سلسلة جديدة تقدّم الأدب العربي الكلاسيكي للقراء اليافعين

/ 21-10-2020

سلسلة جديدة تقدّم الأدب العربي الكلاسيكي للقراء اليافعين

بالنسبة لبعض المراهقين، يبدو الأدب العربي الكلاسيكي جامدًا ومجالا مُحرّماً على الأجيال الجديدة.

يخشى البطل المراهق في رواية “تنين بيت لحم” للكاتبة “هدى الشوا” فصل اللغة العربية، ولاسيما حصص الشعر العربي ما قبل الحديث. لكنه يلتقي، بعد ذلك، بتنين بارع يمنحه طريقة جديدة للنظر إلى هذه القصائد البالغ عمرها خمسة عشر قرنًا. بعد تحريرها من سياق الفصل الدراسي التقليدي، أصبحت القصائد شيئًا جديدًا.

من خلال سلسلة القراء اليافعين الجديدة من مكتبة الأدب العربي التابعة لجامعة نيويورك (LAL)، يقدّم الباحثان إيناس خنسه وبلال أرفه لي شيئًا يشبه ما قام به هذا التنين السري. تعيد السلسلة، التي تصدر كتابها الكلاسيكي الثالث هذا الشهر، صياغة نصوص ما قبل الحداثة بشكل يمكنّها من التأرجح في الفصل الدراسي وخارجه.

قالت خنسه في مقابلة عبر موقع زووم، “الأدب العربي الكلاسيكي مرتبط بأشياء كثيرة، لكنه لا يرتبط بكونه مساحة للتفكير الإبداعي والتجريبي. أعتقد أن الفكرة الرئيسية لكلينا تتمثل في أن تكون [سلسلة الكتب] هذه تجريبية. لهذا السبب نتواجد – نحن المختصين في القرون الوسطى – لأن هناك ثراء وإمكانات في هذا المجال.”

وأضافت خنسه “لا يعتبر هذا تراثًا نرتبط به. إنه تراثنا، ونعمل على إعادته إلى الحياة، أو إعادة قراءته من جديد. والأمر نفسه بالنسبة للأطفال.”

لا تأكل لحم الفيل

أُطلقت سلسلة القراء اليافعين من مكتبة الأدب العربي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بإصدار كتابها الأول، “حياكة الكلام“. تتألف المجموعة من مختارات من حكايات القرن العاشر الساحرة من كتاب “الفرج بعد الشدة” للتنوخي.

تبدأ المجموعة بقصص التنوخي السريعة والتي تتحدث عن الصعوبات التي تواجه مجموعة من الصوفيين الناجين من الغرق. لا يجد الصوفيون أي طعام، ويتضرع كل من الصوفيين لله. يعد أحدهم بالصوم، ويقول آخر أنه سيصلي أكثر، ويتعهّد الثالث بالتخلي عن الملذات الدنيوية. ويتعهد آخرهم، بشكل غريب، بعدم أكل لحم الفيلة. ويتضح فيما بعد بأن هذا بالضبط ما سينقذه عندما يصل فيل غاضب إلى المشهد.

لم يتم اختصار أو تحوير هذه القصة – مثل النصوص الأخرى في السلسلة – بأي شكل من الأشكال. وليست هناك هوامش على الكلمات الأقل شهرة.

“الأدب العربي الكلاسيكي مرتبط بأشياء كثيرة، لكنه لا يرتبط بكونه مساحة للتفكير الإبداعي والتجريبي. أعتقد أن الفكرة الرئيسية لكلينا تتمثل في أن تكون [سلسلة الكتب] هذه تجريبية. لهذا السبب نتواجد – نحن المختصين في القرون الوسطى – لأن هناك ثراء وإمكانات في هذا المجال.”

إيناس خنسه   باحثة ومحررة في سلسلة القراء اليافعين

قال أرفه لي في مقابلة عبر زووم، “عندما أقرأ باللغة الإنجليزية، لا أفهم كل كلمة في النص، لكن لا يزال بإمكاني تخمين المعنى. أردت أن يتعلم الأطفال أيضًا مفردات جديدة بهذه الطريقة، دون الحاجة لوجود حاشية لكل شيء.”

لكن للقصص سياق إضافي، فقد تمت ترجمتها بصريًا من قبل الفنانة اللبنانية المشهورة جنى طرابلسي، التي أضاءت الكتاب بصورها الساحرة بالأبيض والأسود.

قالت خنسه “جنى لا تقرأ العربية الفصحى، وهو أمر مثير للغاية بالنسبة لنا لأننا نريد إثارة اهتمام الشباب الذين يشعرون أنهم لا يستطيعون قراءة هذه النصوص.”

بهدف المساعدة في العملية الفنية، قامت خنسه وأرفه لي بتقسيم القصص وصياغة محاضرة صغيرة حول كل قصة. قالت “سجلنا لها سبب اختيارنا لكل قصة وما نعتقد أنه العنصر المميز فيها: هل هو مرئي؟ هل هي سمعية؟ هل هو اتصال بالشخصيات؟  أعطيناها انطباعاتنا، وأعادت هي تفسير ذلك بصريًا.”

طرح الأسئلة الصحيحة

يضم الكتاب الثاني في السلسلة “لِمَ اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟“، مقتطفات من كتاب “الفيلسوف يجيب” لأبي حيان التوحيدي وأبو علي مسكويه. تجمع هذه المجموعة الأخرى من القرن العاشر، على الرغم من كونها غير قصصي، الأسئلة الفلسفية للتوحيدي مع ردود مسكويه.

تدور الكثير من التساؤلات حول سلوك الإنسان، مثل: لماذا تبدو فصاحة اللسان أصعب من فصاحة القلم؟ لماذا من غير اللائق مدح الذات، بينما يبدو من اللائق تلقي الثناء؟ فضلاً عن أسئلة أخرى تتعلق بالقوانين الطبيعية، مثل: لماذا يشعر الأطفال والحيوانات غير العاقلة بالألم؟

قال أرفه لي “حتى لو كانت هذه الإجابات غير ذات صلة، وحتى لو كانت خاطئة علميًا، فلا يزال هذا علمًا في ذلك الوقت. وتجعلنا نفكر في الكيفية التي سينظُر بها الناس بعد ألف عام إلى علمنا، وكيف ننظر إلى الأشياء.”

وأضاف “ما يثير الدهشة هو أننا لا نزال نطرح العديد من الأسئلة نفسها. وأعتقد أن الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات. أردت أن أنقل هذا إلى الأطفال في المدارس، وأن طرح السؤال لا يقل أهمية عن الإجابة عليه، إن لم يكن أكثر أهمية.”

تتوفر جميع كتب اليافعين مجانًا، بصيغة PDF، على موقع مكتبة الأدب العربي، كما يتم توزيع النسخ المطبوعة على المدارس والمنظمات التعليمية غير الحكومية في جميع أنحاء العالم مجانًا. (الصورة:
تتوفر جميع كتب اليافعين مجانًا، بصيغة PDF، على موقع مكتبة الأدب العربي، كما يتم توزيع النسخ المطبوعة على المدارس والمنظمات التعليمية غير الحكومية في جميع أنحاء العالم مجانًا. (الصورة: "لِمَ اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟)

يمتاز الكتاب الثاني بأسلوب توضيح مختلف بشكل ملحوظ. إذ تثير رسومات الفنانة السورية ورد الخلف تساؤلاتهم في بعض الأحيان. بحسب خنسه وأرفه لي، فإن لمجموعة “لِمَ اشتدّ عشق الإنسان لهذا العالم؟” جمهور أكبر بقليل من كتابهم الأول، حياكة الكلام. الكتاب الأول مخصص للقراء من سن 9 سنوات فما فوق، بينما يُوصى بقراءة الكتاب الثاني للقراء الذين تبلغ أعمارهم 13 عامًا فأكثر.

لكن أرفه لي قال إنه لا يوجد حد أقصى. قال، “قامت والدتي بإعطاء المجموعة أيضًا لأصدقائها، الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا، وقد استمتعوا بها.”

وكحال كل أمثلة الأدب الجيد للقراء اليافعين، “فإنه ملائم لجميع الفئات العمرية.”

عقلاء المجانين، النحويون والنساء

أما الكتاب الثالث في السلسلة المقرر إطلاقه هذا الشهر فهو كتاب “عقلاء المجانين” لأبي القاسم النيسابوري. على الرغم من أن هذا الكتاب يأتي من ذات الفترة الزمنية تقريبًا، إلا أن النصوص القادمة الأخرى ستكون من فترات أخرى، وستتضمن مجموعة واسعة من الأساليب والأنماط والموضوعات. وهم يفكرون أيضًا في نصوص ثنائية اللغة أو ترجمات باللغة الإنجليزية.

لا تستند مختارات “صداقة” القادمة إلى مختارات من نص واحد. قال أرفه لي “نضع آية قرآنية، ثم حديث، ثم مَثل، ثم قصيدة ورسالة، معًا، في حوار مع بعضها البعض.”

كما ستصدر قريبًا مجموعتين بعنوان أخبار النحويين وأخبار النساء. وزيّنت الأخيرة بأسلوب كومكس معاصر للينا مرهج، كاتبة الروايات المصوّرة اللبنانية الحائزة على جوائز. قالت خنسه، “وبما أن تاريخ المرأة لم يكن مركزيّا، فقد اختارت شكلاً من أشكال الكومكس غير السائدة.”

كما ستصدر قريبًا مجموعة تركز على المتنبي، الشاعر العظيم من القرن العاشر، والتي رسمها الفنان المصري الشهير وليد طاهر،وكتاب بلاهوار، وهي قصة عن بوذا، برسوم ورد الخلف أيضًا.

“ما يثير الدهشة هو أننا لا نزال نطرح العديد من الأسئلة نفسها. وأعتقد أن الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات. أردت أن أنقل هذا إلى الأطفال في المدارس، وأن طرح السؤال لا يقل أهمية عن الإجابة عليه، إن لم يكن أكثر أهمية.”

بلال أرفه لي   باحث ومحرر في سلسلة القراء اليافعين

تقلب كل هذه الكتب توقعات القراء الشباب بطريقة ما. وينطبق هذا ينطبق بشكل خاص على كتاب أخبار النحويين.

قال أرفه لي “عادة ما يكره الأطفال القواعد، وينظرون إلى النحو على اعتبره مادة جافة جدًا. لكنها في الواقع حيوية للغاية، ولذا فإن هذا النص تكريم لهذا التقليد الفكري باللغة العربية. وهي نصوص مضحكة للغاية عن النحاة. لذلك يجب تغيير فكرة كيفية النظر إلى مادة القواعد.”

ما وراء النص: الموسيقى والفن والأداء

تتوفر جميع كتب اليافعين مجانًا، بصيغة PDF، على موقع مكتبة الأدب العربي، كما يتم توزيع النسخ المطبوعة على المدارس والمنظمات التعليمية غير الحكومية في جميع أنحاء العالم مجانًا.

قال فيليب كينيدي، المحرر العام لمكتبة الأدب العربي، “إنه لمن دواعي فخر المكتبة أننا نقوم الآن بتوفير أعمال هامة من الأدب العربي للأطفال في سن المدرسة.”

لكن لهذه النصوص أيضًا حياة خارج الصفحات المطبوعة. قام فريق القراء اليافعين بالفعل بإشراك القاصّة المحترفة سالي شلبي، المعروفة مهنيًا باسم شلبية الحكواتية، لتسجيل القصص من مجموعة حياكة الكلام. بدأت هذه العروض الصوتية الساحرة التي تتراوح مدتها من خمس إلى عشر دقائق في الظهور على SoundCloud.

يعتقد أرفه لي، بهذه الطريقة، يمكن أن تصل القصص إلى جمهور أوسع. قال “على سبيل المثال، الأطفال قبل أن يذهبوا إلى الفراش.”

كانت خنسه وأرفه لي قد خططوا لدعوة شلبية لأداء قصص من حياكة الكلام في معرض أبوظبي الدولي للكتاب هذا العام. لسوء الحظ، تم إلغاء المعرض بسبب جائحة كوفيد-19. وقد قالوا إن عمليات الإغلاق بسبب كوفيد-19 عرقلت جولات وورش عمل أخرى مخطط لها أيضًا.

ومع ذلك، واصلوا التخطيط لطرق جديدة لإعادة إحياء هذه النصوص من جديد. ذكرت خنسه التفسيرات المحتملة لكنان العظمة وكيفورك مراد، اللذين يعزفان الموسيقى وتأويلات حيّة. وسيقوم كل من خنسه وأرفه لي بتدريس دورة مشتركة في الأدب والأداء في الجامعة الأميركية في بيروت مع الفنانة المسرحية سحر عسّاف.

قالت خنسه “سيكون كتاب حياكة الكلام جزءًا من ذلك. ستكون متاحة وفي الإمكان الوصول إليها بيُسر – لاستخدامها بطرق مختلفة.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام