fbpx


تعليم اللغة العربية بجامعات أوروبا.. فرص وتحديات في تجربة أكاديمية

/ 16-01-2022

تعليم اللغة العربية بجامعات أوروبا.. فرص وتحديات في تجربة أكاديمية

يسعى الأكاديمي المصري بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو بإيطاليا، وائل فاروق، إلى بناء شراكات مع مؤسسات أوروبية، بهدف تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. وجاء تأسيسه «كورال اللغة العربية» بالجامعة، كإحدى الوسائل التي يروج بها لمكانة «لغة الضاد» بين الدارسين.

يعمل «فاروق» أستاذًا للغة العربية في الجامعة الكاثوليكية بميلانو منذ العام 2013. وتولى التدريس بمعهد اللغة العربية، في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بين عامي 2001 و2004. وقد حصل على زمالة معهد «ستراوس للدراسات المتقدمة للدين والقانون»، بجامعة نيويورك، في العام 2011، كما عمل كأستاذ زائر بجامة ماشيراتا الإيطالية بين عامي 2008 و2015.

وجهت للكورال، الذي يضم جوقة منشدين، دعوات عدة، لإحياء مناسبات ذات طابع ثقافي، منها إحياء حفل جائزة «بناة الجسور» التي أقيمت بمركز نوبل للسلام، في أوسلو، مؤخرًا.

ويقول «فاروق» لـ«الفنار»: «قمنا بإنشاء كورال من الطلاب الإيطاليين الذين يغنون الأغاني العربية، وينشدون الشعر العربي القديم في الجامعة الكاثوليكية، وقد حقق شهرة معتبرة، وتمت دعوته لإحياء احتفالات ذات طابع ثقافي في أكثر من عاصمة».

«قمت في سبيل ذلك مثلًا، بتوظيف بعض مبادئ علم العروض (علم أوزان الشعر العربي)، لتيسير القراءة على الطلاب، ورفع حساسيتهم بموسيقى اللغة وإيقاعها».

وائل فاروق   أستاذ الدراسات العربية بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو بإيطاليا.

ويرى «فاروق» أن واقع تعليم اللغة العربية، اليوم، «أفضل» مما كان عليه في الماضي، حيث يشير إلى «ازدياد» عدد الأقسام التي تطلق برامجًا لتدريس اللغة العربية. ويضيف: «لا توجد جامعة إيطالية كبيرة لا توفر لطلابها، اليوم، إمكانية تعلم اللغة العربية».

ومع اقتصار تخصيص أقسام للغة العربية وآدابها، على عدد قليل من جامعات المدن الكبرى، في إيطاليا، مثل: نابولي، وروما، وميلانو، وفينيسيا، يشير الأكاديمي المصري إلى أنه إذا نظرنا إلى هذا الواقع من ناحية الجودة، فسنجد معظم هذه الجامعات «تتبنى مناهج تقليدية» في تدريس اللغة العربية، حيث لا تفرق بين تدريس العربية لأبنائها، وتدريسها للناطقين بغيرها، فتكرس بذلك «الصورة النمطية الزائفة» عن صعوبة اللغة العربية واستحالة إتقانها.

بدورها، تطور الجامعة الكاثوليكية منهجًا لدراسة وتدريس اللغة العربية، وضعه «فاروق» في كتاب أصدر منه جزئين، ويستعد لإصدار الجزء الثالث منه في آذار/مارس المقبل.

ويعتمد الكتاب، بحسب مؤلفه، على دراسة نقدية لنظريات تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، من أجل دمج عناصر القوة، من كل نظرية، في بناء جديد منسجم، يجمع بين أصالة المادة التعليمية العربية، وعدم اختزال ما يمنح اللغة هويتها وخصوصيتها، وانسيابية ومرونة المنهج التواصلي الذي يركز على الواقع المعيش للغة، وينفر من التنظير والتجريد.

ويوضح «فاروق» رؤيته بالقول: «قمت في سبيل ذلك مثلًا، بتوظيف بعض مبادئ علم العروض (علم أوزان الشعر العربي)، لتيسير القراءة على الطلاب، ورفع حساسيتهم بموسيقى اللغة وإيقاعها. وقد نجح هذا المنهج في الوصول بالطلاب إلى المستوى المتقدم في ١٢٠ ساعة تدريس، كما نجح في تقليل تسرب الطلاب إلى أقل من ١٠٪ بعد أن كان يصل إلى ٦٠٪».

ويؤكد أنه «بفضل هذا المنهج، زاد عدد الطلاب الدارسين للعربية، بشكل ملحوظ، ووصل قبل حلول جائحة كورونا إلى أكثر من ٥٠٠ طالب» .

وائل فاروق أستاذ الدراسات العربية بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو بإيطاليا يحاضر طلابه.
وائل فاروق أستاذ الدراسات العربية بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو بإيطاليا يحاضر طلابه.

وينظم «فاروق»، مع فريق من طلابه، أنشطة وثيقة الصلة بالثقافة العربية، إذ يستضيف مفكرين وأدباء عرب، للحديث مع الطلاب في جلسات مفتوحة، بهدف التعرف على واقع الثقافة العربية، مع التركيز على الأدب والفكر والترجمة، وغير ذلك مثل الفنون التشكيلية والعمارة، والسينما، والمسرح، والموسيقى. وطيلة سبع سنوات دراسية قضاها الأكاديمي المصري بالجامعة، لم يمر شهر واحد دون تنظيم تلك الأنشطة.

لكن هذه المبادرات تعاني – يقول «فاروق» – من العقبات المالية، وأزمات التمويل، لأن المؤسسات العربية «تبخل أحيانًا بالدعم، أو توجهه إلى ما يجلب اهتمام الإعلام».

ويضيف: «أنت عندما تُعلّم أبناء ثقافة أخرى، وأبناء مجتمع آخر لغتك، فإنّ الكثير من هؤلاء يصبحون متضامنين معك ومع قضاياك، ويتبنّون بالضرورة مواقفك، أمّا أن تترك تدريس لغتك لكارهيها وأعدائها، فأنت تربي أجيالاً جديدة من العداوة، ومن إساءة الفهم لهذه الثقافة، فيتمّ التضيق عليك لأسباب ثقافية».

«هذه المبادرات تعاني من العقبات المالية، وأزمات التمويل، لأن المؤسسات العربية تبخل أحيانًا بالدعم، أو توجهه إلى ما يجلب اهتمام الإعلام».

وائل فاروق  

في هذا السياق، تنظم الجامعة الكاثوليكية بميلانو، «أكبر حدث ثقافي عربي»، في القارة الأوروبية، عبر مؤتمر سنوي للثقافة العربية، وعلى مدى خمس دورات متتالية، شارك فيه أكثر من ستين كاتبًا، ومفكرًا، وفنانًا، من ١٩ دولة.

وبعد سنوات من العمل في أوروبا، تكرست لدى «فاروق»، قناعة بأن كل  ما يعاني منه العرب يحدث «نتيجة التقصير» في تدريس الثقافة اللغة العربية في الغرب، لذلك فإن التركيز على البعد الثقافي «أهم ما يميز» تجربة تدريس اللغة العربية في الجامعة الكاثوليكية، لأن تدريس العربية متصل، بعمق، بكل التجليات الثقافية لهذه اللغة.

وحسب قوله، فقد فتحت هذه الأنشطة الباب واسعًا أمام بناء جسور متينة، مع بعض مؤسسات العالم العربي التعليمية والثقافية، مثل جامعة القاهرة التي تستضيف طلاب الجامعة الكاثوليكية للتدريب على الدراسة والحياة في بيئة عربية، وكذلك مكتبة الإسكندرية التي استضافت في فعالياتها عددًا من أساتذة الجامعة، وفتحت الباب لطلابها للمشاركة في أنشطتها، وكذلك «دار المتوسط» للنشر، التي دخلت مع الجامعة الكاثوليكية في مشروع لنشر ترجمات طلاب الماجستير والدكتوراه، الجيدة للأدب العربي.

ويشير أستاذ الدراسات العربية والاتصال بالجامعة الكاثوليكية بميلانو، إلى مشروعات ثقافية رعتها الجامعة، للشراكة مع مؤسسات عربية، أبرزها الاتفاقية التي رعتها الجامعة بين هيئة الشارقة للكتاب، ومكتبة الأمبروزيانا لرقمنة ٢٥٠٠ مخطوطة عربية قديمة، وإتاحتها للطلاب والباحثين حول العالم. وهذه الاتفاقية برعايتها لتراث الماضي- كما يقول – تستثمر في مستقبل الثقافة العربية في الغرب وتفعّل حضورها فيه. وفي السياق نفسه، تدعم رابطة العالم الإسلامي، طلاب الدكتوراه الإيطاليين الذين يختارون موضوعات تتعلق باللغة العربية وآدابها.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

وفيما يُرجع «فاروق» زيادة أعداد الدارسين للغة العربية إلى طبيعة الأحداث السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، إلا أنه يرى أيضًا أن هناك الكثير من الأسباب ذات الطبيعة الثقافية، حيث يرى عضو هيئة التدريس بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو أن فوز الكاتب المصري الراحل، نجيب محفوظ (1911 – 2006)، بجائزة نوبل للأدب، في العام 1988، دفع بالأدب العربي إلى دائرة الاهتمام الأكاديمي.

ومع تتابع الأحداث السياسية التي زادت الطلب على من يتقنون اللغة العربية، يظل الاقتصاد هو الدافع الأول لدراسة العربية، وخاصة مع الازدهار الاقتصادي لبعض بلدان العالم العربي، بالإضافة إلى ظاهرة اللاجئين العرب بأوروبا، مما ضاعف الحاجة إلى من يتقنون اللغة العربية للتواصل معهم، بحسب وائل فاروق.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام