استطلاع جديد يكشف آثار الوباء على البحوث في المنطقة العربية

/ 25-09-2020

استطلاع جديد يكشف آثار الوباء على البحوث في المنطقة العربية

ملاحظة المحرر: ستعقد جلسة نقاشية عبر الإنترنت حول نتائج الإستطلاع المذكور في المقال أدناه يوم 5 تشرين الأول/ أكتوبر الساعة 4 عصراً بتوقيت بيروت. يمكن للقراء التسجيل هنا لحضور المناقشة، علماً أن عدد الأماكن محدود.

يواجه الباحثون، الذين يدرسون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في الغالب تحديات متزايدة مقارنة بالباحثين الذين يعملون في مناطق أكثر ديمقراطية، وفقًا لاستطلاع عبر الإنترنت شمل باحثين عاملين في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

غيَّرت جائحة كوفيد-19 طريقة الأساتذة في التدريس وإجراء البحوث. بالنسبة لمعظم الباحثين الذين يجرون أبحاثًا مقارنة، فإن القدرة على السفر لجمع البيانات ضرورية ليس لتعزيز جداول أعمالهم البحثية وتلبية متطلبات المنح فحسب، بل للتقدم الوظيفي أيضًا.

وبينما أوقف الوباء المشاريع البحثية لغالبية الباحثين، وقدرتهم على تقديم العمل، وأنشطة البحث الصيفية المخطط لها، إلاّ أن الباحثين الذين يدرسون منطقة الشرق الأوسط وشمال أإفريقيا يواجهون حواجز أكبر. بالنظر إلى الطبيعة الاستبدادية للأنظمة السياسية في معظم أنحاء المنطقة، يواجه الباحثونتحديات أمنية وأخلاقية مرتبطة بإجراء العمل الميداني عن بُعد، لا سيما مع السكان المحرومين والنازحين.

لمعرفة المزيد حول تأثيرات الوباء على المشاريع البحثية، أجرينا استطلاعًا عبر الإنترنت بين 26 أيار/ مايو و28 تمّوز/ يوليو لأكثر من 200 عضو هيئة تدريس في العلوم الاجتماعية والإنسانية. يعمل المشاركون في مؤسسات في 32 دولة في أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. نركز في مقالنا على المشاركين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والذين يمثلون حوالي نصف العينة. أجرينا أيضًا مقابلات نوعية مع باحثين دوليين وإقليميين لاستكشاف المزيد من الموضوعات المهمة والتحديات التي تواجه الأكاديميين العاملين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في خضم عمليات الإغلاق وحظر السفر والقيود وإجراءات التباعد الاجتماعي، ألغى الباحثون في جميع أنحاء العالم مشاريع السفر والعمل الميداني المخطط له في صيف عام 2020، مع تأخير العديد منهم إلى أجل غير مسمى في جمع البيانات. ذكر ثلاثة أرباع الباحثين أنهم اضطروا إلى تغيير (57 بالمئة) أو إلغاء أو تأجيل خططهم البحثية (23 بالمئة) لفصل الصيف. فيما تمكّن 5 في المئة فقط من المستجيبين من إجراء أنشطتهم الصيفية وفق ماهو مخطط لها. في وقت مبكر من تفشي الوباء، تم إلغاء العديد من المؤتمرات، بينما تم اعتماد الصيغة الافتراضية لعقد المؤتمرات اللاحقة في الصيف والخريف.

يوضح الرسم أدناه أن 91 في المئة من الباحثين، الذين يركزون على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قالوا إنهم اضطروا إلى تأجيل السفر للبحث، مقارنة بـ 79 في المئة من الباحثين الذين يدرسون مجالات أخرى. لكن المزيد من الباحثين الذين يركزون على منطقة الشرق الأوسط وشمال أإفريقيا بدأوا مشاريع جديدة (46 في المئة)، فضلاً عن الأبحاث المتعلقة بكوفيد- 19 (حوالي 30 في المئة) مقارنة بـ 32 و23 في المئة، على التوالي، بين الباحثين الذين يدرسون مناطق أخرى. وكان أقل من ثلث باحثي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قادرين على إجراء عملهم الميداني عن بُعد (31 بالمئة). أخيرًا، أشار أقل من نصف المستجيبين – 49 بالمئة – إلى كونهم قادرين على استئناف أبحاثهم وتأمين الوصول إلى البيانات التي تم جمعها مسبقًا.

تمكّن أقل من ثلث الباحثين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من إجراء عملهم الميداني عن بُعد. (تصميم: ناصر ذوق).
تمكّن أقل من ثلث الباحثين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من إجراء عملهم الميداني عن بُعد. (تصميم: ناصر ذوق).

كما يواجه الباحثون، المقيمون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحديات متزايدة مع الانخفاض الوشيك لميزانيات البحث والسفر الضعيفة بالأصل. إذ قال أحد المشاركين في الاستطلاع، “بالنسبة للباحثين المقيمين في منطقة الشرق الأوسط، كان البحث والتمويل يمثلان تحديًا بالفعل، ومع تأثيرات كوفيد-19 على الجامعات، ستصبح القدرة على السفر لحضور المؤتمرات أو الحصول على منح للبحث أكثر صعوبة. أضف إلى ذلك الاحتمال الكبير لزيادة العبء التدريسي الذي سيحول الجامعات البحثية إلى جامعات تعليمية.”

زيادة المخاوف الأمنية والأخلاقية

يتعين على الباحثين في المنطقة أيضًا التعامل مع مخاوف أمنية وأخلاقية متزايدة تحيط بالعمل الميداني في واقع كوفيد-19 الجديد. يضيف انتشار السياسات الاستبدادية عبر المنطقة المزيد من التعقيد لقدرة الباحثين على تنفيذ المشاريع وسط الوباء. بينما تم الترحيب بتصميمات البحث عبر الإنترنت – مثل إجراء مقابلات مع المشاركين عبر تطبيقات الفيديو المستندة إلى الويب – كحل، إلاّ إنها تثير عددًا من المخاوف الأخلاقية والأمنية الجادة. غالبًا ما تصبح التقنيات الرقمية في المنطقة وسائل للمراقبة الحكومية والقمع، مما يثير مخاوف بشأن ثقة وأمن وسلامة المشاركين في العينة البحثية. كما أن الاعتماد على تصميم البحث عبر الإنترنت يستبعد أصوات الأشخاص المحرومين من البحث الذين قد لا يكون لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية.

بالإضافة إلى ذلك، يميل الباحثون إلى قضاء ساعات لا حصر لها في الميدان مع عينات البحث ومحاوريهم لتأسيس شبكات ثقة، وضمان سلامة وخصوصية المشاركين، والتأكد من تنفيذ تصاميم البحث بشكل أخلاقي. تكاد هذه القدرة تكون معدومة في الواقع الوبائي الجديد. ينطبق هذا بشكل خاص على الأبحاث حول الفئات الضعيفة و/ أو المشردة ضمن السياقات الاستبدادية. أكد أحد الأساتذة الذين يدرسون الاتجار بالجنس في مخيمات اللاجئين في مقابلة عبر الإنترنت (29 أيار/ مايو 2020) كيف أنه من المستحيل ضمان “ثقة شخص ما نراه في مخيم للاجئين في الأردن للتحدث [معي] عبر الإنترنت حول ما حدث … [لن يحدث هذا.” في حين أن إجراء البحوث مع الفئات السكانية الضعيفة محفوف دائمًا بأوجه عدم الثقة، فإن المشهد عبر الإنترنت يؤدي إلى تفاقم هذه الشكوك، ولا سيما التهديدات التي تتعرض لها سلامة وخصوصية المشاركين في البحث.

الآثار بعيدة المدى على البحوث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

كشف الاستطلاع الذي أجريناه أن التحديات التي تواجه تنفيذ العمل الميداني سيكون لها تأثير على الفروع الدراسية بشكل عام فضلاً عن وظائف الباحثين. يعتقد غالبية الباحثين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنه سيتعيّن عليهم في المستقبل الاعتماد بشكل متزايد على جمع البيانات عبر الإنترنت (88 بالمئة)، ووافق 76 بالمئة على أنه سيكون هناك عدد أقل من المنشورات التي تستخدم المصادر الأولية في هذا المجال (الرسم أدناه). يعتقد أحد المشاركين فقط أن الأزمة الصحية الحالية لن تؤثر بشكل كبير على الأبحاث التي تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على الرغم من أن غالبية المستجيبين (84 في المئة) كانوا “قلقين إلى حدٍ ما” أو “قلقين للغاية” بشأن القدرة على تمويل أبحاثهم نتيجة للوباء، إلا أن 36 في المئة فقط اعتقدوا أن التمويل والأولويات البحثية ستتحول نحو البحوث المتعلقة بكوفيد-19.

something didnt work here
يعتقد غالبية الباحثين، المهتمين بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أنه يتعين عليهم الاعتماد بشكل متزايد على جمع البيانات عبر الإنترنت في المستقبل. (تصميم: ناصر ذوق).

خلال المقابلات التي أجريناها عبر الإنترنت مع الباحثين، أعرب أولئك الذين يجرون دراسات إثنوغرافية وغيرها من طرق جمع البيانات النوعية عن مخاوفهم من أن البحث الميداني لن “يتأخر” فحسب، بل سيتم “التقليل من قيمته” أيضًا، نظرًا لأن البحوث المعتمدة على “البيانات الضخمة” و”الانحدار” قد لا تواجه بالضرورة تحديات مماثلة. ستتفاقم مثل هذه الانقسامات المنهجية، كما توقع أحد المشاركين، وستصبح واحدة من “الانقسامات الأكثر أهمية” في المجال. سيكون لهذا التفاوت آثار طويلة المدى على مهن الباحثين. أوضح أحد الأساتذة أن الباحثين المبتدئين الذين يقومون بعمل نوعي سيواجهون على الأقل “تداعيات على مدى عامين أو ثلاثة أعوام”.

باختصار، يواجه الباحثون الذين يجرون بحثًا ميدانيًا، بغض النظر عما إذا كانوا يستخدمون طرقًا نوعية أو كمية، تحديات متميزة خاصة لأن توقعات النشر تبدو كما هي.

التطلع إلى الأمام: بعض الإيجابيات

يمثل الانتقال إلى البحث عبر الإنترنت تحديات رئيسية للباحثين، ولكنه يوفر أيضًا بعض الفرص للباحثين المقيمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على سبيل المثال، قد يوفر نقل المؤتمرات وورش العمل الدولية عبر الإنترنت فرصة لتعزيز مشاركة الباحثين الإقليميين وتقليل العزلة التي يشعر بها أولئك الموجودون في مناطق النزاع مثل العراق واليمن وسوريا. نظرًا للتكاليف والصعوبات المرتبطة بالحصول على التأشيرات والسفر إلى المؤتمرات في أميركا الشمالية وأوروبا، قد تجعل المؤتمرات وورش العمل الافتراضية المشاركة أسهل للباحثين المقيمين في المنطقة.

أخيرًا، وبينما خلق الوباء تحديات جديدة للبحث وفاقم التفاوتات القائمة في هذا المجال، يواصل الباحثون الإستفادة من إبداعاتهم للتخفيف من بعض آثاره. تؤكد نتائج استطلاعنا هذه النقطة مع بدء العديد من المستجيبين مشاريع بحثية جديدة متعلقة بكوفيد-19 أو تكييف الأبحاث الحالية لتشمل دراسة واقع كوفيد-19. بدأ باحثون آخرون في التقدم للحصول على منح لم تكن متوفرة قبل الجائحة. في الواقع، تعيد العديد من مؤسسات التمويل تخصيص ميزانيات السفر والفعاليات الأخرى لمشاريع البحث التي يمكن إجراؤها عن بُعد، والتي قد يكون لها تأثير إيجابي على البحوث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

  • مروة شلبي، أستاذة مساعدة في العلوم السياسية والنوع الاجتماعي ودراسات المرأة في جامعة ويسكونسن ماديسون في الولايات المتحدة. تركز مجالات بحثها على سياسات النوع الاجتماعي، ومنهجية البحث، والسياسة التشريعية في النظم الاستبدادية. وهي تعمل على كتاب عن التمثيل السياسي للمرأة في البرلمانات العربية.
  • غيل بوتورف، أستاذة مساعدة في التعليم ومديرة مشاركة لمركز أبحاث المسح هوبي للشؤون العامة بجامعة هيوستن. تركز أبحاثها على السياسة الانتخابية وتمكين المرأة والنوع الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي.
  • نيرمين علام أستاذة مساعدة في العلوم السياسية في جامعة روتجرز نيوارك.



لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام