بعد الفيضانات والجراد، كوفيد-19 يعصف بالجامعات والطلاب في الصومال

/ 31-08-2020

بعد الفيضانات والجراد، كوفيد-19 يعصف بالجامعات والطلاب في الصومال

يلجأ محمد سعيد، طالب بالسنة الثانية بكلية الهندسة بجامعة مقديشيو الخاصة، إلى استخدام دراجته البخارية ليقطع رحلة تستمر لمدة ساعتين يومياً، في درجة حرارة لا تقل عن 50 درجة مئوية،  للذهاب إلى منزل أحد أصدقائه لإستخدام شبكة الإنترنت وتطبيق زووم لحضور محاضراته.

فمع إغلاق جامعته لأبوابها بسبب انتشار وباء كورونا المستجد، عاد سعيد إلى مسقط رأسه بمدينة ليغو على بعد 100 كم شمال غرب مقديشيو، حيث لا توجد خدمة اتصال لاسلكي بالإنترنت ولا تتوافر خدمات الجيل الثالث أو الرابع من شبكات الاتصال.

قال سعيد “لا تقتصر المشكلة بالوصول إلى شبكة الإنترنت، أحيانا يكون التيار الكهربائي مقطوعا مما يجعل من متابعة الدراسة أمراً شديد الصعوبة.”

تسبب إغلاق أكثر من 42 جامعة في الصومال منذ 19 آذار/ مارس الماضي، كإجراء احترازي لوقف تفشي وباء كورونا المستجد إلى لجوء بعض الجامعات لمواصلة التدريس عبر الإنترنت بواسطة منصات وتطبيقات رقمية كحال معظم الدول العربية. لكن طلاب البلد الذي يعيش أكثر من 70 في المئة من سكانه تحت خط الفقر وفقا لبيانات البنك الدولي يواجهون صعوبات تقنية ومعيشية كبيرة تعرقل استمرار تعليمهم. (اقرأ التقرير ذو الصلة: التحول إلى التعليم عبر الإنترنت يفاقم عدم المساواة في المنطقة العربية).

قبل كوفيد-19، كان هناك أكثر من 5 ملايين صومالي بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، من بينهم 2.6 مليون نازح معرضون للخطر بشكل خاص، إضافة إلى تأثر نحو مليون شخص بالفيضانات، في وقت تواجه فيه البلاد “أسوأ موجة من الجراد الصحراوي منذ نحو 25 عاما،” بحسب جيمس سوان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال.

تعليمياً، يسجل الصومال أحد أدنى معدلات الإلتحاق الإجمالية بالمدارس في العالم. إذ يوجد أكثر من 60 في المئة من الأطفال في سن المدرسة، غير ملتحقين بالمدارس حالياً و26 في المئة منهم فقط ملتحقين بالتعليم الثانوي، بحسب البوابة العربية للتنمية.

اليوم، يعتقد كثيرون أن التحول نحو التعليم الإلكتروني يزيد من صعوبات التعليم في البلاد ويفاقم الفجوة الاجتماعية بين سكانه.

قالت هانا أحمد، الطالبة في السنة الثانية بقسم الصحة العامة بكلية العلوم الصحية بجامعة زمزم الخاصة في مقديشيو، “لا أمتلك سوى هاتفي المحمول وهو لا يساعدني كثيرا في استذكار دروسي، حيث بالكاد أستطيع حضور المحاضرات عند تواجدي في محيط شبكة واي فاي.” موضحة أنه ليس بمقدورها شراء جهاز كمبيوتر شخصي حالياً.

قالت  “أنا قلقة…أخشى أن لا أتمكن من تحصيل درجات متقدمة كما اعتدت سابقاً. الدراسة في الفصول أفضل بكثير.”

“لا تقتصر المشكلة بالوصول إلى شبكة الإنترنت، أحيانا يكون التيار الكهربائي مقطوعا مما يجعل من متابعة الدراسة أمراً شديد الصعوبة.”

محمد سعيد   طالب بالسنة الثانية بكلية الهندسة بجامعة مقديشيو الخاصة

تحديات تقنية

بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الصومال في كانون الثاني/يناير من هذا العام، 1.63 مليون مستخدم. وقد ارتفع عدد المستخدمين في البلاد بنسبة 7.5 في المئة، أي ما يعادل 113 ألف شخص، منذ عام 2019. أما معدل انتشار استخدام الإنترنت في الصومال فلا يتجاوز 10 في المئة بحسب شركة تتبع الاستخدام الرقمي.

وبينما تبلغ تكلفة واحد جيجا بايت من بيانات الإنترنت دولارًا واحدًا يستمر لمدة 24 ساعة فقط، إلا أن هذا المبلغ يعتبر باهظاً للنسبة الأكبر للطلاب في البلد الذي لا يتجاوز متوسط دخل الفرد فيه 600 دولار سنوياً. كما يفتقر المئات من الطلاب للمستلزمات الأساسية التي تكفل إبقاءهم على تواصل مع أساتذتهم عن بُعد، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والقدرة على الاتصال بشبكة الإنترنت بحسب تقرير حول تأثير كوفيد – 19 على التعليم العالي في الصومال الصادر عن الأجندة العامة للصومال، وهي مؤسسة بحثية محلية تهتم بالشؤون العامة.

من جهة أخرى، لا تمتلك الجامعات بنية تحتية تقنية مناسبة لهذا التحول الرقمي. وعلى الرغم من توفر بعض المنصات الرقمية المجانية كزووم، والذي يشيع استخدامه كثيراً في الصومال، فإن الاستخدام المجاني متاح فقط لمدة 40 دقيقة، مما يتطلب إعادة تشغيل الفصول الدراسية بعد هذه الفترة. يبلغ الاشتراك في الخدمة نحو 15 دولار أميركي، لكن غالبية الجامعات تتحاشى الاشتراك بالخدمة نتيجة للتحديات المالية التي تواجهها واقتصار مواردها المالية على الرسوم الدراسية التي توقف كثيرون عن سدادها منذ تعطيل الدوام الجامعي.

تعثر الجامعات المالي دفع ببعض الإدارات الجامعية لتخفيض أجور الأساتذة بنحو 30 في المئة وتسريح بعض الموظفين.

قال عبد الله بيهي حسين، الرئيس التنفيذي لشبكة البحوث والتعليم الصومالية (Somali REN) “تعتمد الجامعات على مصدر مالي واحد وهو الرسوم الطلابية. الوضع اليوم خطير ويهدد بإغلاق الجامعات.”

تواصلت الفنار للإعلام مع ثلاث جامعات للحصول على تعليق حول الوضع المالي، لكن إدارة الجامعات رفضت التعليق.

قال حسين ” حتى الأن، لا يمكننا القول أن جودة الخدمات التعليمية المقدمة للطلاب قد تأثرت بسبب الأزمة المالية. لكن إيجاد حلول أمر شديد الضرورة اليوم.”

زاد التحول المفاجئ نحو التعليم عبر الإنترنت زاد من الأعباء الملقاة على عاتق إدارة الجامعات والأساتذة في ظل غياب الاستعداد المسبق لهذا التحول وعدم توفر  مقررات إلكترونية جاهزة أو مهارات مسبقة لدى الأساتذة حول أساليب التعليم عبر الإنترنت واستخدام  مهارات التكنولوجيا الرقمية والتعامل مع أجهزة الكمبيوتر.

“كانت الجامعات تعتمد في السابق على الفصول التقليدية فقط لتقديم برامجها، يمثل التعلم عبر الإنترنت تجربة ومغامرة جديدة للجامعات في الصومال لم تكن مستعدة لها.”

فرحان إسحق يوسف   رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة مقديشيو

قال فرحان إسحق يوسف، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة مقديشيو “كانت الجامعات تعتمد في السابق على الفصول التقليدية فقط لتقديم برامجها، يمثل التعلم عبر الإنترنت تجربة ومغامرة جديدة للجامعات في الصومال لم تكن مستعدة لها.”

 محاولات للتكيف

يعتقد يوسف، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة مقديشيو، أن تخصصات العلوم والهندسة والطب هي الأكثر تضرراً من جراء التحول نحو  التعليم الإلكتروني. إذ توقفت الدروس العملية في المختبرات والتي كانت تشكل نحو 50 في المئة من المقررات الدراسية، كما توقف التدريب العملي والميداني لطلاب كليات الطب والهندسة.

قال “أعاق الوباء استكمال المناهج الدراسية بالشكل المطلوب، وتسبب في خفض الروح المعنوية للكثير من الأساتذة والطلاب الذين فقدوا شغفهم بالدراسة.”

يحاول عدد كبير من الاساتذة التكيف مع الوضع بإستخدام الكتابة اليدوية والأوراق البحثية لتوضيح الدروس ونشرها على اليوتيوب. مع ذلك، لا يبدو ذلك كافياً.

قال حسين محمد حسن، مدرس مساعد الفيزياء التطبيقية بكلية التربية جامعة مقديشيو ” تدريس العلوم التطبيقية عبر الإنترنت أمر بالغ الصعوبة لكن نحاول بقدر الإمكان مساعدة طلابنا المتعثرين.”

بحسب حسن، واجه الأساتذة والطلاب عدة صعوبات تمثلت في عدم استعدادهم لإستخدام الإنترنت في التدريس وهو ما تطلب وقتا للقيام به، وعدم توفر الإنترنت حيث عجزت بعض الأسر عن توفير كلفته، إضافة إلى صعوبة إقناع أهالي الطلاب بتدريسهم عن بعد.

قال “على الأستاذ استخدام أي طريقة متاحة لتقريب الفهم لطلابه. استخدمنا برامج مختلفة وقمنا بتسجيل المناهج لتسهيل وصول الطلاب غير القادرين إليها.”

يعتقد حسين أن حل الأزمة يحتاج لحلول غير تقليدية للبحث عن موارد مالية بديلة أو إضافية مع الرسوم كالبحث عن إقامة شراكات بحثية مع جامعات إفريقية أو توفير برامج تعاون مع المؤسسات الدولية الداعمة للتعليم العالي في الدول الفقيرة.

وإلى أن يتم تطبيق حلول مناسبة، يفكر سعيد من جامعة مقديشو بالتوقف عن الدراسة ولو لصورة مؤقتة.

قال “إذا استمر الوضع بهذه الصورة مع بداية العام الدراسي الجديد، سأقوم بتأجيل دراستي. أنا غير قادر على الاستمرار بهذا الشكل.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام