كيف يرى علماء الأنثروبولوجيا تأثير كوفيد-19 على المجتمع

/ 01-07-2020

كيف يرى علماء الأنثروبولوجيا تأثير كوفيد-19 على المجتمع

في شهر آذار/ مارس، أظهر مقطع فيديو انتشر سريعًا سائق سيارة أجرة مصري يطرد راكبًا صينيًا من سيارته على طريق سريع في القاهرة بسبب مخاوف من احتمالية أن يكون الرجل مصابًا بفيروس كورونا الجديد.

عكس ذلك الحادث وصم الناس من الصين أو أولئك الذين يحملون ملامح صينية في أعقاب جائحة كوفيد-19.

في الأيام الأولى لظهور أولى الحالات المؤكدة للإصابة بالفيروس في الصين، عجّت وسائل التواصل الاجتماعي بنظريات لتفسير أصل الفيروس، وغالبا ما ربطتها بثقافة الطعام الصينية.

السرد مقابل الواقع

لم تكن هذه المواقف مفاجأة بالنسبة لعلماء الأنثروبولوجيا، الذين يدرسون المجتمعات والسلوك والثقافات البشرية.

 قال تشارلز إل. بريغز، رئيس جمعية الأنثروبولوجيا الطبية في الولايات المتحدة وأستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، “الأوبئة موجودة على نطاق واسع ومعقد بيولوجيًا وسريريّا واجتماعيًا وجغرافيًا، بحيث يصعب على أي شخص فهمها. لذلك يميل الناس إلى تكوين رواية معينة للوباء بشكل سريع للغاية تدور غالبًا حول نقطة أصل متوقعة.”

على الرغم من أن هذه الروايات نادرًا ما تعكس معرفة وبائية، إلاّ أنها تنتشر على نطاق واسع وغالبا ما تحدد وباءًا بعينه. ومن بين الأمثلة على ذلك الكوليرا التي انتشرت في القرن التاسع عشر، والتي كانت تعرف باسم “الكوليرا الآسيوية”. إذ ساهم ربط المرض بالهند في وصم البلاد لسنوات. وبذات الطريقة، عندما ظهر فيروس إنفلونزا جديد، المعروف بالإنفلونزا أي (H2N2) في شرق آسيا عام 1957، عُرف الوباء الذي تسبب فيه باسم “الأنفلونزا الآسيوية”.

مظهر من مظاهر انعدام المساواة 

لا يعتبر الوصم النتيجة الوحيدة لهذه الروايات. يشرح بريغز أن هذه الروايات تخلق إطارًا يمكن أن يجعل الناس يرفضون العوامل الكامنة التي تساعد في تشكيل طريقة تفشي الوباء، مثل السكان، وتقديم الرعاية الصحية والموارد التي يمتلكها الناس.

قال بريغز “تعمل الأوبئة عمل الأشعة السينية لكشف انعدام المساواة في المجتمع. مثلما تبدو هذه التفاوتات جزءًا طبيعيًا من المجتمع، فجأة، وفي ظل الوباء، غالبًا ما تؤدي هذه التفاوتات إلى معدلات مختلفة للغاية من الإصابة والوفاة.”

الأنثروبولوجيا الطبية في الولايات المتحدة وأستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، “الأوبئة موجودة على نطاق واسع ومعقد بيولوجيًا وسريريّا واجتماعيًا وجغرافيًا، بحيث يصعب على أي شخص فهمها. لذلك يميل الناس إلى تكوين رواية معينة للوباء بشكل سريع للغاية تدور غالبًا حول نقطة أصل متوقعة.”

تشارلز إل. بريغز   رئيس جمعية الأنثروبولوجيا الطبية في الولايات المتحدة

مع استمرار تأثير كوفيد-19 على دول الخليج، حذرت منظمة العفو الدولية من ازدياد تعرض العمال المهاجرين في المنطقة للخطر وتعرضهم لمخاطر صحية كبيرة بسبب اكتظاظ الوحدات السكنية وعدم كفاية خدمات المياه والصرف الصحي.

في استطلاع حول تفشي الوباء، أشار معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر إلى أنه وبينما أفاد جميع من شملهم الاستطلاع عن غسل اليدين بانتظام واستخدام معقم اليدين كإجراءات وقائية ضد انتشار الفيروس، إلا أن العمال اليدويين كانوا الأقل احتمالًا للإبلاغ عن استخدام مطهرات اليد. واختتم المعهد في بيان صحفي، “ويعود ذلك، على الأرجح، لضآلة فرص وصولهم إلى مطهرات اليد”.

لوم الفئات السكانية الضعيفة

تستضيف دول الخليج غالبية الـ 23 مليون عامل مهاجر الذين يعيشون في الدول العربية. في بداية تفشي المرض، كانت معظم حالات الإصابة المُبلغ عنها في المنطقة في صفوف العمال من ذوي الياقات الزرقاء. وبدلاً من النظر في العوامل التي تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، غالبًا ما يُلام العمال المهاجرون لنشر الفيروس.

في الكويت، دعت الممثلة الشهيرة حياة الفهد إلى ترحيل العمال المهاجرين أو “الإلقاء بهم في الصحراء” كحل لنقص الأسرّة في المستشفيات الكويتية أثناء تفشي وباء كوفيد-19.

في محاولة للدفاع عن الممثلة وتوضيح تعليقاتها، قال الشاعر الإماراتي طارق المحياس في مقطع فيديو، “عندما نتحدث عن المهاجرين فإننا نعني الآسيويين [وليس العرب].” وتابع أن الآسيويين في الخليج لا يعاملون على قدم المساواة مع العرب.

اعتقلت السلطات الإماراتية المحياس في وقت لاحق بتهمة “التحريض على الكراهية”. ومع ذلك، تعكس هذه التعليقات التصورات الموجودة مسبقًا عن العمال المهاجرين في دول الخليج.

تقول فرح حلابة، طالبة الماجستير في الأنثروبولوجيا بجامعة كنتاند ومؤسسة صفحة فيسبوك شهيرة بعنوان “أنثروبولوجي بالعربي“، إن هذا الميل إلى “تقسيم المجتمع إلى “هم” و”نحن” يمثل آلية للتكيف البشري غالبًا ما تتفاقم بسبب الشعور بالتفوق.”

قالت حلابة “عندما يصبح الموت قريبًا جدًا وحاضرًا في حياتنا، يبدأ الناس في توجيه كراهيتهم للآخرين ويلومونهم على مشاكلهم كآلية للتكيف مع فكرة الانقراض. ثم، عندما يكون هناك شعور بالتفوق في الثقافة والاستعداد للمواقف العنصرية بشكل عام قبل الوباء، كما هو الحال في الخليج، ستكون النتيجة بروز مثل هذه المواقف.”

“عادة ما تقوم المعرفة الأنثروبولوجية على الارتباط طويل الأمد والعيش مع الناس. لقد جعل الوباء تحقيق هذا الأمر صعبًا أو مستحيلًا مؤقتًا، ولذلك، يبتكر العديد من علماء الأنثروبولوجيا طرقًا جديدة لإجراء البحث.”

صامولي شيلكه   الزميل الباحث في مركز الدراسات الشرقية الحديثة في برلين

التفاعل الاجتماعي الافتراضي

أدت القيود المفروضة على تنقل الأفراد والتجمعات الاجتماعية التي فُرضت في أعقاب تفشي الفيروس إلى تغيير أنماط الحياة بشكل كبير بالنسبة للكثيرين. وبينما تمكنت بعض الأنشطة الاجتماعية من الاستمرار في المجال السيبراني من خلال مكالمات الصوت والفيديو والألعاب الإلكترونية وحفلات المشاهدة والأدوات المماثلة، اتخذت الأنشطة الأخرى، مثل العبادة، شكلاً فرديًا غير مسبوق.

مع إغلاق المساجد ودور العبادة الأخرى ومنع التجمعات الدينية في العديد من البلدان العربية، كان على المصلين التخلي عن صلاة الجماعة.

لا يتوقع صامولي شيلكه، الزميل الباحث في مركز الدراسات الشرقية الحديثة في برلين، أن تصبح الممارسة الدينية أكثر فردية على المدى الطويل بسبب هذه القيود.

قال في رسالة عبر البريد الإلكتروني، “لتحقيق ذلك، يجب أن يكون هناك تحول أعمق في أوساط المؤمنين لإعطاء قيمة أقل للمجتمع والسلطة، وقيمة أكثر للروحانية والأخلاق الفردية. وبهدف حدوث مثل هذا التحول، سيحتاج الناس إلى العثور على تجربة فردية أكثر إشباعًا من التواصل المجتمعي.”

يعتقد شيلكه، عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية الذي يدرس مصر المعاصرة بالدرجة الأساس، أن معظم الأشخاص الذين كان على اتصال بهم يواجهون القيود المتعلقة بالوباء باعتباره حرمانًا مؤلمًا من الأشياء الجيدة والقيمة في حياتهم، بما في ذلك الممارسة الدينية المجتمعية.

سبل إجراء البحوث

بينما تساعد الأنثروبولوجيا في فهم السلوكيات الاجتماعية أثناء الوباء، فإن باحثيها يواجهون تحدياتهم الخاصة نتيجة لقواعد التباعد الاجتماعي وتدابير الإغلاق.

قال شيلكه “عادة ما تقوم المعرفة الأنثروبولوجية على الارتباط طويل الأمد والعيش مع الناس. لقد جعل الوباء تحقيق هذا الأمر صعبًا أو مستحيلًا مؤقتًا، ولذلك، يبتكر العديد من علماء الأنثروبولوجيا طرقًا جديدة لإجراء البحث.”

قد يكون الاعتماد على الأدوات عبر الإنترنت جزءًا من الإجابة، ولكن الوصول غير المتكافئ إلى الإنترنت بين الفئات الاجتماعية المختلفة قد يؤثر على إمكانية تطبيق طريقة البحث هذه في بعض البلدان.

يقول شيلكه أنه من السابق لأوانه القول ما إذا كانت الاضطرابات الناجمة عن الوباء سيكون لها تأثير طويل المدى على أبحاث الأنثروبولوجيا.

قال “سيثري هذا بالتأكيد مجال عملنا. ومع ذلك، وكما هو حال المؤمنين الذين ينتظرون فتح المساجد والكنائس مرة أخرى، سيحرص معظم علماء الأنثروبولوجيا على القيام بعمل ميداني تقليدي في اتصال فوري طويل الأمد مع الناس في أقرب وقت وما أن يصبح ذلك ممكنًا مرة أخرى.”




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام