fbpx


“العدالة الشعرية”: إطلالة على الشعر المغربي المعاصر

/ 19-03-2021

“العدالة الشعرية”: إطلالة على الشعر المغربي المعاصر

في عام 1994، بدأت ديبورا كابشان العمل على مختارات من الشعر المغربي المعاصر. في حينها، كانت قد حصلت على زمالة فولبرايت لدراسة الفن اللفظي والأدائي في المغرب عندما وجدت نفسها ذات ليلة في عرض زجل شارك فيه الشاعران أحمد لمسيح وإدريس مسناوي.

قالت كابشان في رسالة عبر البريد الإلكتروني، “كنتُ متحمسة، فقد عرّفني كلاهما على هذا النوع من الشعر بالإضافة إلى حركة كتابة الأدب باللهجة العربية المغربية (الدارجة) التي شهدت، في ذلك الوقت، ازدهارًا كبيرًا.”

تبع ذلك بدء كابشان مسيرة استمرت لأكثر من ربع قرن من قراءة الشعر المغربي والاستماع إليه وترجمته. وأثمرت تلك المسيرة عن مجموعة “العدالة الشعرية“، وهي مختارات جديدة تجمع أعمال أكثر من 80 شاعرًا مغربيًا. تعتبر المجموعة إلى حدٍ بعيد الأشمل في تقديم الشعر المغربي باللغة الإنجليزية، وهي رفيقة ممتازة لمجموعة عبد اللطيف اللعبي Anthologie de la Poésie Marocaine de l’Indépendance à Nos Jours (مختارات من الشعر المغربي من الاستقلال إلى اليوم)، المنشورة بالفرنسية عام 2005.

تضم مجموعة كابشان نسيجًا غنيًا ومتنوعًا من العديد من تقاليد الشعر المغربية، وتتناول مواضيع متنوعة مثل الرغبة والسجون السياسية والروحانية. تبدأ المقدمة باقتباس من شاعر الزجل غزير الإنتاج إدريس مسناوي: “عملنا عدّ النجوم، نجمة بعد نجمة / لهضم غطرسة الريح العنيفة / ومشاهدة الغيوم وهي تلقي علينا حفنة.”

على الرغم من بدء مسناوي بعدّ النجوم بصبر، فإنه ينتهي بدعوة إلى العمل: “والوقت، لن تقع حروفه بين أيدينا / حتى نكتب ما نحن عليه”.

تقدّم المجموعة رؤية لشعر مغربي معقد متعدد اللغات. بمساعدة من إدريس مرجان، وربط ترجمات الشعر باللغات المحلية في شمال إفريقيا، جمعت كابشان مئات القصائد المكتوبة بالدارجة المغاربية، والعربية الفصحى الحديثة، والفرنسية، والأمازيغية. (إقرأ التقريرين ذا الصلة: معركة اللغة تشتعل في المغرب و اللغة الأمازيغية: اعتراف رسمي وتهميش علني).

من الندرة إلى الوفرة

احتل الأدب المغربي، بحسب مقال لإبراهيم الكُبلي في عام 2016، مكانة هامشية في ذخيرة اللغة العربية الحديثة. وقال إن هذا “يعود إلى قرارات اختيار المترجمين وآراءهم بخصوص المختارات.” حتى العقد الماضي، تمت ترجمة القليل نسبيًا من الشعر المغربي إلى اللغة الإنجليزية.

كما أشارت كابشان في مقدمة مجموعة العدالة الشعرية، فقد ظهر شاعر مغربي واحد فقط في مختارات سلمى الجيّوسي المؤثرة عن الشعر العربي الحديث، ولا يوجد سوى عدد قليل من المغاربة في كتاب عيسى بلاطة “الشعراء العرب الحديثين 1950-1975“. لم يُدرج أي من الشعراء المغاربة في القصائد العربية في مجموعة مكتبة إيفريمان.

لكن هذا الوضع بدأ يتغير ببطء، إذ تضمنت مجموعة بيير جوريس وحبيب تنجور لقصائد الألفية مقطعًا طويلًا عن الشعر المغربي. في العقد الماضي، صدرت عدة مجموعات لشعراء مغاربة مترجمة إلى الإنجليزية منهم: اللعبي ورشيدة المدني وأحمد البوعناني ومحمد خير الدين وحسن نجمي ومحمد حمودان.

“لقد جمعت الكتب، وقابلت شعراء وسألتهم عمّن يقرأون وبمن يعجبون. منحني محمد بنيس العديد من المجلدات التي نشرها مع وزارة الثقافة (أعماله وأعمال الآخرين).”

ديبورا كابشان  

مع ذلك، عندما بدأت كابشان قراءة وجمع الشعر المغربي في عام 1994، كان الشعر زهرة نابضة بالحياة، لكنه كان منتشرًا في جميع أنحاء البلاد. قالت “لقد جمعت الكتب، وقابلت شعراء وسألتهم عمّن يقرأون وبمن يعجبون. منحني محمد بنيس العديد من المجلدات التي نشرها مع وزارة الثقافة (أعماله وأعمال الآخرين).”

قالت كابشان إنها لم تدخر وسعا في بحثها عن الشعراء. قالت “لكن في بعض الأحيان، كان الأمر محض صدفة: حيث التقيت بأحد شعرائي المفضلين – خير الدين مراد – بالصدفة البحتة في تجمع صوفي في شمال المغرب.”

تتضمن المختارات مقتطفًا من مجموعة حبوب اللقاح لمراد المنشورة عام 2001. يصف المقتطف الرياح وحبوب اللقاح والماء والحبوب بإجلال موسيقي. يقول بالفرنسية “الانتظار لنا / مَن نسأل السماء هطولًا غزيرًا سعيدًا.”

تطلّب العثور على شعر بلغات شمال إفريقيا مثل الأمازيغية والتارفيت والتشلحيت واللغة الحسانية العربية بحثًا أكثر جدية. في النهاية، اتصلت كابشان بمحمد فريد زلهود، الذي سبق أن ترجم أعمال عدد من شعراء التشلحيت إلى الفرنسية. أضافت “لكن الحسانية مفقودة. الكتاب غير مكتمل.”

إيجاد مظلة أوسع

لا تتنوع المجموعة في اللغات المستخدمة وخلفيات الشعراء فحسب، بل تتنوع في أنماطهم أيضًأ. إذ تتضمن أعمال مؤلفين مشهورين وحائزين على جوائز، مثل بنيس والبوعناني واللعبي والمدني.

لكنها تتضمن أيضًا قصائد لمؤلفين لا تُعرف أعمالهم إلا داخل المغرب، بما في ذلك الشعر الشعبي. قالت كابشان “لا يمثل الكتاب كتاب ثقافة عالية فقط، إذ يضم نماذج لذائقة العديد من جوانب المجتمع المغربي.”

من بين الشعراء الذين تتناولهم المجموعة شعراء غنائيون من أمثال علي شوهاد وأحمد الطيب لعلج. كتب شوهاد، الموسيقي الشهير أيضًا، “أيا شعرُ!” بالأمازيغية. ترجمها لأول مرة إلى الفرنسية حسن أومولود، قبل أن تترجمها كابشان إلى الإنجليزية. تمتاز أشعاره بالرقة، وتبدأ بحسرة عن الصعوبات التي تحيط بالشعر: “القصائد لا تؤذي حاصدي اللوم / لا تُكسب أحدًا دخلاً مربحًا.”

هناك العديد من القصائد التي تعلق على تحديات الكتابة والنشر في المغرب. ترى كابشان أن من بين الأسباب التي دعتها لإطلاق اسم العدالة الشعرية على المختارات هو تناول الكثير من الشعر الذي تضمنته قضايا اجتماعية وسياسية، خاصة وأن المشروع بدأ بالزجل، وهو شعر شفوي نُشر لأول مرة في الصحف والمجلات كنقد اجتماعي – أي من أجل العدالة. (اقرأ المقال ذو الصلة: “الجامعات اللبنانية تحتفي بالزجل الشعبي.”)

لأحمد لمسيح، أحد شعراء الزجل الذين ألهموا كابشان أول مرة، قصيدتان في المختارات. تجمع الأولى، بعنوان “خربشات أحمق” أو “تحناش البوهالي”، بين التعليقات الاجتماعية وروح الدعابة السوداء المرحة. تروي القصيدة صعوبات تأليف الكتب؛ يقول فيها: “كلماتك تصبح معول / لحفر قبرك / بقياساتك الدقيقة.” أو بالنص الاصلي: تولي حروفك فاس / تحفر قبرك / وأنت شاد القياس.”

تختتم القصيدة بالقول “الموت يتجول / راقب فمك / اجعله يصمت وأغلقه / لا تلُمني على أي شيء / قلت ما يجب أن أقوله / واحتفظ بما لديك لنفسك.” وبالنص الأصلي: “الموت كيتسارى / احضي فمّك / حوط حليه وسدو / لا تحسب علي مقال / أنا قلت ما عندي / واللي عندك شدّو.”

ما وراء الكتاب

في الأصل، كانت كابشان تأمل في نشر المختارات كمجلد بثلاث لغات. لكنها قالت، “مع نمو حجم المشروع ونطاقه، أصبح ذلك مستحيلًا. كان من الممكن أن يبلغ طول الكتاب أكثر من 800 صفحة!”

لهذا السبب، قررت كابشان والشعراء المتضمنون إتاحة النسخ الأصلية على موقعها على الإنترنت: deborahkapchan.com. 

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

بالإضافة إلى القصائد بلغاتها الأصلية، يشتمل الموقع أيضًا على مقاطع فيديو لقراءات العديد من الشعراء، بما في ذلك لمسيح ومسناوي، الشاعران اللذين شاهدت كابشان أداءهما في عام 1994.

بطبيعة الحال، لا يوثق الكتاب كل الشعر المغربي، حيث تغيب أعمال سكينة حبيب الله (المولودة عام 1989) أو محمد الخضيري (المولود علم 1986) على سبيل المثال. كتبت كابشان في مقدمتها أنه “مع استثناءات قليلة، لم يتم تمثيل الأجيال الشابة من الشعراء هنا. سيكون هذا مشروعًا مستقبليًا.”

أضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني “ترجمة الأعمال الجديدة مشروع دائم، وآمل أن أعمل على ترجمة الأعمال طوال حياتي.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام