fbpx


اللاجئون السوريون يختارون مسارات أكاديمية جديدة في ألمانيا

/ 25-11-2020

اللاجئون السوريون يختارون مسارات أكاديمية جديدة في ألمانيا

بعد خمس سنوات من وصول أكثر من نصف مليون لاجئ سوري إلى ألمانيا، يتخذ الكثير منهم مسارات أكاديمية ومهنية مختلفة عن تلك التي اختاروها سابقاً في سوريا.

في ظل غياب الضغوط التي مورست عليهم من قبل، من قبل العائلات أو الصفوف الثانوية، وفي ظل دعم مالي حكومي سخي، عاد العديد من السوريين الذين ظلوا بعيدًا عن المدارس لسنوات إلى الفصول الدراسية لدراسة مجالات جديدة تمتلك فرص عمل أكثر إشراقًا فضلاً عن تلك التي ينتابهم شغف حقيقي حيالها. إذ وجدوا أن التغييرات المهنية أسهل في بلدهم الجديد مما كان عليه الأمر في سوريا.

لم تكن العودة إلى الدراسة الجامعية في سن الـ 28 مشكلة بالنسبة لشادي كيوان. من خلال دراسته كمساعد مختبر في دمشق وخبرته في العمل لمدة أربع سنوات، كان بإمكان كيوان الحصول على مؤهلات معترف بها في ألمانيا. لكنه أراد أن يبدأ من جديد في مهنة كان يحبها دائمًا لكنه لم يكن قادرًا على الانخراط بها في سوريا. اليوم، هو في الفصل الثالث في كلية علوم الكمبيوتر.

قال كيوان “لم أكن أحب العمل في المختبر، لكنني اخترته في سوريا بسبب درجات الامتحان النهائي للدراسة الثانوية.”

في سوريا، تحدد الدرجات في امتحان الثانوية العامة والمعروف باسم “البكالوريا” ما يمكن للطلاب دراسته في الجامعات الحكومية. إذ يُحرم المتقدمون الحاصلون على معدل يقل عن 85 في المئة من أي فرصة تقريبًا للقبول في كليات الهندسة أو الطب.

يحق للطلاب اللاجئين في ألمانيا الحصول على ذات المزايا التي يتمتع بها الألمان، بما في ذلك التعليم أو التدريب شبه المجاني ومزايا إعانة البطالة.

لكن في ألمانيا، وعلى الرغم من حصوله على معدل 65 في المئة تقريبًا في البكالوريا، تمكن كيوان من الحصول على مقعد في جامعة ماغديبورغ من خلال إكمال دورة جامعية تحضيرية تمولها الحكومة. وطوال عام، أخذ دروسًا في الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة الألمانية ومقدمة في علوم الكمبيوتر.

قال “سمعتُ الكثير من التعليقات بأنني كنتُ أكبر سنًا من أن أعود للدراسة، لكنني لم أشعر بالضغط. كنتُ أتوقع راتبًا أعلى في الاعتبار، لذلك لم يكن الأمر يتعلق بفعل ما أحب فحسب.”

وجد استطلاع أجري في عام 2019 أن 58 بالمئة من طلاب الجامعات اللاجئين في ألمانيا يبلغون من العمر 25 عامًا أو أكثر. وأظهر الاستطلاع أن ثلاثة من كل أربعة متقدمين لاجئين حصلوا على مقعد في جامعة أو كلية علوم تطبيقية، مع معدلات قبول أعلى بين السوريين، وأن شهادة إتمام المدرسة من سوريا بمتوسط درجات 70 في المئة أو أعلى مكنت الطلاب في العادة من الوصول المباشر إلى الجامعة، بحسب الاستطلاع. وليس الحال كذلك بالنسبة لشهادات اعتماد العديد من البلدان الأخرى.(اقرأ التقرير ذو الصلة: أبواب الجامعات الألمانية مفتوحة أمام اللاجئين ولكن..)

غياب ضغط الأسرة

كما تحرر اللاجئون من قيود أخرى ضيّقت عليهم في الوطن متمثلة في ضغط الأسرة. غالبًا ما يكون تحديد المسار الدراسي أو الوظيفي لخريجي المدارس الثانوية في سوريا مسألة عائلية. إذ يحاول أولياء الأمور دفع أطفالهم بإتجاه مجالات معينة وغالبًا ما يخضع الأطفال البالغون من العمر 18 عامًا لنصائحهم.

عندما تقدّم مهند الكناكري للالتحاق بالجامعات في دمشق منذ ما يقرب من عشر سنوات، ضغط والداه عليه لدراسة الحقوق بخلاف رغبته في دراسة إدارة الأعمال. كان طالبًا في السنة الثالثة عندما توجّه لاجئا إلى تركيا.

لم يكن بمقدور الكناكري تحمل تكاليف الدراسة في تركيا، حيث توجّب عليه العمل لإعالة نفسه. لكن، بوصوله إلى ألمانيا في عام 2015، كانت العودة إلى اهتماماته الأصلية أول ما فكر فيه. قال “منذ اللحظة الأولى في ألمانيا، كنتُ أعلم أنني أريد دراسة هذا المجال لأنني أحبه، فالأمر ليس بهذه الصعوبة بالنسبة لي.” الآن، الكناكري طالب في السنة الثانية في كلية إدارة الأعمال في جامعة قريبة من مدينة فرانكفورت.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

يحق للطلاب اللاجئين في ألمانيا الحصول على ذات المزايا التي يتمتع بها المواطنون الألمان، بما في ذلك التعليم أو التدريب شبه المجاني ومزايا إعانة البطالة. إذ مهّد الحصول على الدعم المالي أثناء تعلم اللغة والدراسة الجامعية الطريق لآلاف اللاجئين لدخول التعليم العالي الألماني.

يشعرمحمد كرف، 36 عامًا، بالامتنان للمساعدة المالية التي سمحت له بالدراسة مجدداً ليصبح مقدم رعاية ومربي للشاب. قال
يشعرمحمد كرف، 36 عامًا، بالامتنان للمساعدة المالية التي سمحت له بالدراسة مجدداً ليصبح مقدم رعاية ومربي للشاب. قال "للحصول على مثل هذه الفرصة للبدء في مثل هذا العمر في أي مجال - لم نر مثل هذا الدعم في أي مكان آخر". (الصورة بالإذن من محمد كرف).

يستكمل محمد كرف، 36 عامًا، خريج كلية الاقتصاد من دمشق، الآن تدريبه المهني ليصبح مقدم رعاية ومربي للشباب.

قبل التسجيل في الكلية، كان من حق كرف الحصول على تعويض للبطالة ودورات اللغة الألمانية المجانية. كطالب، يتلقى الآن مساعدة تسمى بافوغ “BAföG“، وهو اختصار ألماني لمجموعة من المنح والقروض بدون فوائد مدعومة فيدراليًا.

قال “للحصول على مثل هذه الفرصة للبدء في مثل هذا العمر في أي مجال – لم نر مثل هذا الدعم في أي مكان آخر”.

حصل أكثر من 20 ألف طالب سوري على دعم BAföG في عام 2019، وفقًا للإحصاءات السنوية لمكتب الإحصاء الفيدرالي الألماني.

قال مارتن كلاينماس، المتحدث باسم وزارة التعليم والبحث الألمانية، إن الطلاب الذين يبدأون تعليمًا أو مسارًا تدريبيًا جديدًا يمكن تمويلهم بشكل استثنائي إذا كان لديهم سبب حقيقي لتغيير مجال الدراسة.

كما يمكن التغاضي عن الحد العمري البالغ 30 عامًا لتلقي BAföG بشكل استثنائي إذا كان الطالب لاجئًا ويحتاج إلى تدريب إضافي في ألمانيا للاعتراف بمؤهلاته المهنية، وإذا كانت مؤهلاتهم غير مطلوبة في ألمانيا ، بحسب كلاينيماس.

تحديات اللغة

وبينما لا يمثل الالتحاق بالجامعة والحصول على الدعم المالي تحديًا كبيرًا لمعظم المتقدمين السوريين، إلا أن الدراسة بلغة أجنبية والتنقل في نظام التعليم العالي الألماني يمثلان تحديًا. (اقرأ التقرير ذو الصلة: ألمانيا تكافح لإدماج مليون لاجئ في سوق العمل ونظام التعليم)

يجب على الطلاب الأجانب إثبات إجادة اللغة الألمانية كشرط أساسي للقبول بالجامعة. ومع ذلك، فإن اجتياز الاختبار الموحد لا يضمن فهمهم للمحاضرات.

قال كرف “كان موضوع اللغة معاناة بكل معنى الكلمة.” إذ كان فهم اللغة التخصصية لكل وحدة التحدي الأكبر، وتطلّب منه قضاء ساعات إضافية في الدراسة كل يوم.

ذكر أكثر من 60 بالمئة من الطلاب اللاجئين في ألمانيا أن فهم اللغة التخصصية لمجالاتهم يمثل مشكلة، بحسب مسح أجري عام 2019 شمل 7,000 طالب لاجئ.

قالت كاتارينا كوبه، مستشارة الطلاب في الجامعة التقنية في برلين (TU Berlin)، إن أسلوب التعلم المستقل والمعتمد على الذات للتعليم العالي الألماني يمثل تحديًا خاصًا للطلاب من خلفيات أكاديمية أخرى. يجب على الطلاب ترتيب جداول الفصول الدراسية وتصميم خطة الدراسة الخاصة بهم.

كان هناك 1.2 مليون وظيفة شاغرة في ألمانيا في عام 2019 قبل انتشار جائحة فيروس كورونا. ساعد تدريب اللاجئين وتوظيفهم على ملء تلك الوظائف الشاغرة.

تعتقد ذُكاء سودا، 26 عامًا، طالبة معلوماتية الأعمال في جامعة نورمبرغ، أن هناك فجوة كبيرة بين أسلوب التدريس الألماني والسوري. قالت “أتعلم بمفردي ما يقرب من 80 بالمئة مما أدرسه، سواء من الكتب المدرسية أو اليوتيوب أو الدورات التعليمية عبر الإنترنت. لا يمكنك الاعتماد فقط على ما يعطيك الأستاذ في المحاضرات.”

كانت سودا طالبة اقتصاد في حلب قبل أن تلجأ إلى ألمانيا قبل خمس سنوات. أرادت دراسة الهندسة الكيميائية الحيوية وتم قبولها في جامعة إرلانغن، لكنها وجدت المجال صعبًا للغاية، ولذلك تحولت لدراسة المعلوماتية التجارية بدلاً من ذلك.

سد حاجة العمل

كان هناك 1.2 مليون وظيفة شاغرة في ألمانيا في عام 2019 قبل انتشار جائحة فيروس كورونا. ساعد تدريب اللاجئين وتوظيفهم على ملء جزء من تلك الوظائف الشاغرة. الآن، يعمل حوالي 49 في المئة من اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا في عام 2015، وفقًا لمعهد أبحاث التوظيف. (اقرأ التقرير ذو الصلة: التدريب المهني طريق اللاجئين إلى العمل في ألمانيا)

تنسق مكاتب التوظيف الحكومية مع مؤسسات التعليم العالي لتشجيع اللاجئين العاطلين عن العمل على دراسة المجالات التي تتوافر فيها فرص عمل أعلى.

كما يُطلب من الطلاب اللاجئين الحصول على مشورة شخصية من الكليات التي يرغبون في الدراسة فيها قبل التقديم إليها، بحسب مارتن كنشتغز، المتحدث باسم uni-assist، وهي جمعية تقوم بتقييم طلبات الطلاب الدوليين لأكثر من 170 معهدًا للتعليم العالي في ألمانيا. من شأن هذا أن يساعدهم على اكتساب معرفة أفضل بالمجال قبل التقديم رسميًا.

قال عبد الله هوشر، مستشار الطلاب الأجانب في جامعة برلين التقنية، إن مسألة تخطيط الطلاب للبقاء في ألمانيا أو العودة إلى بلادهم الأصلية تلعب أيضًا دورًا في قراراتهم حول ما إذا كانوا سيبدأون مجالًا جديدًا. قبل خمس سنوات، أرادت الغالبية الاستمرار في مجالهم السابق بحسب هوشر. وقال إن الناس “شعروا أنه يتعين عليهم القيام بشيء ما بسرعة، وكان عليهم الحصول على شهادة في أسرع وقت ممكن.”

لكن الوضع يتغير. ففي عام 2019، وجدت دراسة إحصائية أن 77 بالمئة من الطلاب اللاجئين في ألمانيا يعتقدون أن العودة إلى بلدانهم الأصلية “غير مرجحة” أو “غير مرجحة للغاية”. ويناقض هذا تقريبا الوضع في عام 2016، عندما كان حوالي 80 في المئة يفكرون في العودة إلى سوريا في وقت ما، بحسب هوشر.

قال “كان السؤال “هل الشهادة من الجامعة التقنية في برلين TU Berlin مُعترف بها في سوريا؟” الأكثر شيوعًا في حينها. الآن، قد أتلقى هذا السؤال في واحدة من كل 10 محادثات.”

لكن بالنسبة لمضر الدبيات، البالغ من العمر 28 عامًا من مدينة السلمية في غرب سوريا، كانت احتمالية العودة إلى الوطن أحد الأسباب التي دفعته إلى تغيير وظيفته. كان طالبًا في الطب البيطري سابقًا، وقرر بدء تدريب مهني في العلاج حتى يتمكن من المساعدة في إعادة تأهيل ضحايا الحرب في سوريا.

قال الدبيات “ليس لدينا هذا مثل هذا العلاج في سوريا، ولدينا العديد من جرحى الحرب. يأتي البعض إلى العيادة هنا ولا يتحدثون الألمانية. أشعر بالارتياح لأنني أستطيع التواصل معهم بلغتهم الأم.”




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام