fbpx


«عشتار في البصرة»..رؤية فنية للرسام علي آل تاجر عن العراق الذي كان

/ 03-12-2021

«عشتار في البصرة»..رؤية فنية للرسام علي آل تاجر عن العراق الذي كان

بشوقٍ واضح لصياغة هوية عراقية أصيلة، وتصريحات سياسية صريحة، افتتح الفنان العراقي، علي آل تاجر معرضه الفني «عشتار في البصرة»، في قاعة الأورفلي للفنون في عمّان، في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر.

في معرضه التاسع، الذي يستمر حتى 14 كانون الأول/ ديسمبر، يعرض «آل تاجر» أكثر من 51 لوحة، تنسج معًا مواضيع من بلاد النهرين القديمة، ومنمنمات مقامات الحريري، وهو شاعر عربي بصري، من العصور الوسطى، وصولاً إلى تاريخ العراق الحديث، في احتفاء بتراث البصرة، والذكرى المئوية لتأسيس العراق الحديث.

عشتار في البصرة

«لا أنتمي إلى مدرسة فنية محددة. في بعض الأحيان يقترح الموضوع قالب العمل. أعتقد أن المهم أن يكون لديك روح واحدة في كل عمل. لكني أميل إلى استخدام التعبيرية، وأعشق أعمال كليمت وتلميذه إيجون شيله».

علي آل تاجر  

من عملٍ ضخم لـ «آل تاجر» يحمل ذات الاسم (164 × 420 سم، 2021). يصور العمل الإلهة عشتار، مرتدية فستان زفاف أبيض، على متن قارب بصري فلكلوري، مصحوبة برموزها الإلهية، ووصيفاتها، وملاّحين ممثلين بحكماء الأبكالو Apkallu، وهم كائنات على هيئة نصف رجل ونصف سمكة.

قال «آل تاجر» لـ «الفنار»: «لقد استعرت عناصر من أسطورة الأبكالو، الحكماء السبعة وأتباع إيا، إله المياه العذبة والحكمة، وأسطورة إنانا وسفينة السماء، حيث تترك إينانا، وهو الاسم السومري لعشتار، مدينة أوروك متوجهة إلى ضريح الإله إنكي في إريدو حاملة إليه نواميس الحضارة الإلهية».

بتقنية رائعة، تمكن «آل تاجر» من جمع الرموز القديمة مثل الوصيفات الثلاث، اللاتي يمثلن وجوه عشتار وعلاقتها بدورة القمر والخصوبة، ورمزها المتمثل في حِنية القصب الظاهرة على غطاء رأس الخادمات المستوحى من ملابس عصر النهضة، ومقدمة القارب، ودمج كل هذا مع خلفية لمدينة البصرة الحديثة.

صنع «آل تاجر» أيضًا «زورق السماء» من الخشب المطلي بالأزرق اللازوردي (24 × 18 × 150 سم)، ووضع في قلبه نسخة طبق الأصل من تمثال طيني لزوجين سومريين (2500 قبل الميلاد)، من معبد إنانا في نفّر، جنوب العراق.

ولد «آل تاجر» في كربلاء عام 1962، وتخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 1987، لكنه يقول إن السنوات التي قضاها في البصرة في منتصف السبعينيات كانت الأكثر روعة في حياته.

أضاف «آل تاجر»: «تعتبر البصرة نتاج التنوع الثقافي والانفتاح، الذي اكتسبته من كونها ملتقى لطرق التجارة. بالنسبة لي، البصرة نموذج لجميع مدن العراق، ووضعها الراهن صورة للعراق: ما حدث وما زال يحدث وما نطمح إليه».

موضوعات مستوحاة من الأساطير والأدب

في العديد من أعماله، يلقي «آل تاجر» الضوء على أوجه الشبه، بين الأساطير القديمة والشخصيات والأعمال الأدبية المعاصرة. في رسمة بقلم الرصاص بعنوان «امرأة معلقة ولبؤة تزأر» استلهم «آل تاجر» عنوان قصة للروائي العراقي، وكاتب القصة القصيرة، لؤي حمزة عباس، لتوضيح مقاربات بين اللاماسو الآشوري (الثور المجنح) وخليفته المينوتور اليوناني.

في أعمالٍ أخرى، وجد الفنان أصداء للحكمة الدنيوية لصاحبة الحانة، التي نصحت جلجامش بالاستمتاع بمباهج هذا العالم، بدلاً من السعي وراء الخلود، ورواية سدهارتا لهرمان هيسه.

بطريقة مثيرة للجدل، يصور بعض شعراء العراق المشهورين، مثل محمد مهدي الجواهري (1899-1997)، وسعدي يوسف (1934-2021)، حيث ربط الأول بأحد شخصيات واحدة من رحلات السندباد البحري، ويسخر «آل تاجر» من طرب الجمهور وانقياده لتأثير الكلمات الجميلة على حساب الحقيقة. أضاف لـ «الفنار»: «لعل هذا يذكرنا بأحد كتب عبد الله القصيمي بعنوان (العرب ظاهرة صوتية)».

حنين إلى الملكية

في تصريحات سياسية جريئة، يدين «آل تاجر»، بخلاف معظم الفنانين اليساريين، الانقلابات والثورات، ويظهر حنينًا صريحًا إلى العهد الملكي في العراق (1921-1958)، الذي أطيح به في انقلاب دموي في تموز/ يوليو 1958.

في عمل غير معنون (2020)، يصور الفنان ثلاث سمكات ملونة، واحدة داخل الأخرى، ورؤوسها تمثل عبد الكريم قاسم (الذي قاد الانقلاب عام 1958)، وصدام حسين (الذي تولى السلطة عام 1979)، ورجل دين (الطبقة الحاكمة بعد عام 2003).

قال «آل تاجر»: «كان [انقلاب عام 1958] بداية حقبة سيئة من الانقلابات المتتالية في العراق، التي نقلتنا من السيء إلى الأسوأ».

ومع ذلك، يعتقد «آل تاجر» أن في الإمكان تتبع جذور الأزمة إلى العسكري العراقي بكر صدقي، الذي قاد أول انقلاب عسكري في تاريخ العراق الحديث، وأطلق سلسلة من الطموحات للاستيلاء على السلطة.

وقال الفنان العراقي: «في هذا العمل الذي يحمل عنوان القُمقم، تحولت مسامير العلامة المسمارية Dingir، الكلمة السومرية للإله، إلى بنادق، كما لو كنا أمام مشهد من ملحمة إيرا عندما أزال إيرا، إله الحرب، مردوخ، إله العمران من عرشه في بابل، وترك المدينة خربة».

التاريخ البديل

«لقد كان من أفضل معارض الفنانين العراقيين، التي حضرتها في عمّان، خلال العامين المنصرمين، إنه معرض استثنائي. يسلط الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية، منذ العهد الملكي حتى الآن، مع لمسة واضحة تستلهم تاريخ العراق القديم ورموزه».

صالح إلياس   مسؤول المكتب الثقافي والاعلامي في السفارة العراقية في عمان

في ثلاث لوحاتٍ خيالية، يحاول «آل تاجر» تخيل سيناريوهات بديلة لأخطر نقاط التحول في تاريخ العراق الحديث، وهي ثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني وانقلاب عام 1958.

قال «آل تاجر»: «يتصور العمل الأول تأسيس قادة الانقلاب (قاسم وعبد السلام عارف)، حزب معارض لمراقبة ثغرات الحكومة وتصحيحها بشكل سلمي. كما يُظهر العمل قاسم وهو يرتدي خاتم الخطوبة، كما لو أنه قد قرر الزواج وتأسيس أسرة سعيدة. يتصور السيناريو الثاني اعتقال قادة الانقلاب بعد فشل انقلابهم».

ويتخيل العمل الثالث، تمكّن ثوار عام 1920 من طرد الاحتلال البريطاني، والتجمع للاحتفال في مشهد، يظهر تنوع العراق وتناقضاته.

قال «آل تاجر»: «يهيمن الزعماء القبليين على المشهد، وهذا تذكير بواقعنا الآن، وللمشاهد كامل الحق في الحكم على هذا السيناريو البديل».

حضر المعرض صالح إلياس، مسؤول المكتب الثقافي والاعلامي في السفارة العراقية في عمان. قال «إلياس» لـ«الفنار»: «لقد كان من أفضل معارض الفنانين العراقيين، التي حضرتها في عمّان، خلال العامين المنصرمين، إنه معرض استثنائي. يسلط الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية، منذ العهد الملكي حتى الآن، مع لمسة واضحة تستلهم تاريخ العراق القديم ورموزه».

أعجب «إلياس» اختيار الفنان للموضوعات. وقال: «تجذب موضوعاته وأبطال لوحاته المثيرة للجدل الزائرين؛ شخصيًا وقفت مرتين أو ثلاث مرات لأتأمل لوحاته. لقد أنجز التفاصيل بشكل مذهل».

يقولون إن الثورة تأكل أبناءها على الدوام، وينطبق الشيء نفسه على الأيديولوجيات، كما يظهر في مشهد خيالي يصور «إعدام ماركس» على يد عدد من القادة الماركسيين، من بيهم جيفارا ولينين وفيدل كاسترو وآخرين.

قال «آل تاجر»: «يوضح هذا الفرق بين سحر الفكرة والتشويه الذي يلحق بها، بعد تطبيقها على الأرض، عندما ترتبط بالتعصب الأيديولوجي وإلغاء الآخر».

وأضاف: «لا أنتمي إلى مدرسة فنية محددة. في بعض الأحيان يقترح الموضوع قالب العمل. أعتقد أن المهم أن يكون لديك روح واحدة في كل عمل. لكني أميل إلى استخدام التعبيرية، وأعشق أعمال كليمت وتلميذه إيجون شيله».

ناقد اجتماعي فني

بالنسبة لـ «آل تجار» تعتبر اللوحات تصريحاته السياسية والفكرية المشفرة. من الواضح أنه يسخر من تورط المثقفين مع الدجالين في التلفزيون العراقي المحلي، وينتقد عبثية بعض الطقوس الدينية التي تمارس في العراق.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

أضاف «إلياس»: «أن لوحة مداخن مصنع الطابوق بمثابة السهل الممتنع. من الواضح أنها تتحدث عن الانقسام السني الشيعي؛ ولكلٍ منهما ناره الخاصة».

دفعت جائحة كوفيد-19 «آل تاجر» إلى التعبير عن أفكاره، حول أهمية العلم، في لوحته «بحثًا عن الأمل»، التي تصور عالِمًا جالسًا أمام مجهره في مركزية إلهية، وهو محاط بحشد يائس من القادة السياسيين والعسكريين والدينيين (المسيحيين والمسلمين واليهود والبوذيين وغيرهم).

حضر كذلك زيد عصام، وهو مهندس معماري عراقي مقيم في عمان، المعرض لأول مرة منذ الوباء. وقال لـ«الفنار»: «المعرض رائع؛ تمس الأعمال الفنية ضمير كل عراقي، ولا يخجل الفنان من التعبير عن مواقفه الفكرية وقراءته الشخصية للواقع والتاريخ».




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام