fbpx


وليد الزيدي: فقدان البصر لا يعني فقدان العقل

/ 03-12-2020

وليد الزيدي: فقدان البصر لا يعني فقدان العقل

تونس- يواجه ذوو الإعاقة في تونس وغالبية الدول العربية صعوبات جمة تعيق استمرار تعليمهم وانخراطهم بصورة طبيعية في سوق العمل، لكن مسيرة وليد الزيدي في التعليم والعمل تجعله نموذجاً يحتذى للنجاح.

فقد الزيدي البالغ من العمر (34 عاما) بصره في سن صغيرة، ورغم التحديات استمر الزيدي في متابعة تعليمه ليحصل على شهادة الدكتوراه في البلاغة ومن ثم ليعمل أستاذاً جامعياً ويعين كوزير للثقافة لاحقاً.

قال “الأفكار التي غيرّت العالم هي أفكار لم تنتجها الحواس وإنما أنتجها الذهن،” في إشارة إلى أن الإعاقة الجسدية أياً كان نوعها لا يمكن أن تؤثر على الإنتاج المعرفي والمهني. عندما عُين كوزير للثقافة، كان مهتماً بإتاحة الفن أمام الجميع.

قال حينها في بيان صحفي “مشروعي بالأساس هو إيصال الثقافة إلى المغمورين، إلى المنسيين، إيصال الثقافة إلى الأطفال الذين يولدون في مناطق نائية، والذين تتقطع بينهم وبين الثقافة الأسباب… رهاني هو أن ينتج المواطن الثقافة مهما يكن عمره أو فئته.”

لا توجد إحصاءات رسمية بعدد الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة في الجامعات التونسية الحكومية. لكن موقع معاق التونسي يقدر عدد المعاقين بـ 208 آلاف منهم 46 بالمئة من حاملي إعاقة عضوية و27 بالمئة من حاملي إعاقة ذهنية و12 بالمئة من المصابين بالصمم و11 بالمئة من فاقدي البصر و4 بالمئة من متعددي الإعاقة. وعلى الرغم من أن القانون التونسي ينص على  مسؤولية الدولة والمجتمع في حماية المعاقين إلا أن غالبيتهم يعانون من التهميش والإقصاء، إذ تبلغ نسبة البطالة بينهم نحو 60 في المئة.

تتقاطع معاناة الطلاب من ذوي الإعاقة في تونس مع معاناة آلاف من نظرائهم في العديد من الدول العربية (اقرأ التقريرين ذو الصلة: خيارات محدودة لذوي الاحتياجات الخاصة بالجامعات المصرية و الجانب المظلم للتعليم العربي: الطلاب ذوو الإعاقة).

يعكف الزيدى على إنجاز بحوث فى العلوم البلاغية وفى علم نفس الإعاقة، كما ينتج برامج إذاعية فى الفكر والأدب فى إذاعة تونس الثقافية وإذاعة الكاف. ويجيد الزيدي العزف على آلة العود والغناء وكتابة الشعر.

“لم أسمح لفقدان البصر أن يوقف طموحي وشغفي بالاكتشاف والاستمتاع بالحياة.”

قال “لم أسمح لفقدان البصر أن يوقف طموحي وشغفي بالاكتشاف والاستمتاع بالحياة.”

شخصية مثابرة

تجمع قصة الزيدي بين اليأس والأمل، كما تتصف شخصيته بالطموح والإرادة والعزيمة والإصرار على النجاح. ولد الزيدي في مدينة تاجروين من محافظة الكاف بالشمال الغربي التونسي سنة 1986، في عام 1988، أصيب بمرض نادر “سرطان العين” أفقده حاسة البصر وهو في عمر السنتين وقبل أن يتعرف بشكل كاف على محيطه. مع ذلك، كان الزيدي متفوقا في دراسته منذ سنواته المدرسية الأولى وصولا إلى دراساته العليا. ورغم التحاقه بجامعات عادية لا تتوفر فيها أي وسائل مساعدة لتعليم المكفوفين، إلا أنه تمكن من الدراسة بمساعدة أفراد عائلته وزملائه في الجامعة. بعد التخرج، عمل كأستاذ ملحق الترجمة والبلاغة بكلية الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة وكباحث متخصص في العلوم البلاغيّة والتداوليّة وهناك حصل على الدكتوراه في البلاغة بتأطير من الروائي الدكتور شكري المبخوت

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

قال المبخوت “لم أعامله أبداً باعتباره كفيفا أو حامل إعاقة، بل شأنه شأن أي طالب آخر. فالقدرة على الدراسة وإجراء البحوث ترتبط أولاً بالعقل والفكر ومن ثم الإصرار والجدية وجميعها عناصر كانت متوفرة في الزيدي.”
بالطبع، لم تخل تجربة الزيدي العلمية من صعوبات لعل أبسطها متعلق بالمراجع والمصادر، إذ تفتقر المكتبات الجامعية لمراجع مكتوبة بطريقة تناسب ذوي الإعاقة البصرية. (اقرأ التقرير ذو الصلة: مهندسة تونسية تبتكر حذاءً ذكياً لمساعدة المكفوفين).

“استعنت بشقيقتي الصغرى، التي كانت دائما تقرأ لي ما أطلبه منها من ذلك المراجع باللغة الإنجليزية. أنا ممتن لها جداً كما أنني ممتن لدعم والدي.”

قال “استعنت بشقيقتي الصغرى، التي كانت دائما تقرأ لي ما أطلبه منها من ذلك المراجع باللغة الإنجليزية.  أنا ممتن لها جداً كما أنني ممتن لدعم والدي.” موضحاً أنه كان “مهووساً بفكرة النجاح منذ الصغر لحرصي على جعلهما فخورين بي.”

منصب رسمي ولكن

بعد حصوله على لقب أول دكتور كفيف يدرّس بالجامعة التونسية، نجح الزيدي في الحصول على لقب أول وزير كفيف في حكومة تونسية وثاني وزير كفيف في العالم العربي بعد الأديب طه حسين عندما شغل منصب وزير المعارف في مصر سنة 1950. وعلى الرغم من أن تعيينه لم يستمر لأكثر من شهر، حيث تم إعفائه من المنصب بعد تصريحات أدلى بها اعتبرت مناقضة لتوجهات الحكومة بشأن وقف تنظيم أي مناسبات أو أحداث يحضرها جمهور وذلك في إطار إجراءات مكافحة فيروس كورونا المستجد، إلا أن وصوله لهذا المنصب الحكومي الرفيع شهد ردود فعل متناقضة بين مرحب ومنتقد. إذ اعتقد كثيرون أن تعيينه رسالة تشجيع لكل المعوقين للإصرار على التعلم وتحدي الصعوبات، في حين يعتقد آخرون أن المنصب غير مناسب لظروف الزيدي فضلا عن عدم خبرته السابقة في العمل السياسي والإداري.

يطمح الزيدي اليوم لإعداد بحوث استراتيجية لمستقبل الثقافة في تونس، حيث  يسعى حاليا الى الالتحاق بالمعهد التونسي للدراسات الاستشرافية، التابع لرئاسة الجمهورية، للبدء ببحث علمي حول استراتيجية تنموية للنهوض بواقع الثقافة في تونس.وإلى جانب استئناف عمله كأستاذ جامعي، يبدي الزيدي رغبته في البحث في لغة الموسيقى ودورها في مد جسور من التواصل بين الناس رغم اختلاف الثقافات. كما يعمل على وضع  كتاب متعلق ب “العمى واللغة” وكيف يمكن للمرء أن يتصور ما لا يراه.

يشكل الزيدي نمودجاً يحتذى به للكثيرين من الطلاب في تونس حتى وإن لم يكونوا من ذوي الإعاقة. قالت وصال البركاتي، طالبة سنة أولى جامعة بكلية العلوم بنزرت،”عندما أقارن نفسي به، لا أجد أي مبرر للتقاعس عن الدراسة، الدكتور وليد حافز أساسي لي ودرس في جعل المستحيل ممكنا.”

يؤمن الزيدي أن الإرادة هي أساس النجاح وأن دعم المحيط أمر ضروري لتحقيقه. قال للفنار للإعلام “من خلالكم أتوجه لكل الطلاب من ذوي الإعاقة في تونس والمنطقة العربية، لا يوجد مستحيل. كل شء ممكن بالاجتهاد والمثابرة. لا تستسلموا، ابحثوا حولكم عمّن يدعمكم ولا تجعلوا الإعاقة الجسدية تعيق فكركم وأحلامكم.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام