fbpx


الدعم النفسي للاجئين ينضم أخيراً إلى قائمة اهتمامات المنظمات المانحة

/ 16-06-2021

الدعم النفسي للاجئين ينضم أخيراً إلى قائمة اهتمامات المنظمات المانحة

في عام 2016، فرّ عبد الرحمن الحدّاد من الرقة التي وقعت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا، لينتهي به المطاف في مخيم للاجئين في لبنان. بعد مرور عام على ذلك، فاز الحدّاد بمنحة للدراسة في إحدى جامعات بيروت، لكن الصدمة التي مر بها تركت آثارًا يصعب تجاوزها. إذ تسبب شعوره بالغضب والاكتئاب بعدم قدرته على التركيز في الدراسة وبدى وكأن حياته تنهار أمام عينيه.

لكن الجهة التي قدمت له المنحة تدخلت بتقديم دعم إضافي، إذ تم إرساله لمعاينة طبيب نفسي، ووصف له الأخير دواء مضاد للاكتئاب، وبدأ بحضور جلسات علاج نفسي أسبوعية. في وقتٍ لاحق، انضم إلى مجموعة دعم برفقة طلاب سوريين لاجئين آخرين مروا بتجارب مماثلة. تحسنت حالة الحداد النفسية، وتحسنت درجاته في الامتحانات وتحولت حياته الاجتماعية من شخصٍ يتملكه الغضب وعاطل بلا إنجاز إلى آخر مُنجز ومُرضٍ.

يسجل عشرات الآلاف من الشباب السوريين الذين لجأوا من بلادهم في جامعات في دول مجاورة وخارج المنطقة. وقد فعلت المجموعات الدولية التي تدخلت لتزويدهم بمنح جامعية ذلك جزئيًا لضمان وجود شباب متعلم للمساعدة في إعادة بناء سوريا عندما ينتهي الصراع في نهاية المطاف.

مع ذلك، لا يزال العديد من الطلاب اللاجئين حتى اليوم يعانون بمفردهم من ندوب نفسية من جراء المحن التي تحملوها. بفقدهم شبكات دعمهم، وكونهم غير متيقنين في الغالب بشأن مستقبلهم وسلامة العائلات التي تركوها وراءهم، ومعاناتهم في بعض الأحيان من العنف والصدمات، يعاني العديد من السوريين من درجة معينة من الاكتئاب والقلق وصعوبة التركيز على الدراسة.

لكن تجارب الحداد وآخرين من أمثاله بدأت في إقناع الجماعات الداعمة للطلاب اللاجئين بأنهم يحتاجون إلى دعم نفسي اجتماعي، فضلاً عن المنح الجامعية، حتى يحققوا النجاح.

الاهتمام بالاحتياجات النفسية

“عندما بدأنا بتقديم المنح الدراسية في عام 2015، كانت في الأصل أساسية جدًا — أي مجرد منح دراسية. لكننا وجدنا بعد ذلك أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على التقدم الأكاديمي، بما في ذلك الحالة النفسية.”

يلتسي دي بلاو   مديرة البرنامج الإقليمي للشرق الأوسط وتركيا في منظمة سبارك

قالت يلتسي دي بلاو، مديرة البرنامج الإقليمي للشرق الأوسط وتركيا في منظمة سبارك، وهي منظمة هولندية غير حكومية تعد أكبر مزود لمنح التعليم العالي للاجئين السوريين – أكثر من 10,000 حتى الآن، “”عندما بدأنا بتقديم المنح الدراسية في عام 2015، كانت في الأصل أساسية جدًا — أي مجرد منح دراسية.” (اقرأ التقرير ذو الصلة: تراجع اهتمام الجهات المانحة بتقديم المنح الدراسية للاجئين).

وأضافت “لكننا وجدنا بعد ذلك أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على التقدم الأكاديمي، بما في ذلك الحالة النفسية.”

طورت سبارك هرمًا من ثلاثة مستويات لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي: إقامة أحداث ترفيهية كبيرة، حول موضوع معين في الغالب، مثل إدارة الإجهاد، مفتوحة لجميع الحاصلين على المنح الدراسية. ثم عقد مجموعات للدعم يقودها مستشار مُدرّب للراغبين في الحصول على المزيد من المساعدة؛ وأخيراً،  تقديم العلاج النفسي الفردي لمن يحتاجون إلى أكبر قدر من التدخل.

قالت دي بلاو “من بين أكبر التحديات التي لا تزال تواجهنا وصمة العار المرتبطة بهذا الأمر. لهذا السبب نبدأ بشكل أكثر ليونة، دون أن نطلق عليه الدعم النفسي والاجتماعي. في نهاية الأحداث الكبرى، يتم دعوة الطلاب للتسجيل في مجموعة دعم أو ليتم فحصهم للعلاج الفردي.”

لستم وحدكم

تقول دي بلاو إن الاهتمام بتقديم مثل هذا الدعم لا يزال قويًا، حيث تم تقديم الدعم لأول مرة في لبنان، بدءًا من عام 2019، قبل أن تقوم منظمة سبارك بإضافته لاحقًا إلى برامجها في العراق والأردن وفلسطين وتركيا. وقد شارك فيها ما يقرب من 2,000 من الحاصلين على المنح الدراسية، 90 في المئة منهم من السوريين، بطريقة ما حتى الآن.

Refugees Psychological Needs
تساعد مجموعات الدعم الطلاب اللاجئين السوريين في تركيا على بناء شبكات  يمكن أن تساعدهم خلال اللحظات الصعبة. (الصورة: من ورشة عمل لمنظمة سبارك)

عادة ما تضم مجموعات الدعم ما يصل إلى اثني عشر مشاركًا، وتستمر لمدة عشر جلسات أسبوعية. في الاجتماعات، يشارك المشاركون مشاكلهم ويتعلمون مهارات مثل كيفية التفاوض مع الآخرين، وإدارة الإجهاد والضغط، وإدارة الغضب، وإدارة الوقت. بشكل عام، يتم استخدام تمارين اليوغا والتنفس والوعي الذاتي أيضًا.

قالت أماندا عون، المسؤولة عن تطوير وقيادة الدعم النفسي والاجتماعي في منظمة سبارك، “تتمثل الفكرة الرئيسية في أنك لن تُترك لخوض تلك التجربة لوحدك،” وأضافت، وهي لبنانية حاصلة على درجة الماجستير في علم النفس الإكلينيكي من جامعة كينغستون في لندن، أن المشاركين في مجموعات الدعم “يبنون شبكة دعم الأقران ويتوقون لمساعدة بعضهم البعض خلال هذه اللحظات العصيبة.”

وتضيف أن الإبلاغ الذاتي عن الاستبيانات النفسية الموحدة أظهر “تحسّنًا كبيرا” في رفاهية الطلاب بعد مثل هذه التدخلات، فضلا عن انخفاض معدلات الانقطاع عن الدراسة.

رحلة طالب سوري

كان هذا بالتأكيد حال عبد الرحمن الحداد. بدأ الشاب في الأصل تعليمه العالي في أحد برامج الصيدلة في دمشق. لكن بعد أن بدأ الوضع في سوريا في الانحدار السريع نحو الحرب الأهلية، توقف عن دراسته على مضض وعاد إلى مسقط رأسه في الرقة في شمال سوريا. بعدها، استولى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة وأعلنها عاصمة للخلافة. (اقرأ المقال ذي الصلة: كيف يبدو التعليم في ظل حكم “داعش”).

أصبحت الأمور لا تطاق بالنسبة للحداد، كما أدى حصار المدينة إلى إغلاق الصيدلية التي يعمل فيها بصفة مساعد صيدلي، وأُطلق النار على زميلٍ له أهان داعش وتُرك جسده في الشارع لمدة ثلاثة أيام كتحذير للآخرين؛ وتم اعتقال الحداد نفسه وجلده 20 جلدة بعد ضبطه وهو يدخن.

Refugees Psychological Needs
تعتبر مجموعات الدعم التي يقودها مستشار مدرب خطوة وسيطة في نموذج منظمة سبارك المكون من ثلاثة مستويات لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي. (الصورة: سبارك)

بعد عام من فراره إلى لبنان، حصل الحدّاد على منحة من منظمة سبارك والتحق ببرنامج لنيل درجة البكالوريوس في الطب الحيوي في الجامعة اللبنانية الدولية. لكنه عانى من آلام في المعدة، ولم يكن قادرًا على النوم أو التركيز على دراسته، وسرعان ما رسب في معظم فصوله الدراسية.

قال الحداد إنه، وبعد انضمامه إلى أولى مجموعات الدعم العديدة التي تقدمها منظمة سبارك، شعر أخيرًا “بوجوده في مجتمع يرتاح إليه.” وأضاف “لقد كونت صداقات وأصبحتُ أكثر اجتماعية. أنا الآن ناجح في حياتي الشخصية ودراساتي وعملي.”

وأضاف الحداد أنه لولا ذلك الدعم لانتهى به المطاف، كما يخشى، وحيدًا في الشارع بلا مأوى.

أسباب أخرى للتوتر في لبنان

كحال اللاجئين السوريين الآخرين والسكان المحليين، مر ما يقرب من 500 من الحاصلين على المنح الدراسية من منظمة سبارك في لبنان بأوقات عصيبة بشكل خاص خلال العام أو العامين الماضيين.

بداية، جاء الانهيار الاقتصادي للبلاد و”ثورة” الاحتجاجات على سوء إدارة البلاد، قبل أن تفاقم جائحة كوفيد-19 من سوء الأوضاع، مما أجبر مجموعات الدعم على العمل عبر الإنترنت. (اقرأ التقرير ذو الصلة: أزمة مزدوجة تعصف بالطلاب والجامعات في لبنان).

وفوق تلك المصائب، جاء الانفجار الهائل في ميناء بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، ليودي بحياة 200 شخص ويصيب أكثر من 6,000 آخرين بجروح ويسوّي أجزاء من المدينة بالأرض.

تقول دي بلاو إن الانفجار كان “حدثًا هائلًا، ولّد المزيد من القلق والتوتر. يشعر طلابنا بانعدام كبير في الأمان.”

“الفترة بين قبول الطالب اللاجئ وسفره إلى الجامعة هي الوقت المناسب لبدء التواصل معهم بشأن المشاكل المحتملة ومن يمكنه المساعدة.”

ألكسندرا تشين   طالبة الدكتوراه في جامعة هارفارد وخبيرة الصحة العقلية العاملة مع اللاجئين من مناطق النزاع

في الوقت ذاته، يمنع لبنان، الذي يضم أعلى نسبة من اللاجئين في العالم من حيث نصيب الفرد، من تولي معظم الوظائف، وحرم العديد منهم من تصاريح الإقامة أو أي وضع دائم آخر. (اقرأ التقارير ذات الصلة: أبواب مواربة أمام عمل السوريين في لبنان والأردن وعمل اللاجئين في المنطقة العربية: معضلة لا تنتظر حلاً).

بحسب دي بلاو، قدمت تجربة دعم الطلاب السوريين اللاجئين في العديد من دول الشرق الأوسط دروسًا قيمة لمنظمة سبارك، التي تقدم منحًا دراسية في مناطق النزاع وما بعد النزاع الأخرى في العالم، والجهات المانحة لها. قالت “يتمثل أكبر درس مستفاد في أن الدعم النفسي في الواقع جزء لا يتجزأ من برنامج المنح الدراسية.”

دعوة الجامعات لبذل المزيد

على صعيدٍ متصل، يقول خبراء آخرون ممّن يعملون مع الطلاب السوريين اللاجئين خارج المنطقة، إن من واجب مؤسسات التعليم العالي نفسها فعل المزيد.

قالت ألكسندرا تشين، طالبة الدكتوراه في جامعة هارفارد وخبيرة الصحة العقلية العاملة مع اللاجئين من مناطق النزاع، “الأمر ليس مستحيلا”. يجب أن تتحمل أي جامعة تقبل الطلاب اللاجئين مسؤولية أكبر عن صحتهم العقلية.”

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

وأضافت أن هذا يشمل توفير مستشارين ومعالجين ممّن هم على دراية بلغة وثقافة اللاجئين. تعتقد تشين أنه نظرًا لأن الطلاب اللاجئين غالبًا ما يتعرضون لخطر المشكلات النفسية بسبب اضطراب ما بعد الصدمة، وعقدة الناجين، وعدم اليقين بشأن وضعهم للجوء بعد الجامعة، يجب تقديم الدعم النفسي لهم سريعا وقبل ظهور الصعوبات.

قالت “الفترة بين قبول الطالب اللاجئ وسفره إلى الجامعة هي الوقت المناسب لبدء التواصل معهم بشأن المشاكل المحتملة ومن يمكنه المساعدة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام