أخبار وتقارير

«خرج والمفروض يعد».. معرض فني يتأمل سنوات هجرة المصريين إلى الخليج

بذاكرة مشوشة بين عالمين؛ الموطن الأصلي، والغربة، خاض كثير من المصريين تجربة العمل في دول الخليج، لفترات طويلة، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهو ما يرصده، في إطار فني، معرض «خرج والمفروض يعُد» الذي يستضيفه مركز «الصورة المعاصرة» بالقاهرة، في عرض تفاعلي من تنظيم مبادرة «أنثروبولوجي بالعربي».

ويستدعي المعرض، الذي بدأ منذ مطلع الشهر الجاري ويستمر حتى نهايته، عنوان الفيلم السينمائي الشهير «خرج ولم يعد»، من إنتاج عام 1984، للمخرج المصري الراحل محمد خان، مستلهمًا ذكريات أجيال ارتبطت بأجواء وعوالم تلك الهجرة.

وجود مؤقت

يبدو المعرض بعيدًا عن المألوف سواء على مستوى الموضوع، أو العرض البصري المُستخدم للأعمال المشاركة، حيث يعتمد على تقديم الهجرة للعمل في دول الخليج عبر مقتنيات شخصية تحمل كثيرًا من ذكريات الغربة، كالرسائل المكتوبة بخط اليد، وشرائط الكاسيت، وألبومات الصور الفوتوغرافية وجوازات السفر، وهي التي كانت تستخدم جميعها للتواصل بين المسافرين للعمل بالخارج، وأسرهم في مصر، وذلك قبل سنوات من ظهور وسائل الاتصال الحديثة.

المعرض مشروع بحثي تشاركي يطرح، بشكل إبداعي، العديد من التساؤلات حول هجرة المصريين إلى الخليج، والتي لا تزال غير مدروسة أو معروضة بشكل كافٍ إلى الآن.

فرح حلابة، مؤسسة مبادرة «أنثروبولوجي بالعربي».

يضم المعرض أعمالًا فنية لخمسة عشر فنانًا، تطرح علاقتهم الشخصية بالحياة في الخليج، وتجربة الإعارة، ومدى انفعالهم بها منذ سنوات طفولتهم، أو تأثرهم بغياب الأب فترة طويلة في الخارج، حيث تلعب الذاكرة دورًا كبيرًا في طرحهم لأعمالهم حول فكرة «الحياة المؤقتة». ويساهم تصميم العرض في خلق ذلك الانطباع لدى الزوار الذين يستقبلهم، بلافتة مكتوب عليها: «وجودك هنا مؤقت».

وتبدو «حقائب» السفر من المفردات الرئيسية بالمعرض، منها ما طرحته الفنانةآية البنداري، في مشروعها المعنون: «الشيّالة» (A Carrier)، في محاولة لتأمل حقيبة السفر، وما تحمله من دلالات. ولهذا، استعانت بحقيبة سفر مفتوحة تفيض من وسطها أقمشة مطبوع عليها كلمات دالّة عن علاقتها بتجربتها الشخصية في السفر إلى الخليج. ومن هذه الكلمات: «السفر»، و«الغربة»، و«الكعبة»، و«مؤقت».

اقرأ أيضًا: (بين القدس ورام الله.. تجارب متنوعة للتشكيلي السوري حمادة مداح).

وكما تقول فرح حلابة، مؤسسة مبادرة «أنثروبولوجي بالعربي»، فإن المعرض مشروع بحثي تشاركي يطرح، بشكل إبداعي، العديد من التساؤلات حول هجرة المصريين إلى الخليج، والتي لا تزال غير مدروسة أو معروضة بشكل كافٍ إلى الآن، بحسب تعبيرها.

https://www.bue.edu.eg/

وتضيف، في تصريح لـ«الفنار للإعلام»: «لذلك يهدف المشروع إلى تقديم إنتاج معرفي أنثروبولوجي بصري حول تجربة الهجرة المؤقتة من خلال المعرض».

وهذا المعرض، تطوير لورشة عمل استمرت ثلاثة أشهر، خلال العام الجاري، حول التطلُّعات والأحلام والهجرة، من منظور أنثروبولوجي وشخصي. وتشير «حلابة» إلى تفاعل المشاركين مع العديد من المصادر حول الهجرة، ومشاعرها، ومنها كتابات الباحث وعالم الاجتماع الفنلندي صامولي شيلكا عن أحلام المهاجرين.

وقد ظهر نتاج تلك الورشة في إنتاج مطبوعة تضم مقالات وكتابات من المشاركين حول ما فعلته الهجرة إلى الخليج في ذاكرة من عايشوها، والتي تطورّت بدورها إلى العرض الفني بمركز «الصورة المعاصرة» بعد تحويلها لعروض بصرية.

وبتفصيل أكثر، تقول «حلابة» إن التطلعات والأحلام كانت المدخل الذي قاموا من خلاله بتأمل مفهوم العمالة في الخليج بوصفها هجرة مؤقتة بطبيعتها. وتوضح: «كنا نريد تناولها في المعرض كتجربة زمنية أكثر من كونها تجربة مكانية. وفي محاولتنا لفهم النسيج الزمني لهذه الهجرة، ناقشنا، باستفاضة، الآمال، والتعليم، وثقافة الاستهلاك، والحراك الطبقي».

وبسبب غياب المصادر التي تدرس هذا الأمر – وفق فرح حلابة – فقد احتاجوا في رحلة بحثهم قبل إعداد المعرض، إلى الاطلاع على الأعمال الدرامية التي تناولت العمالة المصرية في دول الخليج العربي. وتشير إلى أنهم لاحظوا أن كل هذه النماذج الدرامية «ربطت، بصورة نمطية، بين الخلل الأسري، وبين هجرة أحد أفراد الأسرة إلى الخليج».

شكل البيوت

في مشروع بعنوان: «بيوت مؤجلة»، تتأمل الفنانة لينا الشامي، خلال مشاركتها بالمعرض، ذلك التناقض بين منازل المصريين في الخليج، وبيوتهم في مصر، ففي الخليج تكون بيوتهم أكثر عملية يسودها الطابع «المؤقت» المكدس بالصناديق الكرتونية الممتلئة بقطع الديكور التي يطمحون لنقلها إلى بيوتهم في مصر عندما يستقرون، ولو بعد سنوات غير معلومة.

وعن ذلك، تقول فرح حلابة إن النظر إلى البيوت كان وسيلة لفهم ديناميكيات هذه الهجرة المؤقتة، ومحاولة إيجاد أنماط داخل أثاث المنازل في الخليج، بالمقارنة مع عملية تأثيث البيوت في مصر. وبدأ الأمر بتساؤل: «أين الصالون المذهَّب في الخليج؟».

والصالون المذهَّب هو قطعة الأثاث الثمينة المبالغ في زخرفتها، باعتبارها الواجهة الاجتماعية للمنزل المصري في تلك الفترة من التسعينيات من القرن الماضي، مقابل الأثاث العملي لمنازل المهاجرين في الخليج، وهو ما يقود إلى فهم مختلف لفكرة الانتماء إلى البيوت في الخليج، والبيوت الأخرى في الوطن، بحسب تعبير «حلابة».

«لم نقصد أن يخاطب المعرض مشاعر الحنين لدى المتفرج؛ فالحنين شعور مُخدّر أحيانًا، بينما كنا نريد اكتشاف وتقليب تساؤلات حول تجربة الهجرة بشكل نقدي».

فريدة يوسف، القيّم الفني للمعرض.

ومن أجل مزيد من الرؤية البصرية للمعرض، دعا القائمون على المعرض، الجمهور، عبر الإنترنت، إلى إرسال صور لبيوتهم في الخليج، لمحاولة الوقوف على فكرة البيت المؤقت والبيت الدائم. ويضم المعرض أرشيفًا لتلك الصور، ومعها كلمات مرفقة من المشاركين، والزوار، تاركين انطباعاتهم حول سنوات الاغتراب.

عقب انتهاء مرحلة الكتابة، وتوثيق تساؤلات المشاركين في ورشة العمل، حول الهجرة، انضمت فريدة يوسف، القيّم الفني للمعرض، إلى فريق العمل، لتتولى مهمة معالجة تلك الأفكار وتطويرها لمرحلة العرض الفني.

وتقول، في تصريح لـ«الفنار للإعلام»: «كان دوري يتمثل في تطوير الأفكار المكتوبة، والمساعدة في تطويرها لأعمال بصرية. كنا نفكر، مع المشاركين، في المساحات، ومعالجة الفكرة بحيث يمكن مشاهدة كل عمل بشكل مستقل، أو أن يكون متصلًا بالأعمال المجاورة له، لنخلق حالة مشاهدة للزوار، أقرب إلى الرحلة».

وتضيف، «يوسف»، وهي حاصلة على الماجستير في فلسفة الفن من كلية لندن الجامعية، أنها كانت تطمح إلى بناء تجربة عرض مختلفة، مع كل زائر للمعرض، على اختلاف هويات الجمهور، سواء ممن لديهم خبرة في مشاهدة العروض الفنية الاحترافية، أو ممن سبق أن سافروا إلى الخليج من قبل، أو أولئك الذين يشاهدون عرضًا فنيًا تفاعليًا للمرة الأولى.

وتشرح غايتهم من الحدث، فتقول إنهم لم يرغبوا في أن يتحول إلى معرض حول الحنين بقدر ما كانوا يريدون إثارة التساؤلات، وتأمل الأفكار حول الهجرة المؤقتة للخليج، من خلال الأعمال الفنية المتنوعة. وتوضح: «لم نقصد أن يخاطب المعرض مشاعر الحنين لدى المتفرج؛ فالحنين شعور مُخدّر أحيانًا، بينما كنا نريد اكتشاف وتقليب تساؤلات حول تجربة الهجرة بشكل نقدي».

اقرأ أيضًا:

هل ترغب في دراسة الفنون؟ إليك التخصصات وفرص الخريجين في سوق العمل

ابحث عن أحدث المنح الدراسية من هنا. ولمزيد من القصص، والأخبار، اشترك في نشرتنا البريدية، كما يمكنك متابعتنا عبر فيسبوك، ولينكد إن، وتويتر، وانستجرام، ويوتيوب.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى