أرشيف رقمي يجمع أغلفة الكتب العربية من القرن العشرين

/ 10-10-2020

أرشيف رقمي يجمع أغلفة الكتب العربية من القرن العشرين

طوال قرون، لم تُعلن أغلفة الكتب العربية عن طبيعة المحتوى. إذ زُينت الأغلفة الجلدية التي تحمي المخطوطات المنسوخة يدويًا بزخارف دائرية وميداليات لوزية الشكل ونجوم وطبعات وأحيانًا أزهار، بحسب وصف آدم جاسيك في كتابه المخطوطات العربية: دليل القرّاء.

ومع انتقال إنتاج الكتب إلى الطباعة، بدءًا من القاهرة في عشرينيات القرن التاسع عشر، استعارت هذه الكتب المطبوعة المبكرة زخارف تصميم أغلفة نظيراتها من المخطوطات. تتميز أغلفة الكتب المطبوعة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر بتصاميم لأهلّة وزهور وأنماط زخرفية أخرى.

قال مو الحسيني، مؤسس مشروع أرشيف تصميم الغلاف العربي (ABCA)، “لم يكن قد تم بعد إثبات فكرة وجود صلة واضحة بين غلاف ومحتوى الكتب.”

يركز أرشيف تصميم الغلاف العربي على المرحلة التالية من تصميم أغلفة الكتب العربية: التحولات والحركات في القرن العشرين. يقع المشروع تحت مظلة مشروع مستودع التصميم Design Repository، بدعم من مؤسسة برو هالفيتيا القاهرة التابعة لمجلس الفن السويسري. يتألف الفريق الأساسي من أربعة باحثين ومصممين مقيمين في مصر ولبنان وفلسطين هم الحسيني ونورهان البنا وأميمة الدجاني ويمان طعمة. يعمل الجميع معًا على جمع وتنظيم أرشيف رقمي واسع النطاق لصور ومعلومات عن أغلفة الكتب العربية.

لن يتم إطلاق موقع أرشيف تصميم الغلاف العربي القابل للبحث على الإنترنت حتى عام 2021، لكن مع بدء المجموعة في نشر أغلفة مختارة على موقع إنستغرام في شباط/ فبراير من هذا العام، جذبت المشروع اهتمامًا فوريًا من قبل المؤلفين والناشرين وعشاق الكتب والمصممين.

ربما يغذي الحنين جزءًا من هذا الاهتمام. ومع ذلك، هناك أيضًا اهتمام واضح بسد الثغرات المعرفية بخصوص تصاميم أغلفة الكتب العربية. قال الحسيني “حاليًا، ليس هناك ما يكفي لربط النقاط بين الأزمنة المختلفة في تاريخ [تصميم الغلاف]، بين الماضي والحاضر.”

تحولات القرن العشرين

في أوائل القرن العشرين، بدأ الأدب العربي المطبوع في الوصول إلى جماهير جديدة، وخضعت أغلفة الكتب لتحول كبير. بحلول الأربعينيات من القرن الماضي، استمرت بعض أغلفة الكتب في إبراز الخط  العربي والتصاميم الزخرفية، بينما عمل البعض الآخر كإعلانات ذات ألوان زاهية للقصص الموجودة بداخلها، مما أدى إلى جذب انتباه القارئ.

بالنسبة للحسيني، هناك دائمًا ما يتعلق بالتصميم أكثر من مجرد الإعلان. قال إن أغلفة الكتب “تلخص المعرفة والأفكار والمخاوف والتاريخ والأحلام للأشخاص الذين يعيشون في أي موقع جغرافي. فهي، على المستوى الأساسي، تمثل ذاكرتنا الجماعية ووعينا وحتى اللاوعي.”

“تلخص أغلفة الكتب المعرفة والأفكار والمخاوف والتاريخ والأحلام للأشخاص الذين يعيشون في أي موقع جغرافي. فهي، على المستوى الأساسي، تمثل ذاكرتنا الجماعية ووعينا وحتى اللاوعي.”

مو الحسيني   مؤسس مشروع أرشيف تصميم الغلاف العربي

كانت الروايات البوليسية من أكثر أنماط الكتب شعبية في أربعينيات القرن الماضي في مصر، ويستحضر العديد من تصميمات الغلاف في ذلك العقد أسلوبًا غامضًا من السواد والظلال. بحلول منتصف القرن، سيطرت التصاميم الميلودرامية لجمال قطب على العديد من الأغلفة، بما في ذلك روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس. تمزج الواقعية المنمقة لقطب بين إثارة الخيال البوليسي والرومانسية في ملصق فيلم من الستينيات.

عندما توفي قطب عام 2016، كتبت المدونة زينب الجندي أنه أصبح من أشهر الفنانين المصريين، منذ أن دخلت أعماله المنازل في جميع أنحاء مصر واستقرت في ملايين المكتبات الخاصة.

ومع ذلك، لم يعد أسلوب قُطب في تصميم صور الأغلفة المرسومة يدويًا الأساس. ففي العشرين عامًا الماضية، شهد تصميم الغلاف العربي تحولًا كبيرًا آخر. قال الحسيني إن العديد من الفنانين العرب يتدربون الآن على مناهج التصميم الغربية التوجّه. وتستخدم العديد من أغلفة الكتب الآن الخطوط القياسية، والصور المخزنة، والقصاصات الفنية المتوفرة للمصممين في جميع أنحاء العالم.

كانت الروايات البوليسية واحدة من أكثر الأنواع شعبية في مصر في أربعينيات القرن الماضي ، والعديد من تصميمات الغلاف في ذلك العقد تستحضر أسلوبًا غامضًا نويرًا. (الصورة: أرشيف مشروع أرشيف تصميم الغلاف العربي )
كانت الروايات البوليسية واحدة من أكثر الأنواع شعبية في مصر في أربعينيات القرن الماضي ، والعديد من تصميمات الغلاف في ذلك العقد تستحضر أسلوبًا غامضًا نويرًا. (الصورة: أرشيف مشروع أرشيف تصميم الغلاف العربي )

علاوة على ذلك، تحولت جاذبية مبيعات الكتب من الأكشاك وأماكن بيع الصحف وأسواق الكتب إلى سلاسل المكتبات المعاصرة مثل الشروق والديوان وجرير والمجرودي. هنا، غالبا ما تكون الكتب المعروضة جديدة، ومعظمها يصطف بشكل مرتب على الرفوف.

خلقت كل هذه العوامل تحولاً في تصميم أغلفة الكتب العربية. قال الحسيني “بالنسبة لي، رأيت انفصالًا وانقطاعًا في الهوية التي كنتُ أشعر بها في أسواق الكتب القديمة، وفي الكتب القديمة عمومًا.”

حمّى الأرشيف 

كما أشار منظمو حلقة نقاشية حديثة في جامعة نيويورك بعنوان “الغزوات الرقمية“، فإن أرشيف تصميم الغلاف العربي واحد من عدد من المشاريع الصغيرة المستقلة التي تعمل على جلب المواد الرقمية إلى مساحة عامة مشتركة. تشمل المشاريع الأخرى أرشيف الشرق الأوسط وأرشيف الفيلم العربي وبيور نوستالجيا.”

في كل هذه المجموعات، لا يتم الاحتفاظ بالأشياء من قبل المؤسسة المعنية. بدلاً من ذلك، يتم مسح المعلومات ضوئيًا ومشاركتها على المنصات الرقمية.

“مشاريع مثل أرشيف تصميم الغلاف العربي ستستفيد من ممارسات النمذجة، لذلك سيكون من المفيد أن يكون لديهم سياق ومعلومات حول الأغلفة (المصمم، المؤلف، الرسام، الناشر، وما إلى ذلك) بشكل أكثر اتساقًا طوال الوقت.”

كريستين خوري   باحثة

تثير هذه المشاريع المستقلة أسئلة جديدة حول معنى أرشفة الماضي. في مقال بعنوان “52 سؤالاً حول الأرشيف“، وهو مقال لصحيفة مدى مصر الإلكترونية، يتأمل ستة فنانين وأمناء أرشيف المناقشات التي خرجت بها دورة معهد القاهرة للفنون والعلوم الليبرالية بعنوان حمى الأرشيف: التخصيص في الفن المعاصر. كتب المؤلفون أن المحفوظات المستقلة قد تم تأجيجها من خلال “اليأس من عدم الوصول إلى الأرشيفات الرسمية، حيث يتم حجز المعلومات في دهاليز المباني الوزارية أو قواعد البيانات الحكومية المتداعية.”

ومع ذلك، تواجه هذه الأرشيفات اللامركزية الجديدة أنواعًا مختلفة من المشاكل الخاصة بها.

أشارت الباحثة كريستين خوري، إحدى المتحدثات في نقاش “الغزوات الرقمية“، إلى أن مشاريع مثل أرشيف تصميم الغلاف العربي ستستفيد من ممارسات النمذجة، قائلة إنه سيكون من المفيد أن يكون لديهم “سياق ومعلومات حول الأغلفة (المصمم، المؤلف، الرسام، الناشر، وما إلى ذلك) بشكل أكثر اتساقًا طوال الوقت.”

وبالفعل، يعتقد الحسيني أن مجموعة أرشيف تصميم الغلاف العربي تعمل الآن على جمع كل هذه المعلومات والمزيد. قال “نحن نعتزم إضافة فارق بسيط في الطريقة التي ننظم بها المحتوى الخاص بنا، حتى يتمكن الأشخاص من الحصول على بعض خيارات البحث المتقدم التي يمكنها أن تساعدهم في تصفية بحثهم.”

وأضاف “نظرًا لكون هذا البحث مرئي، فإن خيارات التصفية ستتضمن خيارات مرئية مثل الأشكال والرموز والألوان. لذلك، لنفترض أنني سأتمكن من البحث عن كتب في الستينيات ذات غلاف باللون الأخضر ورسم توضيحي مع رمز كرة أرضية بداخله.”

“ما الذي يجعل الحدث يستحق الأرشفة؟”

من بين الأسئلة الـ 52 التي طرحها مؤلفو مقال مدى مصر حول الأرشيف، ما الذي يجعل شيئًا يستحق الحفظ. قال الحسيني إنه في الوقت الحالي، “ليس لدى مشروع أرشيف تصميم الغلاف العربي أي إرشادات لاختيار أغلفة الكتب الجيدة. عوضًا عن ذلك، كان الفريق مهتمًا بـ “جميع الكتب” تقريبًا من الأربعينيات وحتى التسعينيات.

حاليًا، وفي مرحلته الأولى، يركز المشروع على جمع البيانات. في هذه المرحلة، قال “نحن لا نجمع أغلفة كتب جميلة أو جذابة؛ نحن نجمع كل أغلفة الكتب.” وأوضح أن “المعيار الأول بالنسبة لنا في جودة عمليات المسح. والثاني هو أن تكون صارمًا في جمع المعلومات. إذ نمثّل في نهاية المطاف أرشيف يوفر موادًا خام للبحث، ويمكن أن يكون لهذا [البحث] استنتاجات بشأن ما يحدد التصاميم الجيدة أو السيئة.”

وبينما يصح أن مجموعة أرشيف تصميم الغلاف العربي، على انستغرام، لم تشارك سوى 450 غلافًا تم تمييزها بشكل أكبر، إلاّ أن الحسيني يقول أن هناك الكثير في المستقبل، حيث أكد، “نحن نجمع كل شيء بلا استثناء.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام