fbpx


تداعيات برنامج الأسلحة الكيماوية لا تزال تعصف بالعراق

/ 16-06-2021

تداعيات برنامج الأسلحة الكيماوية لا تزال تعصف بالعراق

بعد قرابة ثلاثة أعوام من عمل فريق بحثي ضم 26 باحثاً عراقياً لمعالجة المخلفات الكيماوية والنووية في مواقع مختلفة، توقف العمل نهاية العام الماضي، مما يثير القلق مجدداً حول تأثير ذلك على صحة العراقيين والبيئة. يقول الباحثون إن توقف العمل ناجم عن خلافات فنية حول أسلوب المعالجة مع الحكومة. لكن البعض يشير إلى أن الفساد هو السبب.

قال ماجد الساعدي، 55 عاماً، رئيس الفريق البحثي، في مقابلة هاتفية، “تسبب ترك المخلفات الكيميائية لهذه المواد في موقع المنشأة طيلة العقود السابقة في إصابة العراقيين بكثير من الأمراض، وكوارث بيئية، فضلاً عن نزوح عائلات عديدة كانت تقطن بالقرب من المنشأة خوفاً من الأمراض والتشوهات.”

تعتبر منشأة المثنى، التي تقع على بعد 140 كيلومتراً شمال غرب بغداد ، منشأة العراق الرئيسية لبحوث وإنتاج الأسلحة الكيميائية من عام 1983 إلى 1991. في أواخر التسعينيات، استخدمها مفتشو الأسلحة التابعون للأمم المتحدة والمكلفون بجمع أسلحة الدمار الشامل وتدميرها. لاحقاً، تم دفن كميات غير محددة من المواد الكيميائية السامة خلال الهجمات الجوية أثناء الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003.

في أذار/مارس 2018 ، صادقت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على اكتمال برنامج تدمير الأسلحة الكيميائية في العراق. ومنذ ذلك الحين ، قام فريق مكون من 26 عالمًا ومهندسًا بترشيح ومعالجة النفايات الكيميائية المتبقية تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

“تسبب ترك المخلفات الكيميائية لهذه المواد في موقع المنشأة طيلة العقود السابقة في إصابة العراقيين بكثير من الأمراض، وكوارث بيئية، فضلاً عن نزوح عائلات عديدة كانت تقطن بالقرب من المنشأة خوفاً من الأمراض والتشوهات.”

ماجد الساعدي   رئيس الفريق البحثي

لكن عمل الفريق توقف في آب/ أغسطس الماضي بسبب خلاف مع جمال العادلي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي أنذاك، الذي أصر على عملية التفكيك وليس طريقة الاحتواء التي أوصى بها الفريق.

تعتمد طريقة الاحتواء على ملء مستودع الموقع بخرسانة سائلة ذاتية التصلب لإغلاق أي منافذ محتملة لبقايا الأسلحة الكيميائية.

خطة عمل دقيقة

اعتمد الفريق البحثي الذي تنوعت تخصصاته بين مجال الكيمياء والهندسة وترأسه الساعدي، الحائز على شهادة الدكتوراه في علوم الكيمياء الصناعية من جامعة ساكس في بريطانيا،  خطة تغليف بقايا الأسلحة الكيميائية بالخرسانة عن طريق ملء المخزن داخل الموقع بخرسانة سائلة ذاتية التصلب وبمواصفات خاصة.

قبل بدء الفريق في تنفيذ الخطة، حصل أعضاء الفريق على تدريب من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في عدة دول أوروبية، والتي أقرت الخطة المصممة من جانبها، ودعمتها بشراء المعدات المطلوبة.

وأوضح الأكاديمي العراقي، الذي يعمل أستاذا في كلية العلوم بجامعة النهرين، أن الخطوة الأولى كانت فتح جدار المخزن بفتحة دائرية قطرها بحدود 10سم، والتي تم إدخال فيها جزء من الخرطوم الى داخله؛ لكي تُسحب الغازات و من ثم تغذيتها لجهاز التحليل.

تلت هذه الخطوة إدخال مجموعة من الكاميرات التي تمكنت من تصوير محتويات المخزن وهي عبارة عن مئات من الحاويات أو السلندرات المتأكلة فضلاً عن أكوام من أملاح السيانيدات (سيانيد الصوديوم وسيانيد البوتاسيوم) مع صناديقها وأكياسها التالفة، و آلاف من رؤوس الصواريخ المدمرة والمملوءة بالسارين جزئيا، وهو مركب فوسفوري عضوي اصطناعي شديد السمية.

 قال الساعدي “ساعدتنا الصور في تنفيذ خطوة كيفية حقن محلول الإسمنت الرغوي وتغليف به المواد والبراميل والحاويات،” موضحاً أن بعد التأكد من تصلب الكونكريت تم توسعة الفتحات في جدار المخزن لتمكين بعض من منتسبي المشروع من الدخول الى المخزن لمشاهدة تماسك الصب وعدم وجود ثقوب أو شقوق فيه .

استخدم الفريق الطريقة السابقة ذاتها في تصفية ومعالجة المخلفات الكيماوية في المخزن الثاني داخل منشأة المثنى.

براميل متآكلة من النفايات الكيماوية من بين المواد التي عثر عليها في مستودعات مؤسسة المثنى العامة (الصورة: بالإذن من الوزير العراقي السابق عبد الرزاق العيسى).
براميل متآكلة من النفايات الكيماوية من بين المواد التي عثر عليها في مستودعات مؤسسة المثنى العامة (الصورة: بالإذن من الوزير العراقي السابق عبد الرزاق العيسى).

عمل الفريق بحماية من الجيش العراقي، إذ كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطرعلى مناطق قريبة من موقع المنشأة أنذاك، وسبق وأن استولى عناصر التنظيم على أجهزة تقدر بملايين الدولارات تابعة لفرق بحثية سابقة زارت المكان في سنوات سابقة، واغتالت أحد أعضائه بسبب رغبتها في الاستفادة من موقع المخلفات في أغراض عسكرية.

قال خضر ياس، أحد أعضاء الفريق البحثي، والمتخصص في الهندسة الكيميائية، في مقابلة هاتفية “كان يتوجب علينا العمل بسرعة  خوفاً من هجمات محتملة لداعش، فضلاً عن الصعوبة الاضافية في تصوير ساعات العمل بالفيديو التزاماً بتعليمات منظمة حظر الأسلحة.”

حصل الفريق البحثي على موافقة منظمة حظر الأسلحة على طريقة معالجة المخالفات قبل البدء في تنفيذها، بحسب ياس، الحائز على درجة الماجستير في تخصص الهندسة الكيميائية من الجامعة التكنولوجية في العراق عام 2000.

وأوضح ياس أن التصاميم الإنشائية الخاصة للمخازن داخل المنشأة جعلت منه “عالماً مجهولاً” للفريق البحثي، خصوصاً مع استحالة الدخول في بداية العمل لاكتشاف نوعية المواد في الداخل “لأن أقل حركة داخله دون معرفة طبيعة المواد ستتسبب في انفجار هائل.”

 المشوار لا يزال طويلاً

 إلى جانب معالجة المخلفات الكيماوية في منشأة المثنى، عمل الفريق على تصفية  بقايا المواد في مفاعلين هما تموز 2 فرنسي و14 تموز الروسي في منطقة التويثة، التي تقع على بعد 30 ميلا جنوب بغداد، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. تم تأسيس المفاعلان لأغراض سلمية في الزراعة والصحة.

كانت منشأة التويثة النووية مركزا لبرنامج الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين النووي الذي تخلى عنه عام 1981 بعد قصف المقاتلات الإسرائيلية لأكبر مفاعل نووي فرنسي بني بالمنطقة. (إقرأ المقال ذو الصلة: “عالمة تواصل الكشف عن أضرار اليورانيوم المنضب في العراق“.

“هناك من يحاول أن يقتل الأفكار، ويبقي على التلوث والمخلفات الإشعاعية والكيميائية التي تحولت لمصدر تربح للكثيرين”.

خضر ياس   أحد أعضاء الفريق البحثي

مع ذلك، يعتقد ياس  المدير التنفيذي للمشروع، يعتقد أن توقف عمل الفريق مرتبط بأسباب آخرى ليس لها علاقة بخلاف وجهات النظر حول طرق التفكيك.

قال “هناك من يحاول أن يقتل الأفكار، ويبقي على التلوث والمخلفات الإشعاعية والكيميائية التي تحولت لمصدر تربح للكثيرين. أعتقد أن إبعادنا عن استكمال مهامنا مرتبط بأسباب سياسية لا علاقة بها  بمعاير الكفاءة أو حجم الإنجاز الذي وفر على البلد ملايين الدولارات.”

لا تعد الاتهامات بالفساد جديدة. ففي أب/ أغسطس الماضي، تم إقالة مدير إدارة معالجة النفايات الكيميائية والبيولوجية والعسكرية والتدمير في وزارة العلوم للاشتباه في وجود فساد كبير. كما حصلت الفنار للإعلام على وثائق رسمية تظهر أن مسؤولين سابقين سعوا للتعاقد مع شركات أجنبية للقيام بمثل هذه المهام مقابل عمولات مالية.

حاولت الفنار للإعلام الاتصال مع المتحدث باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لكن الوزارة رفضت التعليق.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

بدوره، يعتقد حامد البهلي، عالم الذرة العراقي، في مقابلة هاتفية،  أن تفكيك المفاعل يعني نقله لمكان آخرى، وبالتالي نقل مواد مشعة ما قد يعرض البيئة العراقية لمخاطر أكثر، موضحاً أن الظروف الأمنية التي تعيشها العراق يجعل نقل المفاعل، بعيداً عن المخاطر البيئية، مسألة “محفوفة بالمخاطر”.

قال ” هذه قضية خطيرة لا يمكن تأجيلها أو تسويفها ، يجب اتخاذ قرار حكيم بسرعة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام