fbpx


الابتكار الداعم: نموذج لتغيير التعليم العالي العربي

/ 21-09-2021

الابتكار الداعم: نموذج لتغيير التعليم العالي العربي

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

ملاحظة المحرر: المقال التالي مقتطف محرّر من كتاب “المهمات المستحيلة: التعليم العالي وصنع السياسات في العالم العربي“، الذي نشرته الجامعة الأميركية بالقاهرة. 

بدأتُ الإنخراط الأكاديمي في الشرق الأوسط منذ أكثر من ستين عامًا، في عام 1958، وقمت برحلتي الأولى إلى مصر في عام 1960. ومنذ ذلك الحين أمضيتُ معظم حياتي في المنطقة. أنشأت أسرة هناك في المغرب عام 1967 وأسأت بدون خجل، منذ ذلك الحين، استغلال كرم الضيافة المشهور في المنطقة. لقد شارك عدد لا يحصى من سكان الشرق الأوسط تجربتهم وحكمتهم معي دون توقع شيء بالمقابل. في الواقع، لم يكن هناك أي طريقة لتعويضهم، كأفراد أو جماعات، عن كرمهم. وهم يعرفون من هم. لم يعد عدد قليل منهم معنا اليوم. قد تكون هذه فرصتي الأخيرة لأحيّيهم جميعًا. إنها لفتة غير ملائمة بشكل صارخ.

في مسيرتي الأكاديمية، كنتُ طالبًا في السياسة والسياسة العامة في الشرق الأوسط منذ أوائل الستينيات. وكحال العديد من زملائي، عشتُ في البيئة الأكاديمية دون دراستها. قادني عملي الميداني في العديد من البلدان إلى جامعات محلية، لكنني ذهبت إليها بحثًا عن الخبرة. لم أدرس المنطقة أبدًا لذاتهم، وهو أمر بدا، في وقت لاحق، قصر نظر محرج.

في مقدمة كتابي الجديد، الذي أؤمن به على نطاق واسع لدرجة أنني أشك في أنه سيثير أي معارضة، أرى أن التعليم العالي العربي كان ولا يزال في حالة أزمة هيكلية. وقد تم توثيق ذلك مع إرتفاع كبير إلى حد ما منذ عام 2002 في مختلف تقارير التنمية البشرية العربية.

كما بحثتُ في الكتاب، قد لا يكون هناك تفرّد “عربي” على وجه الخصوص في هذه الأزمة. أظن أن العديد من البلدان النامية التي ألزمت نفسها بإضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم العالي تجد نفسها في مواقف مماثلة. في الواقع، كانت مفاجأة لي أنه لا توجد مشاكل في التعليم العالي خاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو حتى بالبلدان النامية. تختلف المشاكل التي تواجهها الجامعات العربية والأمراض التي تتصارع معها من حيث الدرجة ولكنها لا تتفرد بشيء عن مثيلاتها في البلدان الأخرى. اسمحوا لي أن أذكر القليل هنا:

  • أزمات التمويل العام للتعليم العالي، الأمر يَصدُق في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة كما هو الحال في مصر أو المغرب.
  • تآكل المهنة الأكاديمية أو ما أسميه أسطورة الأستاذ المتفرغ. أصبح مساعدو الأساتذة في الولايات المتحدة التروس التي لا غنى عنها للتعليم العالي تمامًا كما كان يتوجّب على الأستاذ “بدوام كامل” اسميًا في العالم العربي البحث عن عمل خارج الأوساط الأكاديمية لتغطية نفقاته.
  • إن ميل الجامعات إلى تعزيز الامتياز الطبقي بدلاً من التغلب عليه أمر منتشر في كل مكان.
  • معدلات التسرب من الدراسة مشكلة عالمية. وقد كانت الأرجنتين رائدة على مستوى العالم في هذا الصدد.

مع ذلك، وبقدر ارتباط جذور هذه المشاكل بالمؤسسات السياسية في المنطقة، فقد يكون هناك ميزة عربية بخصوص هذه المشكلة. هناك مستويان عريضان يتطلبان الفحص. يتمثل الأول في “الاستراتيجية” والأهداف الوطنية، في قطاع التعليم العالي، في هذه الحالة. تتطور الاستراتيجيات، لذلك نحن بحاجة إلى معرفة وضع القطاع من أجل فهم أولويات المستقبل. يتضمن المستوى الثاني هياكل الحوكمة، بما في ذلك كيفية اختيار القيادة ومراقبة الأداء (المساءلة)، والحوافز التي يجب على كل من المدراء والوكلاء تحقيق مجموعة معينة من الأهداف. من الواضح أن جزءًا كبيرًا من صورة الحوكمة يتمثل في التمويل والموارد. فيما يتمثل جزء كبير بذات القدر في الدرجة الفعالة من الاستقلالية التي تتمتع بها المؤسسة.

يمكننا القول بثقة إن “الأزمة” نشأت على كلا المستويين – الاستراتيجية الوطنية والحوكمة المؤسسية – ومعالجتها سوف تتطلب تغييرات على كلا المستويين. إن الكثير من المؤلفات المتعلقة بالسياسات المذكورة أعلاه والتي سنعود إليها توجيهية. لأنها تقول الكثير عن ما يجب فعله مقارنة بكيفية القيام به، في ضوء السياق السياسي.

جون واتربوري: كاتب وعالم سياسي ورئيس سابق للجامعة الأميركية في بيروت.

تتمثل إحدى طرق فهم ما هو ممكن في اختيار حالات الإصلاح الناجح، أو نقاط الامتياز، أو على الأقل الحالات التي يتم فيها إحراز تقدم ملموس. … تكمن المشكلة هنا في أنه قد يكون هناك عدد قليل جدًا من قصص النجاح هذه خارج القطاع الخاص.

تتمثل إحدى طرق فهم ما هو ممكن في اختيار حالات الإصلاح الناجح، أو نقاط الامتياز، أو على الأقل الحالات التي يتم فيها إحراز تقدم ملموس. على سبيل المثال، ربما تمكنت جامعة القاضي عياض في المغرب أو جامعة قناة السويس في مصر من إحراز تقدم في جوانب تبدو فيها الجامعات الشقيقة الأكبر سناً والأكثر شهرة، مثل جامعة محمد الخامس أو جامعة القاهرة، غارقة في ممارسات القصور الذاتي. تكمن المشكلة هنا في أنه قد يكون هناك عدد قليل جدًا من قصص النجاح هذه خارج القطاع الخاص.

ننضم هنا إلى نقاش مستمر حول الطبيعة الأساسية للتعليم في المجتمع، ومن يستفيد منه، ومن يدفع تكاليفه. تجادل إحدى المدارس بأن التعليم على جميع المستويات يعزز المكاسب الفردية لمنتجاتها، وبالتالي يجب عليهم دفعها من الضرائب على دخلهم المُحسّن. ترى وجهة النظر هذه اعتبار التعليم سلعة خاصة تدر دخلاً.

وعلى الطرف الآخر، هناك أولئك الذين يرون التعليم حقًا، وانتهاكه يلحق ضررًا بالمجتمع ككل. وأن التعليم منفعة عامة تعود بالفائدة على المجتمع بأسره (حتى بالنسبة لأولئك الذين يتركون المدرسة الثانوية أو لا يذهبون إلى الجامعة مطلقًا). تتمثل الفوائد في توفير جهات فاعلة مناسبة لتكون مسؤولة، ومواطنين مطلعين بالإضافة إلى مشاركين مدربين في قوة عاملة ديناميكية واقتصاد سليم. بالنظر إلى أن العديد من المؤسسات التعليمية تتمتع بوضع الإعفاء الضريبي والاستفادة من الأراضي العامة، وبالنظر إلى أن دافعي الضرائب يمولون التعليم العالي العام الذي لا يستفيد منه كثير من البالغين في معظم المجتمعات، يبدو أن الرأي السائد هو أن التعليم يمثل منفعة عامة.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

ومن الملاحظات الأخرى أن الجامعات الوطنية العملاقة ستتحمل لعقود عديدة قادمة العبء الثقيل للتعليم العالي في العالم العربي. إنهم يتعلمون بمئات الآلاف، وغالبًا ما يغمر خريجوهم الخدمة المدنية وقطاع الأعمال العام. كما أنها تعاني من نقص في التمويل (باستثناء بعض الدول المصدرة للبترول) ولكنها في الوقت نفسه تمثل استثمارات ضخمة ضائعة لا يمكن شطبها أو تقسيمها بسهولة إلى أجزاء أكثر قابلية للإدارة. هل هناك أي رؤية للمستقبل سواء على مستوى الرؤساء أو على مستوى الوكلاء؟ هل هناك “ابتكارات تخريبية” في الأفق قد تؤدي إلى إبعاد السفن العامة القديمة عن المياه.

إذا ما دخلتُ في منطق الابتكار التخريبي، فإن صانعي السياسات والإداريين يمثلون مجرد عقبات تحول دون الحصول على شركاء في التغيير. سيكون حلفائي من رواد أعمال الذين يرغبون في إدخال الابتكار التخريبي إلى السوق. مهما كان دوري، فإن المؤسسات القائمة معرضة للتهديد وقد لا تستمر في شكلها الحالي. إذ ليس في الإمكان وقف التغيير الذي يقضي على اللاعبين. وهذا هو السبب في كونه تخريبيًا.

لكن ما أرغب في الترويج له في النهاية هو الابتكار الداعم. أدرك احتمال أن تكون الأنظمة الحالية غير قابلة للإصلاح أو قد لا تكون قادرة على خدمة أغراضها الأساسية نظرًا لهيكل الأسواق الحالية. لكن من الصعب تخيل سيناريو أذهب فيه إلى صانعي السياسة وأدعوهم لتبني التغيير الذي من شأنه أن يقوض الهياكل القائمة بكل رعايتها الناضجة وعلاقات قوتها مقابل دعوة لتبني شيء تخريبي بطبيعته ولا يمكن التنبؤ به وقد يكون مزعزعًا للاستقرار.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام