fbpx


صفاء قمري: باحثة سورية تسعى لإنقاذ المحاصيل الزراعية

/ 12-03-2021

صفاء قمري: باحثة سورية تسعى لإنقاذ المحاصيل الزراعية

بعد سنوات طويلة من البحث والاختبارات، تمكنت صفاء قمري، الباحثة السورية المتخصصة في أمراض النبات الفيروسية، من التوصل إلى أصناف نباتات مقاومة للفيروسات وذات إنتاجية عالية تسهم في دعم المزارعين الصغار وتحفظ الأمن الغذائي في المنطقة.

قالت “إذا كانت الفيروسات وغيرها من الأمراض تؤثر على المحاصيل الزراعية الأساسية، فإن المزارعين الفقراء لن يجدوا ما يأكلونه إذا فقدوا محاصيلهم.”

تشغل قمري، التي تقيم حالياً في لبنان، منصب رئيس مختبر صحة البذور بالمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) (ICARDA)  منذ عام 2015، حيث تعمل على ضمان صحة البذور وخلوها من الأمراض وتوافقها مع المعايير الدولية. كما تستمر في عملها البحثي على إنتاج أصناف من الفول والحمص والعدس مقاومة للأمراض الفيروسية، حيث تقوم  بزراعة الأصناف المختلفة وتعمل على نقل العدوى الفيروسية لها وتراقبها لنهاية الموسم، فيموت الضعيف منها ويستمر الأقوى.

قالت “الأمر شاق جداً، أحياناً تموت كل النباتات التي نزرعها بعد 20 يوم من العدوى بالفيروس لنصل إلى آخر الموسم بلا نباتات أو حصاد، وعندما تصادفنا نباتات تبدي مقاومة للإصابة الفيروسية نقوم بحصادها ومن ثم تقييم بذورها  في المواسم القادمة فيما يسمى عملية الإنتخاب.”

قضت قمري سنوات طويلة في انتخاب أصناف نباتية مقاومة للفيروسات، ومنها أصناف من الفول مقاومة لفيروس اصفرار وموت الفول (FBNYV)، حتى تمكنت من تحقيق أكبر إنجازاتها على حد قولها.

قالت “في عام 2009 م بدأت ألاحظ في مجموعة وصلتني من بذور الفول أن هناك بعض النباتات أبدت مقاومة للإصابة بالفيروس بعد إعدائها بحشرات المنّ الحاملة للفيروس بنسبة 10 في المئة، فقمت بإعادة زراعة بذور هذه النباتات التي لم تموت وأبدت مقاومة للإصابة في المواسم اللاحقة حتى وصلت إلى نباتات لا تصاب بالمرض بنسبة 100 في المئة.”

الصبر مفتاح البحوث

استغرق بحث قمري نحو 10 سنوات من العمل المتواصل. قالت “كانت النتيجة مذهلة في النهاية.”

توضح قمري، التي تم اختيارها ضمن قائمة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لأكثر 100 امرأة تأثيرًا وإلهامًا في العالم للعام 2020، اهتمامها بمحصول الفول لكونه من المحاصيل الرئيسية في المنطقة والذي يتواجد بصورة أساسية في النظام الغذائي للسكان، حيث تعتقد أن عملها عليه يتطلب منها توفير حلول للمزارعين من أجل انتاج محصول وفير خالي من الأمراض لأنه مصدر رزقهم.

قالت “أتمنى أن أعمل على إنتاج كميات كبيرة من الأصناف المقاومة للمرض وتوزيعها في كل دول المنطقة ليستفيد منها المزارعون.”

تبدي قمري سعادتها بالعمل مع مؤسسة دولية توفر لها إمكانات مالية كافية لدعم عملها البحثي.

قالت “لو عملت في وظيفة حكومية روتينية لن أتمكن من الوصول للنتائج البحثية التي وصلت إليها خلال عملي في مركز دولي لديه الإمكانيات المادية والقواعد الصارمة في العمل والبحث العلمي”.

في نفس الوقت، لاتخفي قمري أسفها الشديد لما آلت إليه الأوضاع في بلدها سوريا.

قالت “قبل الحرب كانت كل الإمكانيات والأجهزة الضرورية للبحوث الزراعية العلمية متوفرة، ولكن للأسف بعد الدمار الذي لحق بسوريا، حالياً إذا وجدت جهاز علمي في مختبر ما  فلن تجد الكهرباء أو المواد الضرورية التي يحتاجها الجهاز لإكمال تجربة معينة”. (اقرأ التقرير ذو الصلة: تقرير جديد: التعليم العالي السوري “شديد التشظي وعرضة للتراجع”).

مغامرة لإنقاذ البذور

في عام 2010، امتلكت قمري عينات من البذور المقاومة (أصلها 27 نبات) وضعتها بمقر مركز إيكاردا في حلب، لكن اندلاع الثورة في سوريا في العام التالي وتدهور الأوضاع الأمنية دفع قمري إلى تخزين البذور المقاومة للفيروس في منزل شقيقتها في حلب لحفظها في مكان أمن.

لاحقاً وخلال سفرها في رحلة عمل إلى أثيوبيا، اضطرت أسرتها للفرار إلى تركيا بعد الاستيلاء على منزلهم. مع ذلك قررت قمري العودة لإنقاذ البذور.

قالت “هذه البذور نتاج عمل شاق امتد لـ 20 عاماً، ولم يكن هناك سواها. لو كنت قد فقدت البذور، لضاع كل شيء فعلته لأصل إلى هذه المرحلة.”

كانت رحلة العودة شاقة ومحفوفة بالمخاطر خاصة مع ارتفاع وتيرة التفجيرات والقتال.

قالت “استغرقت رحلة الوصول للمنزل ثلاثة أيام. كان القتال والتفجيرات منتشرَين في كل مكان.”

تواصل صفاء قمري، أبحاثها في مختبر الفيروسات التابع لمعهد البحوث الزراعية في تونس، بعد خروجها من سوريا عام 2012. (الصورة: بإذن من صفاء قمري).
تواصل صفاء قمري، أبحاثها في مختبر الفيروسات التابع لمعهد البحوث الزراعية في تونس، بعد خروجها من سوريا عام 2012. (الصورة: بإذن من صفاء قمري).

خلال بضع أيام استطاع مركز إيكاردا توفير فرصة استضافة لها في مختبر الفيروسات التابع لمعهد البحوث الزراعية في تونس، فخرجت قمري من سوريا مع البذور المقاومة للفيروسات لتواصل بحوثها في تونس. استمرت قمري في بحوثها في ظل ظروف نفسية صعبة نتيجة تشتُّت أسرتها في مختلِف أنحاء سوريا وتركيا وألمانيا، لكنها توصلت في النهاية إلى تحصين النباتات بمناعة مستقرة في عام 2015.

قالت “قمنا بحل مشكلتنا مع المرض لكن مشكلة المزارع مازالت مستمرة فهو يريد نبات قوي وذو إنتاجية عالية.”

قام المختصون بتهجين بذورها المقاومة للفيروس مع أصناف فول عالية الإنتاجة، ومن ثم إعطائها الأجيال الهجينة الناتجة، تخضع هذه الأجيال الهجينة الآن للتقييم في ظل ظروف عدوى بالفيروسات للتوصل إلى نباتات مقاومة للفيروس وتتمتع بإنتاجية بذور عالية. تقول قمري إن عملية التهجين واختبار الأجيال تستغرق وقتاً طويلاً وتحتاج إلى صبر، لكنهم اقتربوا من النهاية.

قالت “أتمنى أن يتم توزيع السلالات الجديدة ذات الجين المقاوِم للفيروس مع إنتاجية عالية على المعاهد البحثية في الدول التي يشكل فيها فيروس اصفرار وموت الفول خسائر كبيرة في غضون عامين أو ثلاثة لكي يتم توزيعها لاحقاً على المزارعين.”

همة عالية ومسؤولية كبيرة

يشهد زملاء قمري بجديتها وشغفها الكبير بالبحوث.

تعرف خالد مكوك، رئيس مختبر الفيروسات السابق بإيكاردا ورئيس تحرير مجلة وقاية النبات العربية، على قمري في عام 1985، قال “كنا نستقطب الخريجين الجدد من كليات الزراعة للعمل كتقنيين مؤقتين بهدف تدريبهم من ناحية، واستقطاب المميزين منهم للعمل بشكل دائم من ناحية أخرى. كان واضحاً من الأيام الأولى بأن صفاء تتميز عن الآخرين بالجدية في العمل. لذلك لم يطل الوقت حتى تم اختيارها للعمل في مخبر الفيروسات بشكل دائم.”

“لا تتردد صفاء في المشاركة في نشاط يدعم البحوث وإن كان بدون مقابل مادي.”

خالد مكوك   رئيس مختبر الفيروسات السابق بإيكاردا ورئيس تحرير مجلة وقاية النبات العربية

يعتقد مكوك أن من أهم الصفات التي لعبت دوراً مهماً في تألق قمري مهنياُ يكمن في حبها للخدمة العامة خارج نطاق الوظيفة الرسمية.

قال “لا تتردد صفاء في المشاركة في نشاط يدعم البحوث وإن كان بدون مقابل مادي. منذ سنوات وهي تساعد  في إعداد نشرات إخبارية وتنظيم مؤتمرات لجمعية أهلية تعنى بالنباتات كما تساعد في تحرير مقالات الباحثين  التي تصدر عن الجمعية العربية  لوقاية النبات، وكل ذلك يتطلب وقتاً وجهداً لم تبخل به يوماً.”

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

لاتحبذ قمري الحديث عن تحديات خاصة تواجه عمل الباحثات النساء. إذ تعتقد أن الموضوع يعود لقدرات الأشخاص، لا للجنس الذي ينتمون إليه. قالت “تحتاج الباحثات فقط إلى الإيمان بأنفسهن وقدراتهن، فتقييم العلماء يتم بناء على الإنجاز وليس الجنس.”

اليوم، تتمنى قمري العودة إلى وطنها سوريا لتشارك مع تعلمته من رحلتها البحثية مع المزارعين والباحثيين والطلاب.

قالت “قبل سنوات، اعتقدت أنني سأعود إلى سوريا خلال شهور. لكن الوقت طال. أتمنى العودة سريعا لكي أضع ما تعلمته لخدمة وطني.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام