fbpx


لماذا يتخلى الأكاديميون الجزائريون عن شغفهم المهني

/ 28-04-2021

لماذا يتخلى الأكاديميون الجزائريون عن شغفهم المهني

تنويه من المحرر: يأتي المقال أدناه ضمن سلسلة مقالات حول هيمنة وتبعات الرقابة الذاتية الأكاديمية في أوساط التعليم العالي في عدد من الدول العربية، وذلك بالتزامن مع نشر نتائج استطلاع للرأي أجرته الفنار للإعلام بالتعاون شبكة العلماء في خطر حول الرقابة الذاتية لدى الأكاديميين والباحثين العرب. للإطلاع على التقرير الخاص بالإستطلاع اضغط هنا.

حين كنت طالبة كان يؤرقني سؤال: ما معنى أن يكون المرء أستاذاً جامعياً؟

تخيلت في البدء أنّ الأستاذ شخص شغوف، مسكون بالبحث، مدفوع بالأمل، يسارع لمكتبة الجامعة، يتهافت على الكتب. حين أصبحت طالبة لنيل الدكتوراه وضعت احتمالاً أقلّ مثالية، قلت قد يكون الأستاذ كائناً بائساً، يتجه للجامعة محمّلا بالكثير من الخيبات. وبعدما أصبحت أستاذة جامعية، توصلت لاكتشاف أخطر، إذ يحدث للمرء أن يهرول لأداء مهنته النبيلة بالكثير من التراخي والخفة والسطحية، متجاوزًا دروب الحماس وسراديب اليأس معاً، مبتكرًا لنفسه باباً ثالثًا يقوم على سلسلة من التواطؤ.

خلاصة أدركتها وأنا أتأمل عدد الباحثين الذين علقوا في متاهات الجامعة الجزائرية، أو الذين تسرّبوا من أبوابها الخلفية، ومعهم من تربعوا على عرش السلطة فيها.

يعرف الجميع طبيعة التحولات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، فالجامعة كانت ولا تزال مسرحاً للتجاذبات السياسية، وصارت حلبة صراع تفوق فيها المنطق المزاجي والانتهازي والظرفي الذي أوجدته السياسة، على الرؤية المعرفية العلمية الرصينة، التي تبحث عن طرق أفضل للوجود والتصاق أشد بهواجس الإنسان وقضاياه.

تحولت الجامعة بعد أن خلعت قفطان المعرفة وارتدت جلد السياسة، إلى مصنع لإنتاج أشكال جديدة من التسلط والتراتبية، بين من يملكون قوة سلطة القرار وشبكة العلاقات، ومن يملكون سلطة المعرفة التي تبدو في المحصلة، سلطة هزيلة تهزمها معادلة التواطؤ، فأصحابها هم البروليتاريا الجديدة داخل الجامعات، وممثلي طبقتها الكادحة.

تخلى هؤلاء عن أحلامهم في ممارسة حياة إنسانية ومعرفية حرة، مقابل الاكتفاء بإتقان فن العيش في فضاء قد يبدو آمناً، لكنه خانق، بالهواء الملوث الذي يفرخ قصصاً مأساوية.

أخر تلك القصص ما حدث مع زميلة رفضت إحدى الجامعات مناقشة رسالتها لنيل الدكتوراه، بزعم تناولها موضوعاً يمس المحاذير السياسية، على الرغم من أن الرسالة لا تتعدى كونها دراسة حول التغطية الإعلامية التي جرت لانتخابات خاضها رئيس جمهورية سابق، وليس فيها ما يمس المقدسات الوهمية، التي وضعها أصحاب القرار لدعم محترفي تفصيل الأبحاث التي تلبي التوقعات وتعجز عن طرح أسئلة جديدة، وتبقى في أحسن الأحوال مدونات تنتج ما يحفظه الجميع من أفكار، لكنها تنسجم مع الولاء الأعمى الذي يتم تعميمه تجنباً لأي إزعاج.

لم يعد مثيراً في مناخ من هذا النوع أن يتسبب غياب الحرية الأكاديمية للباحث في تدني المخرجات البحثية للجامعة كمؤسسة لإنتاج المعرفة.

لم يعد مثيراً في مناخ من هذا النوع أن يتسبب غياب الحرية الأكاديمية للباحث في تدني المخرجات البحثية للجامعة كمؤسسة لإنتاج المعرفة.

وكالعادة سنستقبل حزمة من التبريرات تفسر أسباب تراجع إنتاج الباحثين الجزائريين، تضعها وزارة التعليم العالي في جيب سترتها العلوي، وتخرجها كلما دعت الحاجة، لتتلقفها حناجر أشباه وأشباح الباحثين، ممن يشهرون خناجرهم في وجه السؤال الذي طرحه الباحث الجزائري إلياس ميري منذ 1994 في كتابه: هل يجب غلق الجامعة؟

سؤال بقي عالقاً فينا كغصة يومية، لكن الباحث جمال بلقاسم امتلك وحده شجاعة الإجابة، حين تقدّم باستقالته من جامعة جيجل سنة 2020، مؤكداً أنّها لم تعد تلبي احتياجاته المعرفية والحياتية كإنسان وأستاذ، واصفاً إياها بالعلبة المفضلة للحماقات.

إنّ أزمة الأستاذ الجامعي في الجزائر، ليست لأنه محاصرعلمياً ومعرفياً فقط، بل لأنه صار محاصراً ذاتياً واِجْتِمَاعِيًّا واقتصادياً بعد أن أغناه هاجس لقمة العيش عن متعة البحث، وبذخ طرح الأسئلة الكبرى حول معنى المعرفة وقيمة الحرية.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

الكل يعرف أن الأستاذ الجامعي في الجزائر يحصل على راتب مأساوي، يضعه في الترتيب الأخير، ضمن تصنيف لمركز أبحاث تابع لجامعة شيكاغو الأمريكية حول مستوى أجور رجال التعليم العالي في 13 دولة عربية وأجنبية، والأدهى أن هذا الترتيب لم يدفع مسؤول أو وسيلة إعلام لتبني حملة لمراجعة لائحة الأجور وهي قضية ملحة تضاف لسلسلة من ألوان المعاناة، تمتد لتفاصيل أخرى أشد بؤساً، مثل المطالبة بمطاعم نظيفة في الفضاء الجامعي، أو النضال لأجل الراحة في قاعات محترمة بين المحاضرات، وربما وصل الأمر للمطالبة بتوفير مراحيض للأساتذة الذين يضطرون إلى التنقل طوال اليوم بين الأقسام والكليات لقضاء الحاجة.

لن تحتاج الجامعة في ظل هذه الظروف المحبطة، إلى ممارسة سياسة الإقصاء مع الأستاذ، لأنه سيتكفل بذلك، منتهجاً تكتيك الحذف الذاتي، الذي يبدأ بحذف المعرفة، والالتزام بأدنى حد من الإنتاج العلمي بأمل الترقية، ثم يتبعه حذف آخر يشمل الجهد الزائد في إعداد جحافل الطلبة الذين تكتظ بهم المدرجات والقاعات، والاكتفاء بممارسة رياضة التزلج والانزلاق على جليد البحث العلمي، لأن كل محاولة في الانغماس ستؤدي إلى شلل وظيفي وإنساني، مادام الأستاذ الجامعي يقف على رقعة جليد مرتجة، وليس على تربة مهيأة للغرس والدرس.

فاطمة بخوش: أستاذة جامعية، تخصص اتصال وعلاقات عامة، الجزائر.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام