fbpx


أزمة خانقة تعصف بالسينما اللبنانية

/ 07-09-2021

أزمة خانقة تعصف بالسينما اللبنانية

في قلب بيروت يجثم دار عرض سينمائي متهالك، لم يجد من يستثمر فيه منذ أيام الحرب الأهلية في العام 1975، كتجسيد مثالي لمعاناة صناعة السينما في لبنان اليوم.

اكتسب ذلك الهيكل الخرساني رمادي اللون، القائم على أعمدة والذي يسميه أهل لبنان “البيضة”، شهرةً خلال أيام ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

لم يكن المتظاهرون يحتجون على طائفية الحكم الطائفي وتجذر الفساد فحسب، بل كانوا يعبرون أيضًا عن حبهم للسينما، فهي صناعة لطالما كان لبنان من روادها في العالم العربي. وكانت الاحتجاجات تكريماً للسينما اللبنانية وسمعتها بوصفها منارة ثقافية في الشرق الأوسط. (اقرأ التقرير ذي الصلة: حرب الطوائف في لبنان تتحوّل إلى ثورة شباب ضد السياسيين).

انفضت الثورة، وعادت البيضة مهجورةً مرة أخرى، لتلقي بظلالها القاتمة على وسط بيروت، الذي لم يسلم من انفجار 4 أب/أغسطس المأساوي في العام الماضي. وبينما لا يزال المبنى قائمًا، تتجه البلاد نحو انهيار محتوم لن تنجو منه صناعة السينما والإبداع الفني.

هل فات أوان نجاة السينما اللبنانية من هذا المصير؟ وما الثمن الذي عليها أن تدفعه حتى تبقى حية؟

“فقدت السينما اللبنانية جمهورها المحلي الكبير، حيث أغلقت العديد من دور السينما، وأصبحت أسعار التذاكر في غير متناول عدد كبير من الناس.”

سعد القادري   ممثل ومخرج

في عام 2018، حققت 37 شركة إنتاج أرباحاً بلغت نحو 99 مليون دولار أميركي من مبيعات تذاكر صالات السينما، بحسب دراسة أجراها معهد باسل فليحان عن السينما اللبنانية. وما بين عامي 2005 و2019، قدمت الصناعة 119 فيلماً من إنتاج لبناني، ومنها ما حقق نجاحات دولية مثل أفلام نادين لبكي.

انهيار نموذج التمويل

كان من البديهي أن يؤدي تفاقم الأزمة الاقتصادية إلى انهيار نموذج التمويل الذي أنعش الصناعة. قال سعد القادري، ممثل ومخرج لبناني، في مقابلة مع الفنار للإعلام “فقدت السينما اللبنانية جمهورها المحلي الكبير، حيث أغلقت العديد من دور السينما، وأصبحت أسعار التذاكر في غير متناول عدد كبير من الناس.”

لا يستطيع المستثمرون المحليون تمويل الإنتاج السينمائي اللبناني، بسبب الأزمة المصرفية والسيطرة على رأس المال خلال العامين الماضيين.(اقرأ التقرير ذي الصلة: أزمة مزدوجة تعصف بالطلاب والجامعات في لبنان).

لم يكن من الممكن عرض الأفلام التي أنتجت بالفعل، وأضحى العديد من صانعي الأفلام عاجزين عن تغطية تكاليفها.

قال القادري “لي فيلمان في انتظار العرض منذ عام 2019، لكن المنتج يفضل تأجيل عرضهما الآن لتجنب الخسائر.”

اليوم، أصبح المستثمرون الأجانب والجهات المانحة الدولية الممول الرئيسي للسينما اللبنانية. مع ذلك، يعتقد الممثلون والمخرجون أن هذا الدعم المالي يأتي بقيود وشروط صارمة تعيق حرية الإبداع.

Lebanese cinema faces existential crisis with country’s collapse
حظيت العديد من الأفلام اللبنانية بسمعة دولية جيدة كأفلام نادين لبكي.

 قال أحد المخرجين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن جهة مانحة طلبت منه تعديل نص مسلسله لتجاوز محتوى حساس سياسياً. مما يعني أن صناعة الأفلام مجبرة على التقيد بخطوط حمراء ومحظورات تتوافق غالبًا مع الأجندات الأجنبية.

التمويل الأجنبي مقصلة الإبداع

قال ربيع حداد، أستاذ السينما في جامعة القديس يوسف في بيروت، “تصوغ هذه المؤسسات محتوى الأفلام بما يناسب أجندتها. يختار الممول المشروع السينمائي، ومن ثم يعمل على إعادة كتابة السيناريو بمساعدة متخصصين من أوروبا.” وهو ينوّه إلى أن ذلك يعيق حرية إبداع صناع الأفلام اللبنانيين.

وبينما تغيب الحكومة اللبنانية تماماً عن المشهد، يدير المعهد الفرنسي برامج لدعم السينما اللبنانية من خلال منظومات مثل متروبوليس، بيروت دي سي، أو جمعية السينما اللبنانية. ويوفر قاعة السينما ليعرض مخرجون أفلامهم، ويقدم برنامج إقامة فنية في فرنسا للفنانين اللبنانيين، في مبادرة تهدف إلى تعزيز الروابط الثقافية بين البلدين.

قالت تشارلوت شوارزينجر، مديرة المشاريع السمعية البصرية في المعهد الفرنسي، “نعمل على الجمع بين تقديم مساعدة عاجلة وتنفيذ دعم طويل الأجل لهذه الصناعة. فعلى سبيل المثال، شاركنا في تنظيم مهرجان “شاشات الواقع” Ecrans du Réel، كما نحاول دعم المبادرات السينمائية خارج العاصمة بيروت قدر الإمكان.”

هوية على المحك

“الأرض خصبة لمولد سينما جديدة رائدة من رماد سابقتها. وفي هذه الأزمة التي نعيشها أمل إعادة تقديم السينما اللبنانية في قالب جديد يبث الحياة مرة أخرى في هذه الصناعة.” 

ربيع حداد   أستاذ السينما في جامعة القديس يوسف في بيروت

مع غياب الجمهور والمنتجين اللبنانيين، كان على السينما اللبنانية استهداف الجمهور بالخارج. قال حداد”غالبًا ما ينتهي بنا المطاف إلى إنتاج أفلام تتكيف مع الجمهور الغربي، وتداعب أوتار المهرجانات الدولية.”

بدوره، يرى حسين شعبان، الصحافي، أن السينما اللبنانية تخاطر بفقدان هويتها،”لم يسلم تاريخ صناعتنا من الأزمات، لكنها بقيت لبنانية الهوية، تتميز بمخرجين لبنانيين وممولين وجمهور لبناني. بينما تختلف مطالب جمهور السينما الغربي، مما يؤدي إلى تغيير جوهر وهوية أفلامنا. فإذا كان الممول أجنبياً والجمهور أجنبياً فهل من المنطق أن تستمر السينما اللبنانية لبنانية؟”

مع ذلك، يعتقد شعبان أن وجود تمويل أجنبي ومشاركات في مهرجانات دولية فرصة للسينما اللبنانية حتى تحقق شهرة دولية، لكن “ذلك يعتمد على قدرة صانعي الأفلام اللبنانيين على مقاومة القيود والإغراءات المادية، حيث تُستغل تلك الأموال في تحقيق أغراض سياسية.”

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

تبقى السينما مرآة المجتمع، وواحدة من أشد وسائط الفن تأثيراً في مختلف الشرائح الاجتماعية. وقد وجد فيها العديد من النشطاء أداةً لحشد الجماهير، كما نجد في الأفلام الوثائقية التي أنتجت عن “الثورة” وعن انفجار مرفأ بيروت.

ويعتقد حداد أن الأزمة غير المسبوقة التي وقع لبنان في براثنها هي التي تفرض الحاجة إلى سينما جديدة، لها معاييرها ومنظومات تمويلها المختلفة. قال “الأرض خصبة لمولد سينما جديدة رائدة من رماد سابقتها. وفي هذه الأزمة التي نعيشها أتمنى إعادة تقديم السينما اللبنانية في قالب جديد يبث الحياة مرة أخرى في هذه الصناعة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام