مقالات رأي

أبرزها ChatGPT.. كيف تستجيب الجامعات لتحديات روبوتات الذكاء الاصطناعي؟

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

في الثلاثين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أطلقت شركة «أوبن إيه آي»، روبوت دردشة يعمل بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يُدعى (ChatGPT)، ويمكنه تقديم إجابات عن الأسئلة، إلى جانب تمتعه بالعديد من الإمكانيات الأخرى.

وباستخدام روبوت الدردشة الذي يعمل بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يمكن لأي شخص إدخال سؤال والحصول على إجابة فريدة. ويختلف ذلك عن البحث على شبكة الإنترنت، الذي يتعرف على النص الموجود بالفعل. ويعتمد هذا الروبوت على المعلومات المتاحة وينتج استجابة فريدة، بما في ذلك الرد على الأسئلة المعقدة ومتعددة الأجزاء، إلى جانب سرد المراجع.

وهناك قيود تحد من كفاءة استخدام هذا الروبوت، ولكن من المرجح معالجتها بسرعة. وإلى جانب الدهشة من هذه التطورات المذهلة في مجال الذكاء الاصطناعي، فإنها تطرح تحديات خطيرة. فقد ظهرت مخاوف بشأن نهاية تلوح في الأفق لبعض المهن. وبالنسبة لقطاع التعليم، تفرض هذه التكنولوجيا تحديات تتعلق بالنزاهة الأكاديمية، حيث يمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي طرح إجابات قصيرة ومقالات أطول لا تكتشفها البرامج المستخدمة حاليًا لتحديد الانتحال الأكاديمي.

وكما هو الحال مع التطورات التكنولوجية الأخرى، مثل تكنولوجيا التعرف على الوجه، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يكرر أيضًا التحيزات الإشكالية، ويقدم توصيات غير أخلاقية. فما الذي يجب أن تفعله الجامعات والأساتذة إزاء ذلك؟

إعادة تصور التقييمات

اليوم، لا بد أن نعيد تصور التقييمات. وبداية من الإجابات القصيرة إلى المقالات النهائية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطرح إجابات في ثوانٍ. وقد يفترض المعلمون أنه يمكن إعادة تصميم الواجبات الدراسية بشكل إبداعي لتقليل احتمالية عمليات الإرسال التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يمكن توجيه الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى باستخدام مجموعة واسعة من التنسيقات (مثل الكتابة بأسلوب خطاب أو قصيدة). ويتعين تغيير التقييمات ببعض الطرق مثل الاعتماد على مناهج مألوفة (على غرار الاختبارات الشخصية والامتحانات الشفوية) بينما يتطلب البعض الآخر أشكالاً جديدةً (مثل وضع خريطة تصورية، أو خريطة نظامية باستخدام النقاط التي طرحت للنقاش في قاعات الدراسة، وإنتاج بودكاست أو مدونة فيديو).

اقرأ أيضًا: (حوارات «الفنار للإعلام»|وظائف المستقبل في ظل فجوة المهارات.. من أين نبدأ؟).

https://www.bue.edu.eg/

وقد تحظى أشكال التدريس التي كانت تجريبية (مثل الفصول الدراسية المعكوسة) بأهمية أكبر، (بالإضافة إلى الأشكال الإبداعية الأخرى مثل العروض القصيرة المنتظمة على غرار الأطروحة التي تمتد لثلاثة دقائق أو محاضرات تيد). وقد يكون التقدم في التحول المستمر للمعلم بصفته مدرسًا إلى مُيّسرًا لعملية التعلم أحد المجالات التربوية الرئيسية التي يفرض الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تحولاً تعليميًا فيها.

وفي العام الدراسي المقبل، تحتاج الجامعات إلى التفكير فيما إذا كانت أهداف التعلم وبرامج الدراسة مناسبة. وسوف يقبل أرباب العمل بسرعة على تعديل ممارسات إجراء المقابلات (وتوسيع الممارسات الحالية) بحيث يجب إظهار المهارات في إطار عملية التوظيف (مثل صياغة مهمة كتابية لأغراض التواصل دون اتصال الطالب بالإنترنت، وإجراء تقييم نقدي لمشكلة ما باستخدام المواد المطبوعة فقط، وما إلى ذلك). ولكي تظل المؤسسات التعليمية ذات صلة وتقدر مسارات التوظيف، لا بد من القيام بالتغييرات اللازمة. بالإضافة إلى ذلك، قد يلزم النظر في السياسات الجديدة المتعلقة بالنزاهة الأكاديمية، لا سيَّما أنواع التقييم التي لا يمكن تعديلها والتي تجعل استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أقل جدوى.

التحول الحتمي

نظرًا لأن الذكاء الاصطناعي تحول إلى أداة يمكن للجميع استخدامها بشكل متزايدٍ، تحتاج الجامعات إلى التأكد من تحويل التغير في نتائج التعلم والمهارات بطريقة مكملة للتطورات في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بدلًا من محاولة ممارسة لعبة لا تنتهي للحاق بالركب (وترك الطلاب وراء أقرانهم الذين تعلموا كيفية دمج التقنيات الجديدة واستخدامها). ما الأمثلة الممكنة لذلك؟ يمكن دمج الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم والتقييم.

يمكن أن تتحول المهام الدراسية من هذا النوع بعيدًا عن الإجابات السريعة إلى تطوير الملف الذي يحتوي على واجبات متكررة. والأهم من ذلك، تحتاج تجربة الطالب إلى التحول نحو اكتساب المعرفة والمهارات المكملة للتقدم التكنولوجي. ولكن ما هي المهارات التي قد يحتاج إليها المتعلمون في المستقبل، والتي يجب على المعلمين التكيف معها لتمكينها؟ أذكر فيما يلي خمس مهارات:

التفكير النقدي: يتعين على الطلاب تطوير مهارة طرح الأسئلة الصحيحة والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بشكل نقدي. كما أنهم بحاجة إلى التفكير في ما إذا كان أي من وسائل الذكاء الاصطناعي قد طرحت إجابات غير صحيحة أو غير كاملة؟ وهل يتم النظر في جميع البيانات ذات الصلة؟ وفي حال عدم النظر في بعض البيانات، لماذا حدث ذلك؟ وكيف يمكن للمرء التعرف على التحيز؟ وقد تطرح تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بعضًا من هذه الأسئلة، لكن نهج الملف التعليمي يسمح للتعلم بتحويل الرحلة، التي يمكن بعد ذلك توصيلها إلى الأقران (في قاعة الدراسة، ولكن أيضًا بمجموعة من الأشكال الأخرى).

اقرأ أيضًا: (من تصميم الأزياء إلى هندسة الجيوماتيك.. برامج نوعية لطلاب جامعة رايرسون الكندية في مصر).

التفكير الأخلاقي: تحتوي أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على تحيزات ضمنية بسبب البيانات التي تستخدمها. وقد أمكن تحديد هذه التحيزات بفعل التطورات التكنولوجية السابقة، كما هو الحال في برامج التعرف على الوجه، وكذلك في أنظمة الذكاء الاصطناعي المتاحة حاليًا لإنشاء المحتوى. وسيحتاج جميع المتعلمين والمعلمين للوصول إلى فهم أعمق ومشاركة نقدية للأخلاق والتفكير الأخلاقي بحيث تكون المسائل المتعلقة بالأخلاق في المقدمة عند طرح العديد من الإجابات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وليس فقط النظريات الأخلاقية والمسائل الأخلاقية المتنازع عليها ولكن أيضًا أنظمة الذكاء الاصطناعي ووظيفتها واستخدامها. ويتطلب تقييم ما هو غير عادل أو وضع حدود للذكاء الاصطناعي، التعامل مع مجموعة واسعة من عناصر التفكير الأخلاقي، ومن ثم ترسيخ مكانة الأخلاق باعتبارها مهارة أساسية للتعليم في عصر الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.

الدكتور لوجان كوكرين، العميد المشارك في كلية السياسات العامة بجامعة حمد بن خليفة (بإذن من المصدر).

التفكير المنظومي: لقد أبرزت الأزمة المالية والجائحة العالمية والآثار الناجمة عن النزاعات علاقة الترابط بين الاقتصاد العالمي والحكومات في جميع أنحاء العالم والإنسانية على نطاق أوسع. وقد أظهرت هذه الأحداث أيضًا الدرجة العالية من عدم القدرة على التنبؤ ببعض الأسباب والصلات والعواقب. ومن بين التحديات المتعلقة بتوقع التحديات المعقدة الناجمة عن هذه الأنواع، والتعرف عليها ومعالجتها، هو أن القيام بذلك لا يتطلب الكثير من المعلومات في العديد من المجالات فحسب، بل يتطلب أيضًا وجود نظرة ثاقبة حول كيفية تفاعل الأنظمة في المستقبل. وقد يسمح تمكين المتعلمين من الحصول على الخبرات والفرص، لفهم ديناميكيات الأنظمة المعقدة واكتساب مهارة تحديد الأولويات – بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي – بتوظيف أفضل قدرات كليهما (دون الإشارة إلى عدم اليقين وسيتم بالضرورة تقليل عدم القدرة على التنبؤ).

الإبداع: تساهم أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في طرح منتجات فكرية، ولكن هذا الطرح هو عملية موجهة تحدث إلى حد كبير ضمن حدود البيانات المقدمة أو المتاحة لهذه الأنظمة. ويتطلب الإبداع القدرة على تخيل ما هو غير موجود ورؤية الآفاق الكامنة وراءه. وتتطلب رؤية ما وراء حدود ما كان وما يمكن أن يكون، بناءً على المعالم الحالية، توظيف طرق جديدة تمامًا للتعليم والتعلم. فكّر في متى يمكن السعي لحل النزاع وتوقيع اتفاقية السلام وكيف يمكن ذلك وبأي شكل وبالتعاون مع من؟ ويمكن للذكاء الاصطناعي طرح قائمة طويلة من الأفكار، لكن المفكرين المبدعين سيتمتعون بوضع أفضل يمكنهم من معرفة كيفية تحديد أرضية مشتركة معينة ضمن نافذة فرص التدخل. وسيتطلب ذلك تعلم الانتقال من المحتوى والنظرية إلى التجريب والتعلم التجريبي بطرق أكثر موضوعية.

طرح حلول موجهة نحو المستقبل: سيكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقييم الخسارة المتوقعة للتنوع البيولوجي والتنبؤ بها، ولكن من المحتمل ألا يكون قادرًا على التنبؤ بطريقة استجابة الناس لأحداث معينة لديها القدرة على تغيير اتجاه ذلك المستقبل المتوقع. ولنتأمل الحركة العالمية التي اندلعت في أعقاب تصرفات طالب محتج واحد في السويد، أو متظاهر واحد في تونس أثار ثورات في منطقة بأكملها. فقد استحوذت هذه اللحظات على الأفراد والمجتمعات والمجتمعات بطرق لا يمكن التنبؤ بها، وغيرت المستقبل (المتوقع). وللاستفادة من نقاط القوة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، سيحتاج المتعلمون وقادة المستقبل إلى اتباع توجه لحل المشكلات وطرح الحلول للمستقبل، حيث يؤدي الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي دورًا تكميليًا مهمًا في حل المشكلات الموجه نحو المستقبل.

التحدي المتعلق بالنزاهة

لا يزال عصر الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في بدايته. وما سيكون ممكنًا في الأشهر والسنوات القادمة سيظل مدهشًا ويشكل تحديات. وعلى المستوى الأساسي، يمثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تحديًا للنزاهة في التعليم. وهذا ليس بالضرورة تحديًا جديدًا، وهو التحدي الذي يمكن أن يتصدى له تصميم المقررات الدراسية والتقييم المتعمد جنبًا إلى جنب مع مراجعات أهداف التعلم. ومع ذلك، تواجه المؤسسات التعليمية تحديًا أكثر جوهرية يتمثل في الملاءمة والارتباط في عصر الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وفي حال عدم تبني فرص الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، أو دمجها، أو اعتبارها أدوات تكميلية، سيواجه التعليم نفسه خطر تقديم مهارات قديمة وبطرق غير فعالة. ومع تحول التعليم وانتقاله في الماضي، يقدم عصر الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي دعوة واضحة للتغيير مرة أخرى.

* يشغل الدكتور لوجان كوكرين منصب عميد مشارك في كلية السياسات العامة بجامعة حمد بن خليفة.
هذا المقال مقدَّم من إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة نيابةً عن الكاتب. والآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة.

اقرأ أيضًا:

  ابحث عن أحدث المنح الدراسية من هنا. ولمزيد من القصص، والأخبار، اشترك في نشرتنا البريدية، كما يمكنك متابعتنا عبر فيسبوك، ولينكد إن، وتويتر، وانستجرام، ويوتيوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى