fbpx

غير مصنف,

عبد الرزاق العيسى: وزير التعليم في المرحلة الأصعب من تاريخ العراق

/ 03-05-2021

عبد الرزاق العيسى: وزير التعليم في المرحلة الأصعب من تاريخ العراق

من داخل غرفة صغيرة خالية من الشبابيك ولا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار بالطابق الأول داخل وزارة التعليم العالي في بغداد، أدار عبد الرزاق العيسى، وزير التعليم العالي والبحث العلمي أزمات وزارته في وقت عصيب في تاريخ العراق نتيجة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على أجزاء كبيرة من بلاده.

قال العيسى، الذي شغل منصب وزير التعليم العالي في الفترة ما بين عامي 2016 و2018،  في اتصال هاتفي “كُنت مُدركاً لصعوبة المهمة وتحدياتها؛ لكنني كنت مستقلاً ولست تابعاً لأي حزب. كان لدى خريطة عمل، واستراتيجية واضحة لا تخضع لأي محسوبيات حزبية.”

نجح العيسى، الذي يتفرغ اليوم لكتابة أفكاره حول إصلاح قطاع التعليم العالي في بلاده بعدما تعرض لتدمير شبه كامل، في وضع خطط لإعادة تشغيل الجامعات التي أغلقتها التنظيمات الإرهابية. كما نجح في حماية العديد من الأساتذة والطلاب الذين كانوا معرضين للخطر. (اقرأ التقارير ذات الصلة: حوار مع رئيس جامعة الموصل حول مرحلة ما بعد داعش و كيف يبدو التعليم في ظل حكم “داعش”).

قال أُبي سعيد، رئيس جامعة الموصل بين عامى 2004 و 2019 في اتصال هاتفي “كان العيسى على درجة عالية من الشجاعة والاستقلالية جعلت من مهمته،في ذلك الوقت العصيب، ذات أثر كبير على وضع التعليم في العراق خلال هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ البلاد.”

إعادة عمل الجامعات أولوية

عقب استلام منصبه، كانت أولوية العيسى واضحة ومتمثلة في إعادة تشغيل جامعات الموصل، والأنبار، والفلوجة التي أغلقت أبوابها بعد الهجمات الإرهابية العنيفة التي تعرضت لها وتسببت في تدمير الكثير من بنيتها التحتية. من جهة أخرى، أصدر العيسى قراراً استثنائياً منح فيه الطلاب المنقطعين عن الدراسة منذ أكثر من سنتين في هذه الجامعات فرصة العودة للدراسة مع توفير منح دراسية لهم لمواجهة الصعوبات المعيشية عقب تدمير منازلهم.

“أشعر بفخر شخصي لتمكني من دعم أناس تعرضوا للظلم، وأولهم الطلاب الذين كانوا على مقاعد الدراسة، وتركوها”.

عبد الرزاق العيسى  

قال “أشعر بفخر شخصي لتمكني من دعم أناس تعرضوا للظلم، وأولهم الطلاب الذين كانوا على مقاعد الدراسة، وتركوها”.

كانت جامعة الموصل، ثاني أكبر جامعة عراقية، هي الوجهة الأولى للعيسى. إذ وضع خطة لإعادة إعمارها بالتنسيق مع رئيسها، وبحث الوسائل المناسبة لكيفية إعادة كافة طلابها من خارج المدينة خاصة وأن نحو 30 في المئة منهم كانوا قد نزحوا شمالا إلى دهوك، أو شرقاً إلى أربيل أو جنوباً إلى كركوك بعد استيلاء تنظيم داعش على المدينة في حزيران/ يونيو 2014، فيما انقطع الباقون عن الدراسة إلى أن تم تحرير المدينة عام 2017.  (اقرأ التقرير ذو الصلة: طلاب الموصل يعودون للدراسة وسط الدمار).

يسترجع العيسى تفاصيل زيارته للموصل بعد تحريرها، حيث كان أول مسؤول محلي يقوم بذلك،”منحني قائد قوات الموصل نصف ساعة فقط مدة الزيارة بغية تأمين عودتي خلال النهار وقبل معرفة عناصر تنظيم داعش بها؛ لكن الزيارة تجاوزت الساعتين نظراً لكبر مساحة الجامعة كبيرة. كما أنني كنت حريصاً على حضور مناقشة رسالة دكتوراه لطالب في قسم الكيمياء في قاعة محروقة وبلا كهرباء لأقدم التهنئة للطالب.”

لم يكن التواصل مع رؤساء الجامعات أمراً سهلا في ظل ظروف أمنية بالغة التعقيد، إذ كثيراً ما كانت اللقاءات تتم ضمن مؤتمرات خارج العراق نظراً للتهديدات الأمنية الكثيرة في حال السفر داخلياً.

في ذلك الوقت، اختار العيسى المبيت يومياً والعمل أغلب ساعات اليوم من داخل الغرفة المجاورة لمكتبه داخل الوزارة، خاصة بعد تعرضه للتهديد بالقتل مرات عديدة. اقرأ التقرير ذو الصلة: مقتل الباحث هشام الهاشمي يجدد مخاوف اغتيال الأكاديميين في العراق).

إنهاء ملف الأسلحة الكيماوية

بصفته مسؤولاً أيضاً على البحث العلمي، شارك العيسى خلال توليه لوزارة التعليم العالي في مهمة تخليص العراق من مخلفات الأسلحة الكيماوية. وساعده في ذلك تخصصه في دراسة الكيمياء العضوية، حيث نال درجة البكالوريوس من جامعة البصرة في سنة 1971 ونال درجة الدكتوراه من جامعة ليفربول في سنة 1979.

abdul-razzaq-al-issa – chemical weapons
شارك وزير التعليم العالي السابق، الذي تخصص في الكيمياء العضوية، في جهود تخليص العراق من مخلفات الأسلحة الكيماوية. أعلاه ، يقوم بزيارة موقع برفقة فريق تفتيش في عام 2017 .( الصورة بإذن من عبد الرزاق العيسى).

بدأت المهمة بتشكيل فريق بحثي زار موقع هذه المخلفات التي تبعد عن بغداد نحو 15 كيلومتر، سراً، بالتنسيق مع قائد قوات عمليات سامراء، الذي رافق الفريق خلال زيارة منطقة المشروع، وعمل على توفير الحماية الكاملة للموقع وكافة الطرق المؤدية له.

كان الهدف الأساسي من هذه الزيارات، الوقوف على حالة الموقع ودراسة الخريطة الجيولوجية  قبل الوصول إلى مقترحات لتصفيته من متبقيات الأسلحة الكيماوية بشكل آمن.

قال العيسى “حصلنا كذلك على وثائق أميركية وتقارير لجان التفتيش الدولية التي ساعدتنا في حسم طريقة الإتلاف المناسبة للموقع.” موضحاً أن هذا المشروع استنزاف موارد مالية كبيرة للإنفاق على لجان بحثية ماطلت في إنهاء الملف.

قال “كان المشروع مكسباً للكثيرين الذين حصلوا على أموال كبدل للسفر والانتقال فضلاً عن مصاريف لجان التفتيش القادمة من خارج العراق.”

تمثلت الخطوة الأصعب في إقناع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالمصادقة على خطة الوزارة لإتلاف الموقع، مع وضع مقترحات بالمراقبة، بحسب العيسى.

قال “نجحنا في انتزاع موافقتهم، وتم عمل خطة اتلاف لكامل الموقع دون وقوع أضرار، وحصلنا على شهادة إتمام العراق برنامج تدمير الأسلحة الكيمائية من قبل الأمين العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي عام 2018”.

ضغوط وتهديدات لا تتوقف

لم تكن الصعوبات الأمنية واللوجستية هي العائق الوحيد أمام العيسى للنهوض بقطاع التعليم العالي في بلاده؛ إذ واجه ضغوطاً من العشائر القبلية التي رفضت سياساته بسبب استقلاليته عن نظام المحاصصة الطائفية في البرلمان.

تم استدعائه مرتين لاستجواب البرلمان بهدف دفعه للموافقة على نقل طلاب راسبين لسنة دراسية أعلى.

قال “غالبية هذه المطالب كانت محاولة لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة للجامعات على أساس الولاء السياسي، وتحديد معايير مختلفة للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية.” (اقرأ التقرير ذو الصلة: تعاليم دينية متشددة تسيطر على جامعات العراق).

“العيسى من الأشخاص النادرين الذين كانوا مؤهلين للدفع بعجلة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق وتطويره بعد ما عانينا منه بسبب الظروف السياسية والأمنية.”

عباس تقي   رئيس جامعة كركوك السابق

خلال العامين الذي شغل خلالها منصب وزير التعليم العالي، تكررت مثل هذه الضغوط المماثلة على العيسى إلى أن أطاح به البرلمان، وفقد منصبه على الرغم من تمسك رئيس الوزراء باستمراره.

قال” لم أقبل بالاستثناءات، وتمسكت باستقلاليتي أمام ضغوط ورسائل تهديد وصلتني من برلمانيين “ليسوا متعلمين”؛ لأنني أخذت عهد على نفسي بالحفاظ على استقلالية وجودة التعليم العالي”.

تمسك بالأمل

بعد تركه لمنصبه الحكومي، أصدر العيسي عدداً من المؤلفات أبرزها “لبنات ..في مسيرة التعليم العالي“، “توظيف التكنولوجيا والتعليم الإلكتروني في  حل مشاكل التعليم العالي”، تصفية مخلفات الطاقة الذرية الخطرة..والفساد الفني”، والتي قدمت توصيات لكيفية النهوض بالجامعات العراقية.

قال عباس تقي، رئيس جامعة كركوك السابق التي احتضنت الكثير من الطلاب النازحين بسبب تنظيم داعش، في اتصال هاتفي ” العيسى من الأشخاص النادرين الذين كانوا مؤهلين للدفع بعجلة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق وتطويره بعد ما عانينا منه بسبب الظروف السياسية والأمنية.”

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

تتمثل المعضلة الرئيسية لقطاع التعليم العالي في العراق حالياً في رحيل الأساتذة الأكفاء، وتعيين المئات من “الأساتذة غير المؤهلين” الرافضين لأي تغيير في المناهج الدراسية أو في طرق التدريس، بحسب العيسى الذي يعتقد أن مسألة إصلاح التعليم العالي في بلاده باتت “صعبة جدا” في ظل هذه المنظومة الحاكمة، فضلا عن مقاومة الإصلاح من النافذين في السلطة وأساتذة الجامعات.

مع ذلك، يتمسك العيسى بالبقاء في بلده حتى اليوم.

قال “وطني هو خياري الأول والأخير؛ لن أتركه مهما كانت الأحوال.”




تعليقات 3اكتب تعليقاً
  1. يقول حامد الدليمي:

    كان لنا شرف العمل تحت إدارة معالي الوزير المحترم لوزارة التعليم العالي وكذلك لوزارة العلوم والتكنولوجيا
    وكان معاليه نعم القائد الناصح والمعلم.. ولمسنا جديته و وطنيته في العمل و مهنيته العالية.. نسأل الله أن يوفقه و يبارك في أيامه

  2. يقول الاستاذ الدكتور عبد علاء غني حسين:

    الاستاذ الدكتور عبد الرزاق العيسى قامة علمية واكاديمية وتربوية واخلاقية شامخة عملنا معه فترة توليه الوزارة ويستحق كل النقدير والاجلال والاحترام

  3. يقول منال عامر محمد صالح:

    لقاء هادف يعكس المعوقات التي تواجه بلادنا العربية في التعليم العالي و تؤكد ضرورة ان تظل مؤسسات التعليم العالي بعيدة عن السياسة
    و تبعث الأمل في نفوسنا بأن هنالك كفاءات في وطنا العربي


What Others are Readingالأكثر قراءة

Sorry. No data so far.

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام