fbpx


رحيل عالية محمد باقر منقذة مكتبة البصرة المركزية

/ 16-08-2021

رحيل عالية محمد باقر منقذة مكتبة البصرة المركزية

بعد أكثر من ثلاثة عقود من التفاني في عملها في مجال الكتب والمكتبات، توفيت عالية محمد باقر، أمينة مكتبة البصرة في 13 آب/ أغسطس إثر مضاعفات الإصابة بفيروس كوفيد-19 عن عمرٍ يناهز الـ 69 عامًا.

أنقذت باقر، التي شغلت منصب الأمين العام للمكتبة المركزية في البصرة، ما يقدر بنحو 30 ألف كتاب من الضياع أثناء غزو العراق عام 2003 من قبل تحالف يضم القوات الأميركية والبريطانية وقوات أخرى. وشكلت تلك اللحظة نقطة تحول في حياة باقر.

عبّر حسن ناظم، وزير الثقافة والسياحة والآثار في العراق، عن أسفه لوفاة باقر. كتب ناظم في تغريدة على موقع تويتر “تعازينا الصادقة لأسرة السيدة عالية محمد باقر. شغلت الفقيدة منصب الأمين العام للمكتبة المركزية في البصرة، وكانت مثالاً طيبًا للأمانة والوطنية خلال مسيرتها المهنية. وقد حفظت 30 ألف كتاب ومخطوطة من الضياع أثناء توغل القوات البريطانية في البصرة.”

إنقاذ كتب البصرة

مع تردد هواجس تكرار قصص أهوال تدمير المكتبات عند استيلاء المغول على بغداد عام 1258 للميلاد، راقبت باقر بخوف الخطر الوشيك لحرب عام 2003 وتهديدها لمكتبتها ومدينتها الساحلية في جنوب العراق. (اقرأ المقال ذي الصلة: إعادة بناء مكتبة الموصل كتابًا بكتاب).

“كانت باقر تجد نفسها بين الكتب وتعتبرهم أبناءها. لقد بكت كثيرًا لأنها لم تستطع انقاذ باقي الكتب… كانت فخورة جدًا بما فعلته وأن العديد من “أطفالها” قد نجوا من الحريق.”

مشعل هاشم   صحافي من البصرة

في ذلك الحين، تجاهل المسؤولون في حكومة صدام حسين مناشدات باقر بنقل الكتب إلى مكانٍ آمن. ومع انتقال المكاتب الحكومية إلى المكتبة ووضع مدفع مضاد للطائرات على السطح، جازفت باقر وبدأت في تهريب الكتب من المكتبة، حيث قامت بملء سيارتها بالكتب كل يوم لتكديسها في منزلها مستغلة كل مساحة ممكنة.

عندما احتلت القوات البريطانية المدينة الغنية بالنفط في 6 نيسان/ أبريل، أُخليت المباني الحكومية واندلع القتال في الشوارع ونُهب أثاث المكتبة. أقنعت باقر صاحب أحد المطاعم القريبة، والسكان المحليين، وبعض الجيران بتهريب الكتب المتبقية إلى غرفة الطعام في المطعم.

على مدار تسعة أيام، أنقذت باقر وأصدقاؤها 70 في المئة من كتب المكتبة: حوالي 30 ألف كتاب باللغتين الإنجليزية والعربية، ومُصحفاً باللغة الإسبانية، وسيرة نادرة للنبي محمد عمرها 700 عام.

لكن في اليوم التالي، أُضرمت النيران في المكتبة وفُقدت بذلك العديد من الكتب وأصيبت باقر بجلطة دماغية.

قال مشعل هاشم، صحافي من البصرة كان قد التقى بباقر في عام 2005، “كانت السيدة عالية امرأة عظيمة وشجاعة تمكنت من إنقاذ آلاف الكتب. أخبرتني أنه قبل يومٍ واحد من حرق المكتبة، كانت هناك دبابة بريطانية متمركزة في مكانٍ قريب لكنها انسحبت دون سابق إنذار. شعرَت بالخوف وقامت بنقل الكتب والمخطوطات النادرة إلى مطعمٍ مجاور، ومن ثم إلى منزلها ومنازل بعض الأصدقاء.”

“خاطرت باقر بحياتها لإنقاذ الكتب سِرّا. تعدّ قصتها مثالاً لتعليم التلاميذ والطلاب عن حب الوطن والتفاني وتحمل المسؤولية. لقد كانت زميلة محترمة.”

قحطان العبيد   مدير متحف البصرة الحضاري

وأضاف هاشم “كانت باقر تجد نفسها بين الكتب وتعتبرهم أبناءها. لقد بكت كثيرًا لأنها لم تستطع انقاذ باقي الكتب… كانت فخورة جدًا بما فعلته وأن العديد من “أطفالها” قد نجوا من الحريق.”

في عام 2004، أعيد بناء المكتبة وعادت باقر لتشغل منصب الأمين العام للمكتبة.

قال هاشم “لم يمنعها شيء سوى المرض والتقاعد من الاستمرار في ممارسة شغف حياتها. ألهمت باقر الكثير من الرجال والنساء على حدٍ سواء.”

احتفاء عالمي وغياب عراقي

سُلطت الأضواء على شجاعة باقر لأول مرة في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، قبل أن تصبح بطلة قصتين مصورتين للأطفال: “أمينة مكتبة البصرة: قصة حقيقية من العراق” لجانيت وينتر (2005)، و”مهمة عالية: إنقاذ كتب العراق” لمارك آلان ستاماتي (2010).

وبينما أصبحت قصتها مصدر إلهام للأطفال في الولايات المتحدة وأوروبا، ربما لم يسمع سوى عدد قليل من الأطفال العراقيين عن شجاعتها.

قال قحطان العبيد، مدير متحف البصرة الحضاري، للفنار للإعلام، “خاطرت باقر بحياتها لإنقاذ الكتب سِرّا. تعدّ قصتها مثالاً لتعليم التلاميذ والطلاب عن حب الوطن والتفاني وتحمل المسؤولية. لقد كانت زميلة محترمة.”

في مقابلة أجرتها معها قناة الجزيرة عام 2019، قالت باقر، التي قضت 33 عامًا في العمل بصفة أمين عام لمكتبة البصرة، إن الاعتبارات الوظيفية لم تكن الدافع وراء قيامها بتلك المهمة. قالت “كنتُ مدفوعة بإنسانيتي وأخلاقي وتعليمي ومسؤوليتي تجاه مجتمعي، للحفاظ على الكتب من الضياع.”

“كانت مغرمة بتراث مدينتها وكانت تخطط لجمع الكتب المؤلفة عن البصرة. لإظهار امتناننا، أطلقنا حملة لتسمية شارع باسمها، ويُفضل أن يكون الشارع المجاور للمكتبة.”

شهاب الحميد   المذيع في راديو الرشيد إف إم في البصرة

ومع ذلك، أعربت باقر عن أسفها للاهتمام الضئيل الذي تلقته من جانب الحكومة. قالت “لم أجد الدعم والاهتمام، باستثناء بعض المقالات الإخبارية وأنشطة المنظمات غير الحكومية. وعدني مسؤولون حكوميون بإقامة نصب تذكاري يجسد تلك المهمة، وإعادة طبع نسخ الترجمة العربية للقصص المصورة، لكنهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك.”

يتفق شهاب الحميد، الذي يعرف باقر منذ الصغر، مع ذلك.

قال الحميد، المذيع في راديو الرشيد إف إم في البصرة، “للأسف، لم تحصل السيدة عالية على التقدير الواجب. لم تحصل على شيء غير دروع تقديرية بقيمة 25 ألف دينار عراقي (17 دولارًا أميركيًا) من السلطات المحلية في البصرة. لقد طالبنا بتسمية شارع أو قاعة في مكتبة البصرة على اسمها من دون جدوى. لم يسمع الكثير من المسؤولين عنها ولم يتذكرها أحد بعد تقاعدها. لقد حظيت بمزيد من التقدير في الخارج، وحتى في مصر.”

ساعدت باقر الحميد على تحسين مهاراته في القراءة حيث اعتاد التردّد على المكتبة في منطقة المعقل حيث نشأ.

قال “كانت مغرمة بتراث مدينتها وكانت تخطط لجمع الكتب المؤلفة عن البصرة. لإظهار امتناننا، أطلقنا حملة لتسمية شارع باسمها، ويُفضل أن يكون الشارع المجاور للمكتبة.”

قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، تقاعدت باقر وانتقلت للعيش في كربلاء جنوب غرب العاصمة بغداد.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

قال العبيد “اتصلنا بباقر عدة مرات للاستفادة من تجربتها حيث أننا على وشك إنشاء مكتبة في متحف البصرة الحضاري بعد استلام مجموعة من الكتب من الأكاديمية البريطانية. احتجنا إليها لمساعدتنا في تصنيف الكتب وتنظيمها. وقد أبدت استعدادها للمساعدة.”

وأضاف العبيد “لقد كانت أمينة مكتبة متفانية ومتميزة وطموحة تبحث عن المراجع الأجنبية لإحضارها إلى البصرة على الرغم من الوضع البائس لمبنى المكتبة القديم والمهمل. لقد فقدناها للأسف.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام