fbpx


عندما تصبح الرقابة الذاتية ضرورة للسلامة الشخصية والمهنية للأكاديميين

/ 21-09-2021

عندما تصبح الرقابة الذاتية ضرورة للسلامة الشخصية والمهنية للأكاديميين

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

تنويه من المحرر: يأتي المقال أدناه ضمن سلسلة مقالات حول هيمنة وتبعات الرقابة الذاتية الأكاديمية في أوساط التعليم العالي في عدد من الدول العربية، وذلك بالتزامن مع نشر نتائج استطلاع للرأي أجرته الفنار للإعلام بالتعاون شبكة العلماء في خطر حول الرقابة الذاتية لدى الأكاديميين والباحثين العرب. للإطلاع على التقرير الخاص بالإستطلاع اضغط هنا.

هل أمارس أحيانًا الرقابة الذاتية؟ نعم. يعتمد هذا السؤال كثيرًا على السياق، لذلك سأحاول الإجابة عليه بأكبر قدر ممكن من التفاصيل الدقيقة. علماً أنني، إلى حدٍ ما، أخضع للرقابة الذاتية حتى الآن وأنا أكتب هذا المقال، خاصة وأنه ليس منشورًا “أكاديميًا” يمكن أن تفهمه مجموعة صغيرة من الناس، وينشر بالعربية مع إمكانية إطلاع جمهور أكبر عليه مقارنة بمدونتي أو منشوراتي الأكاديمية الخاضعة لمراجعة الزملاء.

أعتقد أن الرقابة الذاتية، سواء عند إجراء بحوثنا (بدءًا من ماهية وكيفية إجراء البحث ومع من سيتم التعاون)، أو تدريسنا، أو حتى محادثاتنا اليومية مع الزملاء، أكثر خطورة في مصر مقارنة بالولايات المتحدة على سبيل المثال. غالبًا ما يتحدث زملائي الأميركيون عن الحاجة إلى ممارسة الرقابة الذاتية قبل حصولهم على “التثبيت الوظيفي” لأنهم يريدون الحفاظ على أمنهم الوظيفي؛ ويتكلمون كما لو أنه لن يتوجب عليهم ممارسة الرقابة الذاتية بمجرد أن يتم تعيينهم في المنصب؛ لكن قلة ممن لديهم وعي بأنفسهم سيدركون أن سنوات من الرقابة الذاتية قد تجعلهم يتجنبون الاستخدام الكامل لحريتهم الأكاديمية بمجرد حصولهم على المنصب؛ وسيكونون قد استوعبوا اضطهادهم وتشربوا الثقافة السائدة التي تقيد حريتهم. لكن الوضع يختلف تمامًا بالنسبة لي كمصرية في الجامعة الأميركية بالقاهرة.

أفترض كوني مراقبة

بداية، هناك مخاطر كبيرة تتعلق بالإدلاء بنوع معين من الكلام أو البحث. يجب أن أفترض كوني مراقبة من قبل الجهات الفاعلة المحلية والدولية، التي تحكم على نواياي السياسية، وتربط بين نقراتي على وسائل التواصل الاجتماعي (لكوني  نشطة جدًا على موقع تويتر، وأقل نشاطًا الآن على فيسبوك)، ويخلُصون إلى استنتاجات قد تؤدي لمزيد من المراقبة لأنشطتي (هل قلت “المزيد”؟ هل أنا  مفرطة بشكوكي؟ هل يمكنك العيش في هذا الجزء من العالم دون أن تدور في بالنا نظريات المؤامرة؟) وربما التعرض للاعتقال أو السجن. لقد أصبحتُ أكثر شجاعة في الحديث عن هذا الأمر. لم يحدث لي ذلك مطلقًا، لكنه حدث لأساتذة في مؤسستي. في الوقت الراهن، مع وجود قدر كبير من المراقبة الممكنة من خلال الوسائل الرقمية، لم تعد المجازفة مقتصرة على إضطرارك أن تكون ناشطًا يتظاهر في الشوارع. (اقرأ التقرير ذو الصلة: تقرير جديد: اعتقال باتريك جورج يثير مجدداً المخاوف على حرية التعبير في مصر).

أنت لا تعرف حقًا طبيعة من تتحدث معه. أنت لا تعرف الأجندات السياسية للأشخاص من حولك، لذلك لا تعرف بمن تثق لمشاركة هذا النوع أو ذاك من المعلومات.

ثانيًا، أنت لا تعرف حقًا طبيعة من تتحدث معه. أنت لا تعرف الأجندات السياسية للأشخاص من حولك، لذلك لا تعرف بمن تثق لمشاركة هذا النوع أو ذاك من المعلومات. من وقت لآخر، يسألني أستاذ آخر من الولايات المتحدة أعمل معه في موضوعات تعليمية سؤالًا سياسيًا. وأنا أرفض الرد على موقع تويتر العام. يرسلون لي رسالة خاصة، وأرفض الرد هناك أيضًا. يسأل بعضهم أحيانًا فيما إذا كنت أفضل البريد الإلكتروني، ويكون جوابي الرفض. يسألونني إذا ما كنت سأجيب إذا ما التقينا وجهًا لوجه، وأرفض مع ذلك. أنا في الواقع شخصية شديدة الثقة بالآخرين بطبيعتي، لكنني لستُ على استعداد لتحمل هذه الأنواع من المجازفات.

ثالثًا، أحرص على تدريس طلابي أساسيات محو الأمية الرقمية وهم يمارسون التدوين العام. لذلك أجد من واجبي التحدث معهم حول مخاطر النشر على وسائل التواصل الاجتماعي حول مواضيع معينة – قد نتحدث عنها في الفصل، لكن نشرها في مدونات مكتوبة وملموسة يمكن تتبعها بشكل أكبر؟ يجب ألاّ نقوم بذلك في المواد التي أدرسها. سألني بعض أساتذة العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية عن مخاطر مناقشة أشياء معينة عبر الإنترنت، حيث يسهل تسجيلها ومشاركتها. أخبرتهم بضرورة إنشاء نوع من عدم الكشف عن هوية طلابهم، حيثما كان ذلك ممكنًا، (مثل منتديات المناقشة المجهولة)، ولكن إذا بدت المخاطر عالية ولا يمكنهم حماية الطلاب أو أنفسهم بهذه الطريقة، فقد يتوجب عليهم تجاوز مناقشة هذه الموضوعات أثناء التواجد على الإنترنت بشكل كامل أو القيام بذلك بطريقة ملتوية مثل لعب الأدوار بدلاً من المناقشة المباشرة. (اقرأ المقال ذو الصلة: حرية الإبداع تحت الحصار في مصر).

عندما تتخذ قرارات من هذا القبيل، عليك أن تسأل نفسك، لماذا أناقش/ أنشر هذا الموضوع/ الرأي؟ ما الذي يمكنني أن أستفيده، ومن من الأشخاص يجب أن يستفيد منه، وما هي المخاطر، وما الذي سأخسره؟ هل أعرّض أشخاصًا آخرين للخطر (الأسرة، أو الزملاء، أو الطلاب)؟ هل لدي الحق في اتخاذ هذا القرار نيابة عنهم؟ هل ستدعمني مؤسستي إذا ما حدث خطأ ما، وهل لديهم القدرة على إنقاذي؟.

تجنب الصدام 

عملي سياسي من حيث استجوابه السلطة ومقاومة الظلم، لكن بقدر ما أستطيع القيام بذلك من دون الاصطدام المباشر بالسلطة السياسية، فسأفعل ذلك.

لذلك، هذا ما قررتُ فعله: التركيز على عملي، وهو سياسي وغير سياسي في الوقت ذاته. يتعلق عملي بالتعليم والعدالة الاجتماعية في التعليم، وفي بعض الأحيان يركز بشكل أكبر على تكنولوجيا التعليم، لكنه لا يقتصر على ذلك فقط؛ فعملي سياسي من حيث استجوابه السلطة ومقاومة الظلم، لكن بقدر ما أستطيع القيام بذلك من دون الاصطدام المباشر بالسلطة السياسية، فسأفعل ذلك. لا أهتم كثيرًا بالأخبار، ولا أقرأ الصحف ولا أشاهد الأخبار على التلفزيون بانتظام، ونادرًا ما أنقر على الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي (كل هذا يمكن مراقبته). يبعدني هذا تلقائيًا عن أشياء معينة، ويمنحني راحة البال. بصراحة، إنه كذلك. عندما أتطرق إلى السياسة، يكون ذلك من زاوية تعليمية (اقرأ المقال ذو الصلة: المواطنة النقدية: أهمية حرجة في الأوقات الحرجة). وقد كان منشورًا في الأساس باللغة الإنجليزية، على مدونتي، ضمن نقطة تعليمية أوسع، أو كانت في أماكن خاصة جدًا… أحيانًا محصورة في ذهني. دائمًا ما يكون النشر باللغة الإنجليزية أقل تهديدًا، على ما أعتقد؟

بصراحة، في السياق المصري الحالي شديد الاستقطاب بعد 2011 وما بعد 2013، أجد نفسي مضطرة إلى فرض رقابة على نفسي على مائدة العشاء مع عائلتي لأنني، وبصفتي أستاذة في جامعة أميركية، يعتقد الناس أحيانًا أن عقليتي مستعمرة ولا ألومهم على ذلك. لأننا تلك “النخبة المتغربة” التي تحدث عنها إدوارد سعيد، وبصفتي شخصية تُدرّس ما بعد الاستعمار وإنهاء الاستعمار، فأنا مدركة تمامًا لكيفية تأثير تعليمي الغربي والسياق على طريقة تفكيري. كما أنني على دراية بالأجندات المعقدة لبيئة العمل الخاصة بي وكيف تؤثر هويتي الهجينة على كيفية استقبال الناس لي: امرأة محجبة، تدعي أنها “ليبرالية” في سياستها؛ وتقوم بالكتابة والتحدث والتدريس والبحث باللغة الإنجليزية. أجندتي موضع تساؤل ومشكوك فيها، حتى بالنسبة لطلابي في بعض الأحيان. ذات مرة اتهمت إحدى طالبات الدراسات العليا لديّ أسلوبي التفاعلي في التدريس باعتباره شكلاً من أشكال جمع البيانات للاستخبارات الأميركية. أصبتُ بالدهشة في ذلك الوقت، لكنني فهمتُ ذلك الآن.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

إذن ، أجل؛ هناك العديد من المظالم وانعدام المساواة في العالم، وفي التعليم، حيث أمتلك خبرة كافية لإحداث فرق. هناك ما يكفي للقيام به ضمن دائرة نفوذي وتأثيري لإحداث فرق في العالم دون تعريض عائلتي وزملائي للمخاطر، ولذا سأقوم بممارسة الرقابة الذاتية وما زلتُ آمل في إحداث فرق. لقد استوعبتُ هذا الأمر، وقد أصبح طبيعيًا بالنسبة لي الآن.

مها بالي هي أستاذة مشاركة في الممارسة في مركز التعلم والتدريس بالجامعة الأميركية بالقاهرة. حاصلة على دكتوراه في التربية من جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة، وهي أحد مؤسسي موقع Virtuallyconnecting.org ومنسق مشارك في Equity Unbound.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام