fbpx


ميّاسة النعمة.. باحثة عراقية تفتح باب الأمل لعلاج مرضى الشيزوفرينيا بدواء جديد

/ 19-04-2022

ميّاسة النعمة.. باحثة عراقية تفتح باب الأمل لعلاج مرضى الشيزوفرينيا بدواء جديد

في خطوة قد تحمل أملًا جديدًا لملايين المصابين بالفصام، أو ما يعرف بالشيزوفرينيا، حول العالم، حددت ميّاسة النعمة، وهي باحثة عراقية في مجال الكيمياء الصيدلانية، هدفًا دوائيًا محتملًا، من شأنه أن يمهد الطريق لتصنيع علاج لهذا المرض.

في بحثها لنيل درجة الدكتوراه بجامعة UCSI الماليزية، والمنشور بمجلة «السوائل الجزيئية» Journal of Molecular Liquids، حددت «النعمة» مركبًا يمكنه تثبيط إنزيمين في الدماغ مرتبطين بأعراض مرض الفِصام، ووجدت أن المركب يساعد في تخفيف الأعراض في نماذج الفئران المصابة بالمرض. وقد حصل البحث على جائزة تقديرية من معرض ماليزيا للتكنولوجيا الافتراضي في تشرين الأول/ أكتوبر 2021.

استلهمت «النعمة»، المولودة في بغداد، فكرة التركيز على عقاقير مرض الفِصام، بعد حصولها على منحة دراسية لنيل درجة الماجستير في الكيمياء الصيدلانية بالجامعة نفسها في العام 2016.

في مقابلة عبر تطبيق «زووم»، قالت الباحثة العراقية لـ«الفنار للإعلام» إنها كانت ترغب في دراسة التكنولوجيا الصيدلانية، لكن البرنامج لم يكن متاحًا في ذلك الفصل الدراسي. ورغم أنها لم تكن شغوفة بالكيمياء، ولم يكن لديها خيار آخر، إلا أن لحظة الإلهام بالنسبة لها، جاءت عندما ذكر أحد المحاضرين موضوع «الالتحام الجزيئي» Molecular Docking، وهي تقنية تستخدم برنامج حاسوب للتنبؤ بكيفية تصرف المركب المستهدف في مواقف مختلفة، وبالتالي تساعد في تحديد الأدوية الجديدة المحتملة.

عن تلك اللحظة، قالت إن هذا ما كانت تريد القيام به بالضبط. وعلى مدار العامين التاليين، عملت على تحديد مركب يمكنه علاج أعراض الفِصام، بشكل أفضل من الأدوية المضادة للذُهان شائعة الاستخدام راهنًا. وفي عام 2018، حصلت على درجة الماجستير في العلوم، وفازت بمنحة للحصول على درجة الدكتوراه في نفس الجامعة.

نهج علاجي جديد

«عقارنا لم يسبب أي أعراض مهدئة أو اضطرابات حركية. ربما لن تنتج مثل هذه الآثار الجانبية. ومع ذلك، نحن بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد ذلك».

ميّاسة النعمة   باحثة عراقية

الشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية عبارة عن اضطراب عصبي نفسي شديد، يتميز بثلاثة أنواع من الأعراض. تُصنف هذه الأعراض إلى أعراض إيجابية (مثل الهلوسة، والأوهام، واضطرابات الحركة)، وأعراض سلبية (مثل قلة الاهتمام، وتراجع التعبير العاطفي، والانسحاب الاجتماعي)، وأعراض معرفية (التفكير غير المنظم، وضعف القدرة على التواصل.. إلخ).

وبينما لم تحدد الأبحاث سببًا واحدًا لمرض انفصام الشخصية، يشتبه العلماء في تورط مجموعة من العوامل الجينية والبيئية في حدوث هذا الاضطراب. كما أن الخلل في نظام «الدوبامين» في أجزاء مختلفة من الدماغ، متورط بشدة كسبب لمرض انفصام الشخصية.

وتوضح «النعمة» أن الأعراض الإيجابية للاضطراب تتطور عندما يرتفع «الدوبامين» في «النواة المتكئة» (nucleus accumbens)، وهي منطقة في الدماغ تختص بالتحفيز والمكافأة والإدمان. في الوقت ذاته، ينخفض الدوبامين في «قشرة الفص الجبهي» في الدماغ، مما يؤدي إلى ضعفٍ في الإدراك. وتضيف أن الأدوية المضادة للذُهان المستخدمة حاليًا لعلاج الفصام تقلل من ارتفاع مستوى الدوبامين في «النواة المتكئة» وتعالج بذلك الأعراض الإيجابية.

ومع ذلك – والكلام للباحثة العراقية – تقلل هذه الأدوية مستوى الدوبامين المتناقص بالأصل في قشرة الفص الجبهي، مما يؤدي إلى تفاقم الأعراض السلبية والمعرفية. وتشير إلى ن هذه الأدوية تؤثر أيضًا على منطقة الدماغ المعنية بالتحكم الإرادي بالحركة، مما يؤدي إلى حدوث «حركات لا إرادية، ورعاش، وأعراض شبيهة بمرض باركنسون، وهذا ما يدفع المرضى في الغالب إلى التوقف عن استخدام الدواء».

ستة ملايين مركب محتمل 

تمثلت خطة «النعمة» في إيجاد دواء يمكنه علاج جميع أعراض الاضطراب. وركز بحثها على اثنين من الإنزيمات في عائلة «الفوسفوديستيراز» (PDE)، وهما: PDE1B وPDE10A، والتي تتواجد بكثرة في مناطق الدماغ المتورطة بتطور مرض انفصام الشخصية. وعن ذلك تقول: «وجدنا أنه إذا ما قمنا بتثبيط إنزيم PDE1B في قشرة الفص الجبهي، فإنه يمكن أن يزيد مستوى الدوبامين المنخفض وتحسين الأعراض المعرفية».

تضمنت فرضية «النعمة» تحديد مركب يثبط إنزيمي PDE1B وPDE10A، وبالتالي علاج الفئات الثلاث لأعراض الفصام. وباستخدام طرق اكتشاف الأدوية بمساعدة الكمبيوتر، حددت الباحثة العراقية ثلاثة مثبطات محتملة من أصل ستة ملايين مركب في مكتبة افتراضية تسمى قاعدة بيانات ZINC. وفي اختبارات أخرى، وجد الفريق مثبطًا محتملًا للإنزيمين، وقامت شركة صناعات دوائية بتصنيع المركب للفريق، حتى يتمكنوا من دراسة تأثيره على الحيوانات.

نتائج واعدة على الفئران

بهدف اختبار فاعلية المركب، قام الفريق بإحداث أعراض مشابهة لأعراض الفِصام في الفئران عن طريق حقنها بمادة «الكيتامين»، والتي تؤدي جرعة واحدة منها إلى إحداث حالة من فرط النشاط والإثارة في الفئران، مما يحاكي الأعراض الإيجابية لمرض انفصام الشخصية لدى البشر. وقد أثبت المركب فاعليته في تقليل هذه الأعراض.

«يحظى الإنزيمان اللذان عملتُ عليهما بكثيرٍ من الاهتمام الآن. في المستقبل، ربما في غضون 10 سنوات أو أكثر، يمكن أن يكون مركبنا هدفًا لإنتاج عقارٍ جديد».

ميّاسة النعمة  

وقالت «النعمة»: «عقارنا لم يسبب أي أعراض مهدئة أو اضطرابات حركية. ربما لن تنتج مثل هذه الآثار الجانبية. ومع ذلك، نحن بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد ذلك». كما تحاكي الفئران التي تم حقنها بالكيتامين لمدة 10 أيام الأعراض السلبية لمرض انفصام الشخصية؛ حيث تختار الركون في أقفاصٍ فارغة وظهرت عليها علامات الانسحاب الاجتماعي. قالت «النعمة» إنه مع العقار الجديد، عاود الفأر الاختلاط اجتماعيًا مرة أخرى، ودعوة الفئران الأخرى للعب.

ودرس الفريق، الأعراض المعرفية عن طريق اختبار قدرة الفئران على التعرف على الأشياء في صناديقها. قالت «النعمة» إنهم عندما وضعوا أشياءً متطابقة مثل العبوات الفارغة، بدأت الفئران الفضوليّة في الاستكشاف، وفي اليوم الثاني، قام الفريق بتغيير أحد الأشياء، بوضع مكعب، على سبيل المثال. وفي العادة، يجب أن يستكشف الجرذ الشيء الجديد، أما إذا كان يعاني من مشكلة إدراكية، فلن يتعرف على أي شيء وقد يقضي وقتًا أطول في استكشاف ذات الشيء القديم. وتعلق: «ساعد الدواء في علاج هذه الأعراض أيضًا».

في ختام التجارب، وجدت الباحثة العراقية أن المركب أثبت فاعليته العالية، وأنه «أفضل بكثير» من عقار «ريسبيريدون»، وهو مضاد غير نمطي للذُهان يستخدم حاليًا لعلاج المرض.

من جهته، يتفق المشرف على بحث «النعمة»، الدكتور أناند غوراف، الأستاذ المساعد ورئيس الأبحاث في كلية العلوم الصيدلانية بجامعة UCSI في كوالالمبور، بخصوص ذلك. وقال إن المركب الذي يثبط كلًا من PDE1B وPDE10A، عند تطويره بالكامل، سيساعد في التغلب على عيوب الأدوية الحالية المضادة للذهان، «ذات التأثير الضئيل، أو المعدوم على الأعراض السلبية والمعرفية».

من مناطق الصراع إلى ماليزيا.. مسيرة علمية

بعد مغادرة مسقط رأسها في بغداد التي عانت من تداعيات الغزو الأمريكي في العام 2003، درست «النعمة» الصيدلة في الجامعة العربية الدولية في سوريا. ومع نجاحها، وفي العام الدراسي الخامس والأخير من البرنامج في عام 2012، ساء الوضع الأمني في سوريا، مما أجبرها على العودة إلى العراق.

وقالت إنها لم تستطع الانضمام إلى عائلتها التي انتقلت إلى ماليزيا، لأن ذلك كان يعني حاجتها لإعادة دراسة الصيدلة من الصفر. أما في العراق فقد أعادوها إلى السنة الثالثة بسبب الاختلافات في بعض المناهج. كان ذلك مأساويًا بالنسبة لها، كما تقول، حيث انتهت من دراسة الصيدلة في سبع سنوات بدلاً من خمس. وتخرجت «النعمة» في كلية اليرموك الجامعة، وهي جامعة خاصة في بغداد، وحصلت على المرتبة الأولى على مستوى الجامعة.

وفي ماليزيا، حصلت على دبلوم متقدم في «فنون الخبز» من «أكاديمية فنون المعجنات»، وبدأت مشروع مخبزها عبر الإنترنت في عام 2016. ومع ذلك، رأت أنه لا ينبغي أن تضيع شهادتها في الصيدلة. ومن هنا، ساعدتها منحة جامعة UCSI في تحقيق حلمها. وتبدي «النعمة» امتنانها لكل من المساعدة المالية والإرشاد الذي تلقته في جامعتها. وأوضحت أن المشروع ممول بالكامل من قبل الجامعة، حيث ساعدها المشرف على بحثها كذلك في تحسين أسلوب كتابتها الأكاديمية. وهي تعمل الآن كمراجعة في بعض المجلات العلمية.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

وبدوره، يشيد الدكتور «غوراف» بقدرات الباحثة العراقية، قائلًا إنها أثبتت سرعة ملحوظة في فهم واستيعاب المفاهيم النظرية، وتعلم عناصر التصميم التجريبي، وتعلم تقنيات معملية جديدة. ويضيف أن وجهات نظرها كانت «دائمًا غير تقليدية، وتنطوي على الكثير من الإبداع».

خطط مستقبلية

بينما تعالج جميع الأدوية المستخدمة لمرضى الفصام الأعراض فقط ولا تعالج المرض، تأمل «النعمة» في إجراء المزيد من الأبحاث حول المركب الذي حددته، من خلال وظيفة باحثة ما بعد الدكتوراه. وقالت إنه لا يزال يتعين عليها إجراء الكثير من التجارب، «لكن تطوير علاج جديد ليس مستبعدًا». وفي ختام مقابلتنا معها، قالت: «يحظى الإنزيمان اللذان عملتُ عليهما بكثيرٍ من الاهتمام الآن. في المستقبل، ربما في غضون 10 سنوات أو أكثر، يمكن أن يكون مركبنا هدفًا لإنتاج عقارٍ جديد».

اقرأ أيضًا:




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام