fbpx


«حصري»..ديفيد كارد الحائز على «نوبل» في الاقتصاد لـ«الفنار»: انتهى عصر الثقة في «التكنوقراط»

/ 30-11-2021

«حصري»..ديفيد كارد الحائز على «نوبل» في الاقتصاد لـ«الفنار»: انتهى عصر الثقة في «التكنوقراط»

«في كثير من الأحيان، لا يقدم الاقتصاديون نصائح جيدة. يتحدث كثيرون منهم بثقة كبيرة عن الأشياء كما لو كانوا يعرفون حقًا ما سيحدث، ولستُ متأكدًا من أن أول ما نحتاج إليه هو المزيد من الاقتصاديين»، بهذه الكلمات يتحدث ديفيد كارد، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام، في مقابلة حصرية مع «الفنار».

وبحس فكاهة عالٍ وتواضع العالم الحقيقي، يوجز «كارد»، في المقابلة، رؤاه الاقتصادية، فيما يتعلق بأسواق العمل، والتعليم المهني، وتأثير المهاجرين على الاقتصادات، كما يشارك الاقتصاديين الشباب بعض النصائح حول أهمية تكوين منظور عالمي للأمور.

فاز «كارد»، الخبير الكندي الأمريكي في اقتصاديات العمل وأستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، بالجائزة مشاركة مع جوشوا أنجريست، وجيدو إمبينز. وتشمل اهتماماته البحثية، قضايا الهجرة، والأجور، والتعليم، والاختلافات المرتبطة بالجنس والعرق في سوق العمل. وقد نشر عدة كتب، حول تلك القضايا، وأكثر من 125 مقالًا، وفصول كتب، في مطبوعات علمية.

لم يقم العديد من الاقتصاديين المشهورين بأي عمل تجريبي. وجميع الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، تقريبًا، ينتمون لهذه الفئة، لكنني أكثر اهتمامًا بالجوانب التجريبية.

عمل محررًا مشاركًا لمجلة إيكونوميتريكا الاقتصادية (1991-1995) والمراجعة الاقتصادية الأميركية (2002-2005)، وقام بالتدريس في جامعة برينستون، وشغل منصب أستاذ زائر في جامعتي كولومبيا وهارفارد، ومركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية. وقبل فوزه بجائزة نوبل، نال «كارد» جائزة جون بيتس كلارك من الرابطة الاقتصادية الأمريكية، والتي تُمنح لاقتصادي تحت سن الأربعين «يعتبر عمله مساهمة كبيرة في هذا المجال». وكان أحد الحاصلين على جائزة IZA لاقتصاد العمل لعام 2006، وجائزة مؤسسة BBVA لحدود المعرفة لعام 2015، ووسام فريش من قبل جمعية الاقتصاد القياسي في عام 2007.

وإلى نص الحوار:

  • تركّز اهتمامك الأساسي على الحد الأدنى للأجور واقتصاديات العمل.. لماذا هذا الموضوع بالتحديد؟

كان هذا ما قمتُ به قبل ثلاثين عامًا. في أواخر الثمانينيات، لم يكن هناك الكثير من الأبحاث حول الحد الأدنى للأجور. وقد برزت بعض الفرص الجيدة لدراسة المسألة. في البداية، أجرت الحكومة بعض الاستطلاعات الشهرية حول الأجور. مكننا ذلك من دراسة تأثير الحد الأدنى للأجر على الأجور. قد يبدو هذا غريبًا نوعًا ما، لكن صدق أو لا تصدق، لم يدرس أحد ذلك من قبل، وكنا من بين الأوائل الذين درسوا هذه المسألة.

وجاءت الفرصة الثانية عندما قررت بعض الولايات الأمريكية، بشكل منفرد، مثل كاليفورنيا، ونيوجيرسي، جعل الحد الأدنى للأجور فيها أعلى من الحد الأدنى الفيدرالي للأجور. وتمثلت الفرصة الثالثة في الاهتمام المتزايد، في ذلك الوقت، بجعل الاقتصاد مجالًا علميًا أكثر من كونه مجالًا بلاغيًا. كان كثير من الاقتصاديين، وقتذاك تحديدًا، مُنظّرين على الورق، في الأساس، وأشبه بالفلاسفة. لم يقم العديد من الاقتصاديين المشهورين بأي عمل تجريبي. وجميع الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، تقريبًا، ينتمون لهذه الفئة، لكنني أكثر اهتمامًا بالجوانب التجريبية.

  • هل قمت بتحدي النظرية الاقتصادية التقليدية في هذا الشأن؟

يعتقد أولئك الذين يأخذون فصلًا واحدًا في الاقتصاد، بوجود نظرية تقليدية قياسية حول الحد الأدنى للأجور. وفي الواقع، هذا ليس صحيحًا. بالعودة إلى الثلاثينيات من القرن الماضي، نجد تطورًا في النظرية الاقتصادية باستخدام المزيد من الرياضيات، لجعل الأمور أكثر دقة.

كان بعض الاقتصاديين، من غير المشهورين، مهتمين دائمًا بكيفية تحديد الأجور. ذكرت روبنسون أنك إذا أرغمت صاحب العمل على دفع أجر أعلى، في حالة صحة نموذج الأجور التي يحددها السوق، فسوف يقوم بتوظيف عدد أقل من العمال. وإذا كان نموذج تحديد الأجور صحيحًا، فسيتم توظيف المزيد من العمال.

وقد تساءلت الخبيرة الاقتصادية البريطانية الشهيرة، جوان روبنسون، فيما سيحدث إذا ما قام أصحاب العمل بتحديد الأجور بدلًا من تحديدها حسب السوق، وهي القصة القياسية التي يحب الاقتصاديون التفكير فيها، وهو أمر صحيح، نوعًا ما، في تسعير الأرز والأشياء المرتبطة بأسواق المزارع. عندما يحددون الأجور، عليهم في الواقع أن يقرروا ما إذا كان يتعين عليهم دفع المزيد للعمال إذا ما دفعوا أكثر لواحد منهم. لهذا السبب، يمكنك الحصول على وظائف شاغرة، كما هو الحال في الولايات المتحدة الآن.

كان بعض الاقتصاديين، من غير المشهورين، مهتمين دائمًا بكيفية تحديد الأجور. ذكرت روبنسون أنك إذا أرغمت صاحب العمل على دفع أجر أعلى، في حالة صحة نموذج الأجور التي يحددها السوق، فسوف يقوم بتوظيف عدد أقل من العمال. وإذا كان نموذج تحديد الأجور صحيحًا، فسيتم توظيف المزيد من العمال.

ويعتقد كثيرون أن للمزارع القدرة على تحديد الأسعار، لكن اقتصاديات العمل مجال محافظ للغاية، ويهيمن عليه أساتذة من جامعة شيكاغو لسنوات عديدة، وهم يترددون إلى حد ما في التخلي عن فكرة وجود أجر يحدده السوق.

  • في عملك مع عالم الاقتصاد الراحل، آلان كروجر (1960 – 2019)، قلت إن الحد الأدنى للأجور يعزز النمو الاقتصادي.. فكيف تنظر إلى اعتقاد البعض أنه إذا كان الحد الأدنى للأجور يشكل ضغطًا على الرأسماليين، فيمكنهم تأسيس شركاتهم في بلدان أخرى؟

هذا صحيح. بشكل واضح، إذا تحدثت عن الشركات التي تمتلك مصانع كبيرة، والتي يمكنها الانتقال إلى أي مكان. ومع ذلك، سوف يتعين عليهم تحديد الأجور أينما كانوا، حتى لو كان ذلك مقابل بضعة دولارات في اليوم. الحجة هي أن لديهم سلطة لتحديد الأجور. إذا أجبرتهم على الدفع أكثر من 30 إلى 40%، أفترض أنهم سيخرجون إلى دول أخرى. لكن إذا أجبرتهم على دفع المزيد قليلًا لمدة أسبوعين، فمن المحتمل أن يوظفوا المزيد من العمال. هذا ما نسميه بقوة احتكار الشراء.

لم يكن هذا العمل الذي قمنا بتغطيته – عملتُ مع كروجر على نموذج المطاعم – وليس بإمكان هؤلاء ترك البلاد. ولذلك، يجادل البعض بوجوب التمييز بين المنتجين المحليين والشركات الكبيرة.

صورة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بواسطة بريتاني هوساسمول
صورة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بواسطة بريتاني هوساسمول
  • درست تأثير الهجرة، وتحديدًا الموجة الكوبية إلى الولايات المتحدة في الثمانينيات، وقلت إن اللاجئين لا يشكلون عبئًا. مع ذلك، أسفرت أزمة اللاجئين السوريين عن تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين في بعض الدول.. ما رأيك؟

مشكلة اللاجئين الكوبيين لا تشبه في الحقيقة الموجات الهائلة من السوريين. لم تربك الحرب السورية الشرق الأوسط وحده بل أربكت أوروبا أيضًا. لا أعتقد أن لدينا الكثير لنتعلمه من تجربة ميامي

مشكلة اللاجئين الكوبيين لا تشبه في الحقيقة الموجات الهائلة من السوريين. لم تربك الحرب السورية الشرق الأوسط وحده بل أربكت أوروبا أيضًا. لا أعتقد أن لدينا الكثير لنتعلمه من تجربة ميامي؛ فقد كان هناك سوق عمل منظم جيدًا، مع تواجد كوبي بالفعل. ومع ذلك، كانت هناك بعض أعمال الشغب في ميامي لأسباب كامنة تتعلق بالصراع بين المجتمعات الأميركية الأفريقية والكوبية.

ومع ذلك، فقد ارتفعت القوى العاملة في ميامي بنسبة 7%، وهي نسبة كبيرة، لكنها ليست بضخامة ما هو موجود على الحدود مع تركيا. كما أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تمتلك القدرة على استيعاب هؤلاء الأشخاص. هناك العديد من رجال الأعمال الأتراك الأذكياء الذين قد يستفيدون من الوضع ويبنون مصانع على الحدود لكن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها.

  • في بعض الأحيان تكون متطلبات المنح الدراسية المخصصة للطلاب المحرومين بعيدة عن متناول أيديهم، فهل هذه مشكلة مزمنة؟

تكمن المشكلة المزمنة في الأساس في العدد الضئيل من مدارس النخبة، وهو عدد ثابت تقريبًا كما كان قبل 50 عامًا، والتي يتم تمويلها جيدًا بشكل لا يصدق حيث تنفق مئات الآلاف من الدولارات على كل طالب. المنافسة على الانضمام لهذه المؤسسات شرسة للغاية. الجميع يريد الذهاب إلى هناك، مع مساكن الطلبة والوجبات الرائعة في جامعة ييل (Yale University)، في حين أن معظم الجامعات الحكومية سيئة للغاية، ولا تحظى بتمويل كافٍ. يصح ذات الشيء على كينجز كوليدج في المملكة المتحدة، فهي كلية جميلة منذ مئات السنين، في حين أن المدارس الاعتيادية التي يرتادها معظم الناس ليست كذلك. ذات يوم، كانت الجامعات للأثرياء فقط.

  • عملتَ مع طلاب من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، هل تعتقد أن بناء القدرات في مجال الاقتصاد أمر مهم؟

حاولوا الذهاب إلى بريطانيا والولايات المتحدة، والحصول على تعليم أوسع، على أمل أن يعود البعض للتأثير على الجيل القادم. عمل هذا النظام بشكل جيد في كندا. كان كثير منهم يذهبون للدراسة في الخارج، ويعودون للتدريس.

لست متأكدًا مما إذا كان ذلك أولوية قصوى. يمكن أن يكون مهمًا. في كثير من الأحيان، لا يقدم الاقتصاديون نصائح جيدة. يتحدث كثير منهم بثقة كبيرة عن الأشياء كما لو كانوا يعرفون حقًا ما سيحدث. لستُ متأكدًا من أن أول ما نحتاج إليه هو المزيد من الاقتصاديين.

 

 

  • التعليم المهني لا يحظى بالتقدير المناسب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كيف يمكننا تغيير هذا الموقف؟

هذا مثير للاهتمام. تمتلك جميع الدول الجرمانية، مثل ألمانيا والنمسا وحتى الدنمارك والسويد، نظام تدريب مهني، وهو نسخة فاخرة من التعليم المهني. عندما تنتهي من المدرسة الثانوية، تذهب إلى الكلية وتعمل في شركة في ذات الوقت، من دون أن تكسب شيئًا. هذا النظام جيد جدًا، لقد كان ناجحًا طوال فترة ما بعد الحرب. إنهم لا يعتقدون أنه طريق مسدود، فيما يرى زملائي في الولايات المتحدة أنه كذلك، ويريدون أن يصبح أطفالهم أطباء، أو محامين، وليس شخصًا يرتدي بدلة كل يوم، إنها مشكلة النخبة.

  • هل تعتقد أن الاعتماد على التكنوقراط في الحكومات هو الحل لمواجهة الانهيار الاقتصادي؟

يشبه هذا إحضار خبراء يحملون ماجستير في التمويل (MIF) لإخبارك بما يجب القيام به ومنحك قرضًا. لا أقول إن لدي حلًا أفضل، لكنني غالبًا ما أختلف مع أولئك الاقتصاديين في الحالات التي أعرفها. أعتقد أن المشكلة تكمن في أن عصر ثقة الناس في التكنوقراط قد انتهى. إذا كان هذا صحيحًا، فعندما يتوصلون إلى فرض قرار، ورغم أن النموذج الاقتصادي الذي يعملون وفقًا له غير صحيح، لكنهم يقولون بثقة: افعل هذا وذاك، وستكون بخير.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

  • ما هي نصيحتك لشباب المنطقة لتحقيق مستقبل أفضل؟

حاولوا الذهاب إلى بريطانيا والولايات المتحدة، والحصول على تعليم أوسع، على أمل أن يعود البعض للتأثير على الجيل القادم. عمل هذا النظام بشكل جيد في كندا. كان كثير منهم يذهبون للدراسة في الخارج، ويعودون للتدريس. يستغرق إنشاء قدرات بحثية مستقلة في البلدان الصغيرة وقتًا طويلًا. بالنسبة للاقتصاديين، من المهم إلقاء نظرة على الوضع الدولي. من المفيد أن يكون لديك أشخاص جيدون داخل البلد، لكن يتوجب أن يكون لديك أيضًا منظور خارجي. في الولايات المتحدة، لا يزال البحث المتمحور حول الذات يمثل مشكلة. وبالنسبة لمحاولات إصلاح النظام المهني في الولايات المتحدة، يمكننا التعلم من الأماكن ذات التجارب الناجحة.

تم تحرير هذه المقابلة بهدف الإيجاز والوضوح.

(UC Berkeley video by Roxanne Makasdjian and Alan Toth).




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام