أخبار وتقارير

بعد عقود من «الإهمال».. مبادرة لإنقاذ دراسة «الفنون الجميلة» في السودان

رغم تاريخها العريق، تواجه كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالسودان، مشكلات شتى منذ عقود، ما حدا ببعض خريجيها إلى إطلاق مبادرة لإحياء المؤسسة الأكاديمية الوحيدة المعنية بتلك الدراسة في البلاد.

أنشئت الكلية كمدرسة للتصميم في ثلاثينيات القرن الماضي، ضمن كلية جوردون التذكارية التي أقيمت في عهد الاحتلال البريطاني، مطلع القرن التاسع عشر في السودان. وفي عام 1946 تم إلحاقها بالمعهد الفني، لتستقر أخيرًا تحت مظلة جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كما يقول عميد الكلية عبد الرحمن شنقل لموقع «التحرير» السوداني.

ومع حالة الحراك الشعبي التي شهدتها البلاد، عقب الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، في عام 2019، لجأ عدد من خريجي الكلية إلى تشكيل مجموعات تطوعية، لإحياء تدريس الفنون، بعد سنوات من «الإهمال» في عهد نظام البشير، الإسلامي المتشدد، الذي كان لديه مواقف مناهضة للفنون بشكل عام. (إقرأ التقرير ذو الصلة: الجامعات السودانية مغلقة حتى إشعار آخر).

من هؤلاء، الفنان التشكيلي عصام عبد الحفيظ (61 عامًا)، والذي تخرج في الكلية أوائل الثمانينيات. وتتمثل مساهمته في إعداد برنامج تدريبي لطلاب الكلية في مجال «التوثيق البصري»، بالإضافة إلى إتاحة معدات تصوير لهم، بالتعاون مع مشروع «ذاكرة السودان الرقمية»، الممول من المجلس الثقافي البريطاني.

ويقول «عبد الحفيظ»، وهو محاضر غير متفرغ بالكلية، لـ«الفنار»: «الثورة أحيت جهود الخريجين للنهوض بالكلية، وخاصة في ظل أوضاعها شديدة السوء، من ضعف في المناهج، وغياب البرامج التدريبية. حركة الفن الآن بلا حدود، وتبادل المعلومات والتجارب الحديثة للفنون مفيد في عملية تطوير المناهج».

«الثورة أحيت جهود الخريجين للنهوض بالكلية، وخاصة في ظل أوضاعها شديدة السوء، من ضعف في المناهج، وغياب البرامج التدريبية. حركة الفن الآن بلا حدود، وتبادل المعلومات والتجارب الحديثة للفنون مفيد في عملية تطوير المناهج».

عصام عبد الحفيظ
فنان تشكيلي ومحاضر غير متفرغ بالكلية

في هذا الصدد، نظم «عبد الحفيظ» ورشة تدريبية حول توثيق الحركة التشكيلية في السودان، شارك فيها عشرة طلاب، الشهر الماضي. ويمتد البرنامج التدريبي لثلاثة أشهر، يتم خلالها إنتاج مقاطع فيديو توثيقية للحياة التشكيلية السودانية، حيث يقوم المشاركون في التدريب، بجمع شهادات عدد من قدامى الخريجين، حول مسارهم الفني والعلمي. كما تستهدف المبادرة إتاحة البحوث الدراسية للطلاب السابقين على موقع الكلية للدارسين الجدد، وكذلك التوثيق البصري للحياة في السودان.

وبحسب التشكيلي السوداني، فإن تلك الدورة في مجال «التوثيق البصري»، ستتحول إلى قسم جديد بالكلية، تكون مهمته مساعدة الطلاب في أعمال التوثيق، بإشراف تطوعي، بعدما تم تكليفه باختيار الطلاب الدراسين. ويوضح أن الربط بين الدراسة النظرية والممارسة والتطبيق هو الهدف الرئيسي للمشروع التدريبي.

  أشكال أخرى للدعم

ولا تقتصر برامج الدعم التي توفرها مبادرة قدامى الخريجين على التدريب فحسب، وإنما تشمل كذلك مساعدة الكلية في عقد شراكات بحثية وتعليمية مع المؤسسات الدولية، مع تقديم تبرعات بمعدات تحتاجها الكلية، أو أرشيف بحثي يساعد الطلاب على إنجاز دراساتهم.

تبرع خريجون قدامى بالفعل بمراجع نادرة، ومن هؤلاء فتحي عثمان، الذي تخرج عام 1982، وقدم لمكتبة الكلية قائمة بعدد من المراجع في تخصصات الفنون، بعدما «أعطتهم الكلية أملًا كبيرًا في التغيير نحو الأفضل»، بحسب تعبيره.

Fine Arts College in Sudan
عبد الرحمن شنقل،عميد كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. (الصورة: بإذن عبد الرحمن شنقل)

ويقول «عثمان»، الحائز على درجتي الماجستير والدكتوراه في تاريخ الفنون والفلكلور، من جامعة أوتفوش لوراند بالمجر، إن العملية التعليمية في المستوى الجامعي، وفي مجال الفنون البصرية، «لا تكتمل دون البحث والتعرف على التجارب الأخرى». ويضيف: «أقسام الكلية، ومعها المكتبة، تعرضت لعملية هدم مستمر طوال العقود الثلاثة الماضية، مما جعلها تفتقر لأبسط المقومات المطلوبة لعمليات التعليم والدراسة».

عن تلك الأوضاع، تحدث عميد كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالسودان، عبد الرحمن شنقل، إلى «الفنار» قائلًا: «ورثنا همومًا ثقيلة، ومشكلات لا تحصى، سواء فيما يتعلق بالمنشآت والمقار، أو المواد ومناهج التدريس، وكذلك الشح الشديد في المستلزمات المطلوبة للتدريس، ونقص الكوادر العلمية».

ويقدر عميد الكلية، الذي تولى المنصب في أغسطس من العام الماضي، نسبة العجز في الكادر الأكاديمي بالكلية بنحو 10%، يتم تعويضه من خلال المتعاونين.

ويوضح شنقل طبيعة الأزمة: «الموازنة المخصصة للكلية لا تغطى  40 % من  احتياجاتها الفعلية، ويبلغ عدد الأساتذة بالكلية 38 متعاقدًا بشكل دائم، يقومون بالتدريس للطلاب البالغ عددهم حاليًا نحو 800 طالب بمختلف سنوات الدراسة».

وينظر عميد الكلية بعين التقدير إلى مبادرة قدامى الخريجين، الرامية إلى دعم تدريس الفنون في البلاد. ويقول: «نعول عليهم في الاحتياجات المادية والمعرفية، مثل دعم الكلية بالمواد والكتب، كذلك فتح علاقات مع المؤسسات الداعمة للفنون حول العالم. ومن أجل ذلك، سعينا إلى تأسيس رابطة من خريجي الكلية في الدول الأجنبية والذين يصل عددهم إلى نحو مائتي خريج».

«الموازنة المخصصة للكلية لا تغطى 40 % من احتياجاتها الفعلية، ويبلغ عدد الأساتذة بالكلية 38 متعاقدًا بشكل دائم، يقومون بالتدريس للطلاب البالغ عددهم حاليًا نحو 800 طالب بمختلف سنوات الدراسة».

عبد الرحمن شنقل
عميد كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالسودان

من جانبهم، يعتقد بعض الطلاب أن تلك المبادرة «بحاجة إلى دعم إضافي من الحكومة». ومن هؤلاء، الطالب بالعام الدراسي الثالث، قسم التصميم، أُبيّ أسامة (21 عامًا)، وقال لـ«الفنار»: «إن فرص العمل داخل السودان لخريجي الكلية محدودة للغاية، بسبب الانطباعات السلبية التي سادت عن دراسة الفنون خلال النظام السابق، ولذلك نطالب بالسماح لحديثي التخرج من أبناء الكلية بالعمل لدى المؤسسات الثقافية في البلاد».

طموح كبير وموارد فقيرة

https://www.bue.edu.eg/

ورغم الصعوبات، يطمح القائمون على إدارة الكلية إلى الارتقاء بمستوى طلابها، وكذلك تطوير البنية التحتية لها. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، اشترطت الكلية، مطلع العام الدراسي الحالي، اجتياز اختبار القدرات من أجل الالتحاق بها.

على مستوى المنشآت، ثمة مساعٍ من الكلية، لتشييد مبناها الجديد، على مساحة أرض مملوكة لها. لكن ما يعوق التنفيذ هو عدم وجود موارد مالية، كما يقول عميد الكلية عبد الرحمن شنقل، الذي ذكر أنهم سيعلنون، لاحقًا، فتح باب التبرعات، بالتوازي مع تقديم طلبات تمويل إلى المنظمات الدولية المعنية بالفنون، لتسهيل إنجاز بناء المبنى الذي تصل مساحته إلى 36 ألف متر مربع.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

ويتولى التشكيلي السوداني المقيم بالولايات المتحدة الأميركية، أحمد المرضي، مهمة التنسيق بين الكلية والمؤسسات المهتمة بالفنون في الخارج؛ لدعم الكلية التي درس التصوير داخل حجراتها، وتخرج فيها عام 1981، قبل أن ينتقل إلى جامعة بنسلفانيا الأميركية لاستكمال دراسته فيها. وقال المرضي لـ«الفنار»: «هناك حاجة ماسة لمصادر دعم مؤسسية تفوق بكثير القدرات الذاتية للخريجين، وذلك من أجل إعادة تأهيل المنشآت بشكل لائق بالمكانة المرموقة لهذا الصرح العظيم. يتوجب على هذه المؤسسات، العمل على خطط للتطوير الذاتي المتلائم مع مستجدات العصر».

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى