أخبار وتقارير

تفاعل عربي مع رحيل يعقوب الشاروني رائد أدب الأطفال

شيَّعت مصر، السبت، رائد أدب الأطفال، يعقوب الشاروني، الذي وافته المنية، قبل يومين، عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد مسيرة إبداعية امتدت لعقود، أضاف خلالها مئات العناوين إلى مكتبة الأطفال واليافعين العرب، وحصد عنها العديد من الجوائز.

وإلى جانب التقدير الرسمي المصري، لاقى خبر رحيل الشاروني، تفاعلًا عربيًا، وتواترت عبارات الرثاء، معددة مآثر داعية التفكير النقدي الذي نذر حياته لأدب الأطفال والدراسات النقدية ذات الصلة.

ونعته وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة نيفين الكيلاني، قائلة: «فقد أدب الطفل في الوطن العربي أحد أبرز روَّاده، كاتبًا مبدعًا أثرى المكتبة العربية بالمئات من الأعمال الأدبية الخاصة بالطفل، ليرحل تاركًا أثرًا سيبقى حاضرًا في وجدان كل مصري وعربي من خلال كتاباته الفريدة».

ووصف رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، الدكتور أحمد بهي الدين، المشروع الثقافي للشاروني بالعظيم. وقال، في بيان، إن إنتاجه الأدبي أقل ما يوصف به أنه شديد الغزارة، شديد التنوع، شديد التأثير. وأضاف: «أثْرت كتبه مكتبة الطفل العربية بعدد كبير من الأعمال؛ حيث كتب للأطفال نحو 400 عمل، استلهم في معظمها التراث العربي والمصري، فضلًا عن صالونه الثقافي الشهري، الذي كان يعقده في منزله لكتَّاب الأطفال، لمناقشة أعمال، أو أفكار، أو قضايا أدب الطفل».

واختارت اللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تنطلق فعالياته في غضون أسابيع، اسم الشاروني شخصية لمعرض الطفل، في دورته الخامسة والخمسين، نظرًا لـ«تأثيره في أجيال وأجيال من القراء والكتَّاب، ولدوره الرائد في مجال أدب الطفل».

ويشمل التكريم الرسمي للكاتب الراحل، إصدار عددٍ من مؤلفاته، بالتنسيق مع أسرته، وإعداد كتاب احتفائي، يضم شهادات لمؤلفين من مصر، ودول عربية، والصين، والهند، وإيطاليا.، تحت عنوان: «في محبة يعقوب الشاروني».

اقرأ أيضًا: (الأكاديمية المصرية ياسمين مطاوع لـ«الفنار للإعلام»: أدب الأطفال أمام فجوة بين العمل البحثي والمؤسسي).

ولد الكاتب الراحل في العاشر من شباط/فبراير من العام 1931 بالقاهرة. نال درجة الليسانس في الحقوق في أيار/مايو 1952، وبعد ثلاثة أعوام من التخرج، اجتاز دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم نال درجة مماثلة في الاقتصاد التطبيقي من الجامعة نفسها، في العام 1958.

بعد نشره المئات من الأعمال الأدبية الخاصة بالأطفال، استحق يعقوب الشاروني العديد من الجوائز المحلية والدولية المخصصة لهذا المجال، ومنها: جائزة الدولة التقديرية في مجال الآداب عام 2020.

نشاط أكاديمي

إلى جانب انشغاله الدائم بثقافة الطفل، عبر مواقع متعددة، في العمل التنفيذي، والثقافي، والصحفي، عمل الشاروني كذلك أستاذًا زائرًا لتدريس أدب الطفل في عدد من الجامعات المصرية.

«رحل عن عالمنا الكاتب يعقوب الشاروني، أحد رواد أدب الأطفال في مصر والعالم العربي، ترك أكثر من 400 كتاب للطفل، وعشرات الدراسات، وفاز بالكثير من الجوائز الدولية في المجال الذي برع فيه».

علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية

وفي العام 2019، اختارت الأمم المتحدة روايته «ليلة النار» ضمن أفضل الروايات العربية لتحقيق هدف محاربة الفقر، والتوعية بأهمية قيم وأهداف التنمية المستدامة لدى الأطفال والشباب. وكان الشاروني قد فاز عن الرواية نفسها بـ«مرتبة الشرف» كواحد من أفضل كُتاب الأطفال عالميًا من قبل المجلس العالمي لكتب الأطفال واليافعين (IBBY)، والذي يقدم جائزة هانز أندرسن الدولية لمؤلفي ورسامي كتب الأطفال والبالغين من كل أنحاء العالم.

وعن مسيرته تلك، يقول الناقد والكاتب المصري، إيهاب الملَّاح، في تصريح لـ«الفنار للإعلام»: «كان يعقوب الشاروني بين اسمين أو ثلاثة من المصريين الذين قدموا أعمالًا في مستوى الأعمال المترجمة من الأدب العالمي، والتراث الحكائي، مثل هانز كريستيان أندرسن، وغيره».

وأضاف: «نتحدث عن تاريخ وإسهام عظيم جدًا. قيمة الشاروني ليست في كتاباته التي قدمها للأطفال فحسب، وإنما يشمل دوره العظيم التشجيع على القراءة، وتهيئة أذهان هذه الشرائح العمرية المبكرة لتنشيط الخيال، والاستعداد لتلقي المعارف المختلفة، والانتقال إلى مراحل أكثر تطورًا».

دراسات نقدية

بالإضافة إلى ما أصدره من مؤلفات، أنجز الشاروني عشرات الدراسات العلمية عن الأطفال، وتُرجمت أعماله إلى خمس لغات منها الإنجليزية والفرنسية.

وخلال مسيرته مع الكتابة، قدَّم الشاروني، دراسة عن رائد أدب الأطفال، كامل كيلاني، في العام 1986، عن المركز القومي لثقافة الطفل، التابع للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، تحت عنوان: «فن كتابة قصة الأطفال عند كامل كيلاني».

وعاب الشاروني، في احتفالية بعطائه الإبداعي، قبل أعوام، على بعض كتاب أدب الطفل المعاصرين انفصالهم عن مجتمعهم فيما يتناولونه من موضوعات، أو طرح لقضايا الطفل، قائلًا: «بعض الكتاب اليوم يسيرون على نهج أديبنا الكبير الراحل كامل الكيلاني الذي بدأ كتاباته للطفل عام 1927، ويتبنون نفس القيم والمعالجات التي طرحها رغم تغير المناخ التربوي والنفسي والمجتمعي».

وأضاف: «كاتب الأطفال، أو الكاتب بشكل عام، لابد أن يعيش عصره.. يعيش التطورات التي تجري في عصره. إذا لم يدرك الكاتب التغير الذي يحدث في مجتمعه، والقضايا التي يهتم بها المجتمع، أعتقد أنه سيتخلف كثيرًا عن القارئ».

ورأى كاتب الأطفال الراحل أن هناك تقصيرًا عربيًا في إصدار دراسات وكتب النقد لأدب الطفل بحجة أنها لا تحقق مبيعات جيدة. وقال إن هذا يؤثر سلبًا على تطور فن الكتابة للأطفال الذي هو في أمس الحاجة لمواكبة التطورات المتلاحقة، وتقديم كل جديد «للقارئ الصغير». وأضاف: «نحتاج حركة نقد حقيقية .. حركة نقد رئيسية حول أدب الأطفال. الناشرون بوجه عام يرفضون، للأسف، نشر أي دراسات عن نقد أدب الأطفال».

داعية التفكير النقدي

وفي مقابلة سابقة، دعا الشاروني إلى تنمية الفكر والعقل النقدي. وشدد على أهمية تربية الأطفال على «التفكير الناقد»، والقدرة على التعبير عن النفس. وتحدث عن أعماله ذات الصلة بقيم التفكير النقدي، قائلًا: «أشعرتُ الطفل أن في قدرته التعبير عن رأيه، فمواثيق الأمم المتحدة ذات الصلة تؤكد على حق كل طفل في إبداء رأيه، وأن تصل إليه المعلومات السليمة». ودعا أيضًا إلى إشراك الأطفال في عملية التعلم.

تفاعل عربي

وتفاعل مثقفون وأكاديميون عرب مع رحيل يعقوب الشاروني، حيث كتب رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، والأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب، علي بن تميم، عبر موقع «إكس»: «رحل عن عالمنا اليوم الكاتب يعقوب الشاروني، أحد رواد أدب الأطفال في مصر والعالم العربي، ترك أكثر من 400 كتاب للطفل، وعشرات الدراسات، وفاز بالكثير من الجوائز الدولية في المجال الذي برع فيه».

«نتحدث عن تاريخ وإسهام عظيم جدًا. قيمة الشاروني ليست في كتاباته التي قدمها للأطفال فحسب، وإنما يشمل دوره العظيم التشجيع على القراءة، وتهيئة أذهان هذه الشرائح العمرية المبكرة لتنشيط الخيال، والاستعداد لتلقي المعارف المختلفة، والانتقال إلى مراحل أكثر تطورًا».

الناقد والكاتب المصري إيهاب الملَّاح

واستشهد بن تميم بما قالته الدكتورة سهير القلماوي، التي تعد من أبرز الأسماء المصرية في ريادة النقد الأدبي، في تقرير اللجنة التي منحته جائزة أحسن كاتب أطفال سنة 1981، حيث قالت: «إن أسلوب الأستاذ يعقوب الشاروني، بالنسبة لما يجب أن يكون للأطفال، قد حقق آفاقا بعيدة المدى، سهولة وبساطة وتعليمًا. إنه أسلوب واضح المعالم، مُستجيب لكل ما نطمع فيه من حيث اللغة التي نــُخاطب بها الأطفال».

ووصفت الأكاديمية الجزائرية، الدكتورة عائشة رماش، أستاذة الأدب العربي بجامعة باجي مختار عنابة، الشاروني بأنه «قطب من أقطاب أدب الطفل وثقافته في مصر والوطن العربي». واعتبرته «آخر الرواد» في هذا المجال.

وكتبت عبر حسابها على موقع «فيسبوك»: «كانت لي مع هذه الثلة العظيمة، والمتميزة من أدباء مصر المتخصصين في الكتابة للطفل العربي ذكريات لا تنسى، حيث استقبلني هؤلاء أحسن استقبال في بيوتهم، وزوّدوني بكل المراجع والمصادر التي لم أجدها إلا عندهم. وكانت لي مع المرحوم وابنته المحترمة ذكريات جميلة في مصر وكانت أفضالهم علي كبيرة لن أنساها ما حييت، تُوِّجت بمناقشة أول رسالة دكتوراه متخصصة في أدب الطفل في جامعة باجي مختار عنابة سنة 2009».

اقرأ أيضًا:

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى