fbpx


آفاق جديدة للعلوم الاجتماعية في السعودية

/ 27-07-2021

آفاق جديدة للعلوم الاجتماعية في السعودية

انعكست التغييرات، التي تشهدها المملكة العربية السعودية منذ ست سنوات، على طرق تدريس العلوم الاجتماعية في الجامعات وأساليب إجراء البحوث وموضوعاتها، بحسب ما يقول أكاديميون وخبراء.

قالت منى الغريبي، أكاديمية وباحثة في علم الاجتماع السياسي وأستاذ مساعد في قسم الدراسات الاجتماعية في جامعة الملك سعود، في مقابلة هاتفية، “تشجع الجامعات السعودية طلابها اليوم على دراسة موضوعات اجتماعية مختلفة، إلى جانب البحث في قضايا تمكين المرأة، وحقوق الإنسان، وغيرها من الموضوعات الحديثة والمحورية، مع استخدام أساليب بحث نوعية.”

وكانت المملكة العربية السعودية، قد أوقفت تدريس بعض المواد الفلسفية والأنثروبولوجية لنحو أربعين عامًا، تحت ضغوط من قوى دينية وسياسية محافِظة، مما دفع غالبية دراسات وقضايا البحث في علوم الاجتماع إلى التركيز على إجراء بحوث واستبيانات حول قضايا الأسرة والجريمة وسط غياب تام لقضايا الاجتماع السياسي، بحسب تقرير صدر عن المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في عام 2018. إذ جاء في التقرير أن نحو 19 في المئة من الأوراق البحثية في الجامعات السعودية، البالغ عددها 1037، خلال الفترة الممتدة بين عام 1970 حتى العام 2013، ركزت على “الجريمة، والانحراف، والانضباط الاجتماعي”.  فيما تناول بحثان فقط الصراع الاجتماعي، وبحثت ورقة بحثية واحدة في موضوع توظيف الأجانب.

قالت الغريبي “أثرت فترة الانغلاق التي كانت قائمة في السابق على مسار التعليم بشكل عام، وعلى العلوم الاجتماعية بشكل خاص، وكان لها دور سلبي في الحد من دراسة بعض القضايا الاجتماعية، وقيدت بعض الدراسات إجمالًا بزعم أنها قد تقود نحو الإلحاد”. (اقرأ التقرير ذا الصلة: العلوم الاجتماعية في العالم العربي شحيحة رغم الحاجة إليها).

“تشجع الجامعات السعودية طلابها اليوم على دراسة موضوعات اجتماعية مختلفة، إلى جانب البحث في قضايا تمكين المرأة، وحقوق الإنسان، وغيرها من الموضوعات الحديثة والمحورية، مع استخدام أساليب بحث نوعية”.

منى الغريبي   أكاديمية وباحثة في علم الاجتماع السياسي، وأستاذ مساعد في قسم الدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود

لكن، منذ إطلاق الأمير محمد بن سلمان، ما سُمّي بـ “رؤية 2030” عام 2016، شهدت المملكة إصلاحات كبيرة، تضمنت السماح للنساء بقيادة السيارات، ودخول ملاعب كرة القدم، فضلًا عن إعادة افتتاح دور السينما، والسماح بإقامة حفلات غنائية، وتأسيس هيئة عامة للترفيه. كما أجازت السلطات الاختلاط بين الرجال والنساء داخل الأماكن العامة. (اقرأ أيضاً: دراسة السينما تزدهر في السعودية، وهل تغير رؤية 2030 وجه التعليم العالي السعودي).

تعتقد هانيا الشلقامي، عالمة الأنثروبولوجيا المصرية والأستاذ المشارك في مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن هناك علاقة مباشرة بين الانفتاح الاجتماعي داخل المجتمعات وبين العلوم الاجتماعية، حيث تعزز سياسات التغير في أنماط حياة المجتمع، دومًا، رغبة الباحثين في فهم والمجتمع. قالت في مقابلة هاتفية “ينعكس ذلك في الانخراط في عملية من البحث والتقصي لاستكشاف الماضي والحاضر واستبطان المستقبل.”

 تحديث المناهج الدراسية

انعكست مظاهر التغيير التي تشهدها المملكة العربية السعودية على السياسات التعليمية بوضوح، حيث تم تحديث المناهج الدراسية والموضوعات لدارسي علم الاجتماع، لتشمل معها العلوم السياسية والقانونية والدراسات الأدبية والفنية، بعد عدة سنوات هيمنت فيها قضايا الزواج والأسرة على المناهج الدراسية.

ومع بداية العام الحالي، ولأول مرة في تاريخ المملكة، تم البدء في تدريس مادة التفكير النقدي والفلسفة لطلاب المرحلتين، الإعدادية والثانوية، مع الاستعانة بشركة بريطانية لتدريب المعلمين.

 كما أُتيح لدارسي تخصصات الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والفلسفة، من الذكور والإناث، فرص السفر للخارج ضمن بعثات تدعمها الدولة.

قالت الغريبي “كنت واحدة من هؤلاء، واخترت دراسة علم الاجتماع السياسي لنيل درجة الدكتوراه، وحصلت عليها في عام 2018، من جامعة سيدني الأسترالية، حيث ناقشت دور رأس المال الاجتماعي في تشكيل وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني في السعودية.”

“حتى على مستوى الأساتذة والباحثين “يتم التوسع حاليا في استخدام المناهج الكيفية وإجراء مقابلات مباشرة مع المصادر، وهي منهجية تخدم دراسات تح ل المضمون والخطاب”.

لمى البدنة   باحثة سعودية متخصصة في علم الاجتماع

مشيرة أن الجامعات اليوم تشترط للموافقة على رسائل الدكتوراه والماجستير في العلوم الاجتماعية، أن تكون مرتبطة بالواقع، فضلًا عن استخدام مقاييس مغايرة في التحليل تعتمد على الإستفادة من الفلسفة، والأفكار النقدية، خلافًا لما كان متبعًا في الدراسات السابقة، التي كانت غالبيتها كمية تتم عبر الاستبيانات.”

أساليب متنوعة لإجراء البحوث

يشعر الطلاب بالتغيير الحاصل ويبدون سعادتهم به.

قال طالب سعودي، يدرس في المرحلة الثالثة بكلية الدراسات الاجتماعية في جامعة القصيم، “لم يكن مسموحًا لي بالتواصل مع المصادر، لذلك كنت أضطر لإجرائها عن طريق الاستبيانات. لكن ذلك تغير الآن، وهو أفضل بالتأكيد.”

تؤكد لمى البدنة، باحثة سعودية متخصصة في علم الاجتماع، ما يقوله الطالب، فحتى على مستوى الأساتذة والباحثين “يتم التوسع حالياً في استخدام المناهج الكيفية وإجراء مقابلات مباشرة مع المصادر، وهي منهجية تخدم دراسات تحليل المضمون والخطاب.”

خلال العامين الأخيرين أيضًا، استحدثت بعض الجامعات السعودية تخصصات جديدة في العلوم الاجتماعية، وتوسع الباحثون في دراسة أوضاع المرأة. فعلى سبيل المثال، أطلقت جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، برنامجًا لدراسة الماجستير في فرع دراسات المرأة العام الماضي. كما استحدثت جامعة الملك سعود ثلاثة برامج لنيل درجة الماجستير في تخصصي علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية.

تعتقد البدنة أن هذه التحولات، شجعت على مقاربة موضوعات جديدة تنظر للمرأة السعودية بطريقة مغايرة للصور النمطية الشائعة عن المرأة السعودية. مشيرة أن هنالك أبحاثًا جرت أخيرًا عن حضور النساء السعوديات في الحركة الفنية منذ ستينيات القرن الماضي وخرجت بنتائج مذهلة.

قالت “ساعدت هذه التغييرات على إقامة فاعليات علمية لمناقشة بعض القضايا التي كان من المحظور مناقشتها في السابق، ونشطت كذلك بعض المؤسسات المعنية بهذا الدور، ومنها الجمعية السعودية للدراسات الاجتماعية.”

“تحولت الدراسة بفضل التغييرات الأخيرة إلى شغف حقيقي له علاقة بسبْر أغوار الظواهر الاجتماعية، وكشف مدلولاتها، والانطلاق لقضايا أبعد.”

عبد اللـه القحطاني   الباحث في علوم الاجتماع، وأستاذ علم النفس المشارك جامعة شقراء

تؤكد الغريبي، وهي عضو في مجلس إدارة الجمعية السعودية للدراسات الاجتماعية، ما قالته البدنة حول ازدياد الدعم. قالت “تم دعم أنشطتنا من قسم الدراسات الاجتماعية في جامعة الملك سعود، كما نتلقى دعمًا ماديًا ومعنويًا من قبل جهات حكومية مختلفة لتكثيف برامجنا.”

الطريق لا يزال طويلًا

على الرغم من النظرة الإيجابية، التي ينظر بها الباحثون السعوديون للتطورات التي شهدتها دراسات العلوم الاجتماعية في السعودية أخيرًا، فإن البعض يعتقد أن الطريق لا يزال طويلًا، لتثمر بعض هذه التطورات عن إصلاحات جذرية للنهوض بالبحوث الاجتماعية.

قال عبد اللـه القحطاني، الباحث في علوم الاجتماع وأستاذ علم النفس المشارك جامعة شقراء في المملكة، ” إن تصحيح مسار علم الاجتماع في الجامعات يتطلب فصله عن قسم “الخدمة الاجتماعية” لعدم وجود مبرر منطقي يجمع بينهما.”

درس القحطاني العلوم الاجتماعية في جامعة الملك عبد اللـه، قبل عقدين من الزمان، وسط قيود كبيرة على اختيارات الدارسين والباحثين في القضايا والموضوعات. لاحقًا، وخلال دراسته للماجستير، انفتحت الموضوعات أمامه من جديد، وتراخت القيود أمام القضايا التي كانت ممنوعا مناقشتها، ما شجعه على دراسة الدكتوراه وهو في سن الأربعين.

قال “تحولت الدراسة بفضل التغييرات الأخيرة إلى شغف حقيقي له علاقة بسبْر أغوار الظواهر الاجتماعية، وكشف مدلولاتها، والانطلاق لقضايا أبعد.”

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

تعتقد الشلقامي، التي عملت سابقًا عضوًا في مجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، أن الدولة التي تتيح الثقافة وتمنح مساحات لمواطنيها تشجع علماء الاجتماع بشكل غير مباشر. لكن الأكاديمية المصرية ترهن حجم التغير بمدى انعكاس الإنتاج المعرفي على المستهلك المحلي وقدرته على تغيير العادات والتقاليد وإنتاج تفكير ناقد ومعرفة جديدة تستدعي مراجعة الذات والهوية الاجتماعية.

قالت “لا بد أن نسأل عن مجالات النشر والتداول لهذه المعرفة الجديدة، ودرجة القبول في المجتمع والنظم الحاكمة بأن هذه الأبحاث ينتج عنها فكر جديد متجذر داخل المجتمع.”

بدورها، تدعو البدنة، إلى توسيع مجالات العمل لخريجي العلوم الاجتماعية وحائزي الماجستير والدكتوراه فيجميع الجهات، وعدم حصرها في المجال الأكاديمي.

قالت “إن وجود علم الاجتماع في أي مجال عمل ضروري ومهم في صناعة القرار.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام