagram أصعب من السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية مثل التلفزيون والصحف.

رغم وجود توجّه قوي في الجامعات نحو الأفكار الليبرالية والتقدمية، مثل حركة «مجتمع الميم» LGBTQ، والحركات النسوية، إلا أن التحفظات لا تزال موجودة في الأوساط الأكاديمية تجاه أفكار معينة. وتبرز عبارة «نشر الكراهية» في البيانات العامة الصادرة عن المؤسسات الأكاديمية عند محاربة المفاهيم السياسية غير المرغوب فيها. ويواجه الأكاديميون والطلاب والأقسام المتهمون بنشر الكراهية، والتي هي في الواقع مجرد شكل من أشكال حرية التعبير، الطرد والتفكيك.

حالات في سويسرا وتكساس

أعلنت جامعة برن، في سويسرا، مؤخرًا إغلاق معهدها لدراسة الشرق الأوسط والمجتمعات الإسلامية (ISNO) «بشكله الحالي»، في انتظار إعادة تنظيمه. وجاء القرار في أعقاب تحقيق بدأ في الخريف الماضي بعد أن فُصل محاضر دون سابق إنذار لإشادته بهجمات حركة حماس الفلسطينية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول داخل إسرائيل. توضح هذه الأحداث الإجراءات المتطرفة التي ترغب المؤسسات الأكاديمية في اتخاذها من أجل حظر الحرية الأكاديمية وحرية التعبير في حرمها الجامعي.

وفي رد فعل متطرف آخر ينتهك الحرية الأكاديمية، قررت جامعة تكساس إي آند إم فجأة إغلاق حرمها الجامعي في قطر، منهية بذلك علاقة استمرت 20 عامًا مع شريكتها المضيفة، مؤسسة قطر. وتزامن هذا القرار مع الأحداث التي تشهدها الجبهة الفلسطينية-الإسرائيلية، ومع الدور الذي تقوده دولة قطر في جهود إحلال السلام في المنطقة.

ودافع مجلس أمناء جامعة تكساس إيه آند إم عن قراره، مشيرًا إلى عدم الاستقرار الإقليمي، وصدَّق مركز أبحاث مقره واشنطن العاصمة على هذا القرار باعتباره يتماشى مع «مصالح الأمن القومي المشروعة».

تبرز عبارة «نشر الكراهية» في البيانات العامة الصادرة عن المؤسسات الأكاديمية عند محاربة المفاهيم السياسية غير المرغوب فيها. ويواجه الأكاديميون والطلاب والأقسام المتهمون بنشر الكراهية، والتي هي في الواقع مجرد شكل من أشكال حرية التعبير، الطرد والتفكيك.

لكن مؤسسة قطر وجدت القرار مثيرا للقلق، قائلة إنه نتاج عن حملة تضليل. وقالت المؤسسة في بيان على موقع X: «من المخيب للآمال للغاية أن تقع مؤسسة أكاديمية تحظى باحترام عالمي مثل جامعة تكساس إيه آند إم ضحية لمثل هذه الحملة وتسمح للسياسة بالتسلل إلى ثنايا صنع القرار فيها».

اقرأ أيضًا: التعليم العالي و«اشتباكات السياسة».. ماذا وراء إغلاق حرم جامعة تكساس إي آند إم في قطر؟

ومن طرد أعضاء هيئة التدريس إلى طرد الطلاب وإغلاق الأقسام والجامعات، تحارب السلطات الغربية حرية التعبير والفكر من خلال تقييد الأوساط الأكاديمية. إن المحاولة المباشرة لفرض أيديولوجيات معينة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو دينية، تتفاقم مع الأحداث والتغيرات العالمية، مما يؤدي إلى تخويف بعض القوى السياسية والحكومات.

وبينما تدعو الاحتجاجات في الشوارع في جميع أنحاء العالم إلى حرية التعبير، تمارس بعض القوى المعايير المزدوجة المتمثلة في استحضار الليبرالية لخدمة مصالحها الخاصة على حساب السماح للمجتمعات بالتقدم. 

وبينما تعدّ محاولات السيطرة على المجتمعات من خلال الفكر والتعبير ممارسة قديمة، إلا أن الأساليب المستخدمة اليوم أكثر صرامة وتقدمًا.

ومع ذلك، يزيد انتشار المعلومات الذي نشهده اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب أدوات التوثيق المتاحة لتخزين المعلومات، من صعوبة نجاح فرض الرقابة واحتواء البيانات، مثل تلك التي يحاول صناع السياسات في الغرب فرضها.

لمزيد من دراسات الحالة حول الموضوع المطروح، يرجى الاطلاع على المقالات والتعليقات على الروابط أدناه:

   ·      “Harvard President Resigns amid Controversy over Anti-Semitism Hearing” 

·      “How Are Harvard, Penn Presidents Responding to Campus Anti-Semitism Row?” 

·      “Elizabeth Magill: UPenn Loses $100m Donation After House Antisemitism Testimony” 

·      “H.Res.927 — Condemning Antisemitism on University Campuses and the Testimony of University Presidents in the House Committee on Education and the Workforce

·      “US House Committee Threatens Harvard University with Subpoena for Antisemitism Documents

·      “Against Hatred” [Yale University president’s statement addressing antisemitism and Islamophobia]

·      “Harvard Students Blame ‘Apartheid Regime’ for Israel-Gaza War, Alumni React” 

·      “UK Professor Suffered Discrimination Due to Anti-Zionist Beliefs, Tribunal Rules

·      “Charities Report Rise in Antisemitism and Islamophobia at Schools in England” 

·      “Statement Regarding My Sacking from the Max Planck Institute of Social Anthropology” 

·      “The IHRA Definition of Anti-Semitism Has No Place on Australian Campuses

·      “Three Palestinian Students Aged 20 Shot in Vermont, US: What to Know

·      “New Study Highlights Campus Antisemitism ‘Hot Spots’

·      “Campus Vote on Antisemitism Resolution Is Microcosm of National Debate

محجوب الزويري أستاذ التاريخ المعاصر والسياسة في الخليج، ومدير مركز دراسات الخليج بجامعة قطر. فرح القواسمي، مساعدة أبحاث في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى